هل اكتشف علماء الآثار سر هجوم داود للاستيلاء على أورشليم عبر نظام المياه؟
Patricia Michael
يتناول البحث اكتشافًا أثريًا يفسر سبب اختيار الملك داود اقتحام مدينة يبوس (التي أصبحت لاحقًا أورشليم) عبر نظام المياه بدلاً من الهجوم المباشر. يركز البحث على خندق دفاعي عميق وعريض كان يحمي المدينة من الهجوم الشمالي، مما أجبر داود على استخدام ممرات المياه السرية لاختراق تحصينات المدينة. يعيد هذا الاكتشاف فهم الطوبوغرافيا والتحصينات القديمة لأورشليم ويوضح العبقرية العسكرية في خطة داود للاستيلاء على المدينة.
مقدمة
تقع مدينة أورشليم وسط تضاريس طوبوغرافية فريدة تتكون من تلال ووديان. قبل أن تُعرف باسم "مدينة داود" (City of David)، كانت المستوطنة الأصلية هي المدينة الكنعانية "يبوس" (Jebus)، والتي كانت تُعرف أيضًا باسم "ساليم" (Salem). شيُّدت يبوس على جرف ضيق ومنحدر بين وادي الطوريون المعروف ايضا "بوادي الطحين" (Tyropoeon Valley) إلى الغرب ووادي قدرون (Kidron Valley) إلى الشرق. من الجهة الشمالية، كانت يبوس تنحدر إلى ارتفاع أعلى وتتصل بجبل المريا (Mount Moriah). قد يظن المرء من النظرة الأولى أنه في أوقات الحرب يمكن للمهاجم تجاهل الجدران الشديدة الانحدار ليبوس من الشرق والجنوب والغرب، وأن يسير في مسيرة قصيرة نسبيًا من الