حقائق مركزية عن شخص المسيح في انجيل يوحنا: نصوص العهدين وتعليقات آبائية واقتباسات معاصرة
مقدمة
يُعدّ إنجيل يوحنا من أكثر أسفار العهد الجديد تركيزًا على هوية المسيح وشخصه، إذ لا يكتفي بعرض أعماله ومعجزاته، بل يقدّمه من خلال مجموعة من الإعلانات والعبارات اللاهوتية التي تكشف سلطانه، وطبيعته، وعلاقته الفريدة بالله الآب. ومن أبرز هذه الإعلانات أقوال «أنا هو» (I AM)، التي تحتل مكانة محورية في اللاهوت اليوحناوي، لما تحمله من دلالات عميقة تربط بين شخص يسوع وإعلان الله عن ذاته في العهد القديم.
فعندما أعلن الله لموسى اسمه قائلًا: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ» (الخروج 3:14)، كشف عن ذاته بوصفه الإله الأزلي القائم بذاته. وعندما استخدم يسوع هذا التعبير في إنجيل يوحنا، ولا سيما في قوله: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنا 8:58)، فهم كثير من المفسرين والآباء المسيحيين أن هذه العبارة تحمل دلالة لاهوتية عميقة، وتشير إلى أزلية المسيح وارتباط هويته بالإعلان الإلهي في العهد القديم.
ومن هذا المنطلق، يستعرض هذا المقال الإعلانات الشهيرة التي قدّم بها يسوع نفسه: خبز الحياة، ونور العالم، والباب، والراعي الصالح، والقيامة والحياة، والطريق والحق والحياة، والكرمة الحقيقية. ولا تُعرض هذه الصور بوصفها استعارات منفصلة فحسب، بل باعتبارها لوحة متكاملة تكشف المسيح باعتباره مصدر الحياة، والشبع الروحي، والحق، والخلاص، والرجاء الأبدي.
كما يهدف المقال إلى إظهار أن رسالة المسيح، بحسب الإيمان المسيحي، لا تقتصر على تقديم تعاليم أخلاقية أو إرشادات روحية، بل تتمحور حول شخصه ذاته؛ فهو ليس مجرد معلّم يشير إلى الطريق، بل هو الطريق نفسه، وليس مجرد من يعلن الحياة، بل هو واهب الحياة.
ومن خلال نصوص العهدين، وشهادات الآباء، واقتباسات عدد من المفكرين واللاهوتيين المعاصرين، يسعى المقال إلى إبراز الصورة التي يرسمها إنجيل يوحنا للمسيح بوصفه كلمة الله المتجسد، والمخلّص الذي تتحقق فيه تطلعات الإنسان الروحية والأبدية.
يهدف هذا المقال إلى دراسة لاهوت المسيح وفقًا للفهم المسيحي، أي الإيمان بأن يسوع المسيح هو كلمة الله المتجسد، وذلك من خلال تحليل الإعلانات الشهيرة التي أعلن فيها يسوع عن نفسه بعبارة «أنا هو» (I AM) في إنجيل يوحنا.
الحقائق المركزية عن شخص المسيح في إنجيل يوحنا
أعلن المسيح عن ذاته بعبارات «أنا هو» (I AM)، وهي إعلانات ذات بُعد لاهوتي عميق، ربطها التقليد المسيحي بإعلان الله عن ذاته في العهد القديم.المسيح هو خبز الحياة؛ مصدر الشبع الروحي الحقيقي للإنسان.المسيح هو نور العالم؛ الذي يبدد ظلمة الخطية والجهل ويقود إلى الحق.المسيح هو الباب؛ المدخل إلى الخلاص والشركة مع الله.المسيح هو الراعي الصالح؛ الذي يعرف خاصته ويرعاهم ويبذل نفسه لأجلهم.المسيح هو القيامة والحياة؛ صاحب السلطان على الموت وواهب الحياة الأبدية.المسيح هو الطريق والحق والحياة؛ الذي يقود إلى الآب ومصدر الحق والحياة.المسيح هو الكرمة الحقيقية؛ مصدر الحياة الروحية والثمر الروحي للمؤمنين.المسيح ليس مجرد معلّم أو نبي، بل هو محور الخلاص الإلهي ومركز الرجاء البشري بحسب الإيمان المسيحي.
ويمكن تلخيص الفكرة المركزية للمقال في النقاط التالية:
-وحدة الإعلانات اليوحناوية:ترسم أقوال «أنا هو» صورة متكاملة للمسيح بوصفه المخلّص الإلهي الذي يلبّي أعمق احتياجات الإنسان الروحية والأبدية.
-العلاقة بين يسوع وإعلان الله في العهد القديم:ينطلق المقال من الربط بين إعلان الله عن اسمه لموسى «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ» وبين استخدام يسوع لعبارة «أنا كائن» في إنجيل يوحنا. وقد فهم التقليد المسيحي هذا الربط باعتباره إشارة إلى أزلية المسيح وهويته الإلهية.
-المسيح ليس مجرد معلّم، بل محور الخلاص:فبحسب الرؤية المسيحية، لم يأتِ يسوع ليقدّم إجابات نظرية عن الحياة فقط، بل ليعلن عن ذاته باعتباره مصدر الخلاص والحياة.
-المسيح وتلبية احتياجات الإنسان العميقة:من خلال صور خبز الحياة، ونور العالم، والباب، والراعي الصالح، والقيامة والحياة، والطريق والحق والحياة، والكرمة الحقيقية، يقدّم إنجيل يوحنا المسيح باعتباره مصدر الشبع والهداية والحماية والخلاص والحياة الأبدية.
-الإيمان الحقيقي والثبات في المسيح:ومن خلال صورة الكرمة والأغصان، يظهر التمييز بين الارتباط الظاهري بالمسيح وبين الثبات الحقيقي فيه الذي ينتج ثمرًا روحيًا.
وباختصار، يعرض المقال قراءة لاهوتية لإنجيل يوحنا ترى أن يسوع المسيح ليس مجرد نبي أو معلّم صالح، بل هو كلمة الله المتجسد والمخلّص الذي يتمحور حوله الخلاص المسيحي والرجاء الأبدي.
--------------------------------------------
قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ، أَنَا كَائِنٌ (أَنَا هُوَ)».— يوحنا 8: 58
لكي نفهم الأبعاد العميقة والخطيرة لإعلان المسيح عن نفسه بعبارة «أَنَا هُوَ» في إنجيل يوحنا، لا بد لنا أن نعود إلى الجذور، حيث كشف الله عن اسمه قديماً لموسى:
فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ» (أَنَا هُوَ الَّذِي أَنَا هُوَ). وَقَالَ: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ». وَقَالَ اللهُ أَيْضاً لِمُوسَى: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلَهُ آبَائِكُمْ، إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هَذَا اسْمِي إِلَى الأَبَدِ، وَهَذَا ذِكْرِي مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ».— الخروج 3: 14-15
"لم يأتِ يسوع ليخبرنا بأجوبة لأسئلة الحياة، بل جاء ليكون هو الجواب."— تيم كيلر (Tim Keller)
"في كل منعطف من مناحي الكتاب المقدس، لا يمكن الوصول إلا إلى استنتاج واحد منطقي يجعل لكل هذه العبارات معنى مجتمعةً ككل: يسوع هو الله الابن. هو الإله الخالق، الأزلي، الكلي القدرة، الكلي المحبة، والقائم بذاته."— ديف آرمسترونغ (Dave Armstrong)
--------------------------------------------
1. قال يسوع: أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ
فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ آمَنَ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَداً. وَلَكِنِّي قُلْتُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ قَدْ رَأَيْتُمُونِي، وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجاً. لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. وَهَذِهِ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئاً، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ أَبِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ».فَكَانَ الْيَهُودُ يَتَذَمَّرُونَ عَلَيْهِ لأَنَّهُ قَالَ: «أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ». وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هَذَا هُوَ يَسُوعَ بْنَ يُوسُفَ، الَّذِي نَحْنُ نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ؟ فَكَيْفَ يَقُولُ هَذَا: إِنِّي نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «لاَ تَتَذَمَّرُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ. لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ: وَيَكُونُ الْجَمِيعُ مُتَعَلِّمِينَ مِنَ اللهِ. فَكُلُّ مَنْ سَمِعَ مِنَ الآبِ وَتَعَلَّمَ يُقْبِلُ إِلَيَّ. لَيْسَ أَنَّ أَحَداً رَأَى الآبَ إِلاَّ الَّذِي مِنَ اللهِ. هَذَا قَدْ رَأَى الآبَ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. هَذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ، لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ. أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ».— يوحنا 6: 35-51
"يوفر المزارعون في كل مكان الخبز للبشرية جمعاء، لكن المسيح وحده هو خبز الحياة... وحتى لو أُشبع كل جوع جسدي في العالم، وحتى لو أُطعم كل جائع بكدّ يده أو بسخاء الآخرين، فإن الجوع الأعمق للإنسان سيظل قائماً... لذلك أقول: تعالوا جميعاً إلى المسيح. هو خبز الحياة. تعالوا إلى المسيح ولن تجوعوا أبداً بعد الآن."— البابا يوحنا بولس الثاني (Pope John Paul II)
"للإنسان جوع فطري إلى الله. ولا يمكن أن يشبع بأي شيء أقل من الله. الله وحده قادر على تقديم الخبز الذي يشبع الأشواق الداخلية لنفسك وجوع قلبك... الكتاب المقدس يقول إنه هو خبز الحياة."— القس الدكتور بيلي غراهام (Rev. Dr. Billy Graham)
--------------------------------------------
2. قال يسوع: أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ
ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً قَائِلاً: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ».— يوحنا 8: 12
"الكتاب المقدس ليس نور العالم، بل هو نور الكنيسة. لكن العالم لا يقرأ الكتاب المقدس، العالم يقرأ المسيحيين! 'أنتم نور العالم'."— تشارلز سبورجن (Charles Spurgeon)
"كل ظلام العالم لا يمكنه أن يطفئ نور شمعة واحدة."— القديس فرنسيس الأسيزي (Saint Francis of Assisi)
--------------------------------------------
3. قال يسوع: أَنَا هُوَ الْبَابُ
فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا بَابُ الْخِرَافِ. جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصوصٌ، وَلَكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ. أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى».— يوحنا 10: 7-9
"يسوع لا يرينا الباب فحسب؛ بل هو نفسه الباب."— القس روي هيسيون (Roy Hession)
"من السهل والشائع أن نمر سريعاً على إشارة يسوع إلى نفسه كباب، ونقفز مباشرة إلى كونه الراعي (أيضاً في هذا الأصحاح من يوحنا 10). ولكن تمهل وتأمل في أن يسوع لا يقول فقط إنه راعي خرافه، بل هو أيضاً الباب. بعبارة أخرى، يسوع ليس راعي الخراف فحسب، بل هو أيضاً الطريق الذي يقود من خلاله كل خروف من خرافه إلى محضر الله وبركته وخلاصه."— الراعي جاستن هوفمان (Pastor Justin Huffman)
--------------------------------------------
4. قال يسوع: أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ
«أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَجِيرٌ، وَلَيْسَ رَاعِياً، الَّذِي لَيْسَتِ الْخِرَافُ لَهُ، فَيَرَى الذِّئْبَ مُقْبِلاً وَيَتْرُكُ الْخِرَافَ وَيَهْرُبُ، فَيَخْطَفُ الذِّئْبُ الْخِرَافَ وَيُبَدِّدُهَا. وَالأَجِيرُ يَهْرُبُ لأَنَّهُ أَجِيرٌ، وَلاَ يُبَالِي بِالْخِرَافِ. أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي».— يوحنا 10: 11-14
"على عكس الرعاة الكذبة الذين هم الغرباء، والسرّاق، واللصوص، والذين سنرى في الأعداد من 11 إلى 21 أنهم الأجراء؛ فإن الراعي الحقيقي يعتني بخرافه. هذه الصورة يؤكدها الجميع، وسيقيدون جميعاً بأن هذا هو بالضبط ما يفعله الراعي. لديه خرافه الخاصة، وعليه مسؤولية رعاية تلك الخراف، يضعها في مكان آمن، ويدعوها من الحظيرة، ويناديها بأسمائها، وهي تعرف صوته وتتبعه، ولا تتبع غريباً، ويجب حمايتها من خطر السراق واللصوص، ويقودها الراعي إلى أماكن حيث يمكنها أن تأكل وتشرب. هذا هو الراعي الصالح. وهذه هي صورة الخلاص."— د. جون ماك آرثر (Dr. John MacArthur)
"يَهْوَهْ رَاعِيَّ فِلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. أَيْضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي. تُرَتِّبُ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ. مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأْسِي. كَأْسِي رَيَّا. إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ يَهْوَهْ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ".— الملك داود (King David)
--------------------------------------------
5. قال يسوع: أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ
فَقَالَتْ مَرْثَا لِيَسُوعَ: «يَا سَيِّدُ، لَوْ كُنْتَ هَهُنَا لَمْ يَمُتْ أَخِي! لَكِنِّي الآنَ أَيْضاً أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَطْلُبُ مِنَ اللهِ يُعْطِيكَ اللهُ إِيَّاهُ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «سَيَقُومُ أَخُوكُ». قَالَتْ لَهُ مَرْثَا: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ، فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهَذَا؟» قَالَتْ لَهُ: «نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ».— يوحنا 11: 21-27
"المسيحيون الأوائل لم يؤمنوا بالقيامة لأنهم لم يجدوا جسداً ميتاً، بل لأنهم وجدوا مسيحاً حياً."— باري مكارتي (Barry McCarty)
"ينتهي سفر التكوين بموت يوسف. وينتهي سفر التثنية بموت موسى. وينتهي سفر يشوع بموت يشوع. أما الأناجيل فتنتهي بقيامة يسوع. وهذا يغير كل شيء."— توني ميريدا (Tony Merida)
"لأنه كما يقول الكتاب: 'أَجْسَادُ قِدِّيسِينَ كَثِيرِينَ قَامَتْ'، إذ انفتحت قبورهم. لقد نزل إلى الهاوية وحده، ولكنه قام مصحوباً بجمع غفير."— القديس إغناطيوس (Saint Ignatius)
"كما قام لعازر من بين الأموات، كذلك قامت أجساد كثير من القديسين لتظهر قيامة الرب؛ ومع ذلك، ورغم أن القبور انفتحت، إلا أنهم لم يقوموا قبل أن يقوم الرب، لكي يكون هو البكر من القيامة من بين الأموات."— القديس جيروم (Saint Jerome)
--------------------------------------------
6. قال يسوع: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ
قَالَ لَهُ تُومَا: «يَا سَيِّدُ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي».— يوحنا 14: 5-6
"قال يسوع: 'أنا هو الحق'، وواجبك وواجبي هو التحدث بالحق. ثم يعود الأمر للشخص الذي يسمعه إما أن يقبله أو يرفضه."— الأم تريزا (Mother Teresa)
"الحق عابر للزمن. الحق لا يختلف من عصر إلى آخر، ومن شعب إلى آخر، ومن موقع جغرافي إلى آخر... الحق العظيم السائد يظل ثابتاً للزمن وللأبدية."— بيلي غراهام(Billy Graham)
"السؤال ليس: 'لماذا يوجد طريق واحد فقط إلى الله؟' بل 'لماذا يوجد ولو طريق واحد أساساً؟'"— القس آر. سي. سبيرول (R. C. Sproul)
--------------------------------------------
7. قال يسوع: أَنَا هُوَ الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ
«أَنَا هُوَ الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ. كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ. أَنْتُمْ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ. اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضاً إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هَذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً».— يوحنا 15: 1-5
تعليق وتفسير:كان يسوع قد قال بالفعل: "أنا هو نور العالم" (يوحنا 8: 12)؛ "أنا هو خبز الحياة" (يوحنا 6: 35)؛ "أنا هو الطريق" (يوحنا 14: 6)؛ و"أنا هو الباب" (يوحنا 10: 9). والآن، في الليلة التي سبقت موته، يقول لهم: "أنا هو الكرمة". ومثل المقاطع العظيمة الأخرى لـ "أنا هو" المسجلة في إنجيل يوحنا، فإنها تشير إلى لاهوته. كل واحدة منها عبارة عن استعارة مجازية ترفع يسوع إلى مستوى الخالق، والمعيل، والمخلص، والرب—وهي ألقاب لا يمكن أن ينسبها لنفسه إلا الله.
«أَنَا هُوَ الْكَرْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَأَبِي الْكَرَّامُ. كُلُّ غُصْنٍ فِيَّ لاَ يَأْتِي بِثَمَرٍ يَنْزِعُهُ، وَكُلُّ مَا يَأْتِي بِثَمَرٍ يُقَضِّبُهُ لِيَأْتِيَ بِثَمَرٍ أَكْثَرَ. أَنْتُمْ الآنَ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ. اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضاً إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هَذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ، لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً. إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجاً كَالْغُصْنِ فَيَجِفُّ، وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ فَيَحْتَرِقُ. إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ. بِهَذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ فَتَكُونُونَ تلاَمِيذِي». (يوحنا 15: 1-8)
الاستعارة المجازية في يوحنا 15 هي كرمة وأغصانها. الكرمة هي مصدر الحياة وقوامها للأغصان، ويجب على الأغصان أن تثبت في الكرمة لتعيش وتأتي بثمر. ويسوع، بالطبع، هو الكرمة، والأغصان هي البشر. وفي حين أنه من الواضح أن الأغصان المثمرة تمثل المسيحيين الحقيقيين، فإن هوية الأغصان غير المثمرة هي موضع تساؤل؛ حيث يقول بعض دارسي الكتاب المقدس إن الأغصان العاقر هي لمسيحيين لا يأتون بثمر روحي، بينما يعتقد آخرون أنهم غير مسيحيين. ولكن كما هو الحال دائماً، يجب أن ننظر إلى السياق للحصول على أفضل إجابة.
يتضح المعنى الحقيقي للاستعارة عندما نتأمل في شخصيات دراما تلك الليلة. كان التلاميذ مع يسوع؛ وقد أحبهم إلى المنتهى، وعزاهم بكلماته في يوحنا أصحاح 14. وكان الآب في مقدمة أفكاره، لأنه كان يفكر في أحداث اليوم التالي. ولكنه كان واعيًا أيضاً بشخص آخر—الخائن. لقد صُرف يهوذا من الشركة عندما رفض نداء محبة يسوع الأخير.
كانت كل شخصيات تلك الدراما في ذهن يسوع. لقد رأى الأحد عشر تلميذاً، الذين أحبهم بعمق وشغف. وكان واعياً بالآب، الذي شاركه محبة غير محدودة. ولا بد أنه حزن على يهوذا، الذي أحبه دون شروط.
كل تلك الشخصيات تلعب دوراً في استعارة يسوع. الكرمة هي المسيح، والكرّام (المعتني بالكرمة) هو الآب. الأغصان المثمرة تمثل الأحد عشر تلميذاً وجميع التلاميذ الحقيقيين في عصر الكنيسة. أما الأغصان غير المثمرة فتمثل يهوذا وكل الذين لم يكونوا يوماً تلاميذ حقيقيين.— د. جون ماك آرثر (Dr. John MacArthur)
خاتمة
تكشف إعلانات «أنا هو» في إنجيل يوحنا عن صورة متكاملة للمسيح تتجاوز كونه معلماً دينياً أو نبياً مرسلاً، إذ تقدّمه بوصفه مصدر الحياة والنور والخلاص والحق. فمن خلال هذه الإعلانات المتعددة، يرسم الإنجيلي يوحنا لوحة مترابطة لشخص المسيح، تُظهر أنه يلبي أعمق احتياجات الإنسان الروحية والأبدية، ويقدّم نفسه باعتباره الطريق الوحيد إلى الشركة مع الله والحياة الأبدية.
كما أن الربط بين أقوال المسيح وإعلان الله لاسمه في العهد القديم يمنح هذه النصوص بُعداً لاهوتياً بالغ الأهمية، إذ فهمت الكنيسة عبر تاريخها أن هذه الأقوال ليست مجرد استعارات روحية، بل إشارات عميقة إلى هوية المسيح الإلهية ومكانته الفريدة في خطة الخلاص.
ومن هنا، فإن أقوال «أنا هو» لا تمثل مجرد عبارات متفرقة في إنجيل يوحنا، بل تشكّل معاً إعلاناً متكاملاً عن شخص المسيح وعمله. فهو خبز الحياة الذي يشبع جوع الإنسان الروحي، ونور العالم الذي يبدد الظلمة، والباب الذي يقود إلى الخلاص، والراعي الصالح الذي يبذل نفسه عن خرافه، والقيامة والحياة التي تنتصر على الموت، والطريق والحق والحياة الذي يقود إلى الآب، والكرمة الحقيقية التي منها يستمد المؤمنون حياتهم وثمرهم الروحي.
وهكذا يقودنا إنجيل يوحنا إلى النتيجة التي أراد إعلانها منذ بدايته: أن يسوع المسيح هو كلمة الله المتجسد، وأن الإيمان به ليس مجرد قبول لتعليم أو فلسفة، بل لقاء مع شخصه، والاشتراك في الحياة التي يمنحها لكل من يقبل إليه ويثبت فيه.
Carson, D. A. The Gospel According to John. 1991.
Bauckham, Richard. Jesus and the God of Israel. 2008.
Keener, Craig S. The Gospel of John: A Commentary. 2003.
Morris, Leon. The Gospel According to John. 1995.
Oden, Thomas C., ed. Ancient Christian Commentary on Scripture: John. 2007.
ليكون للبركة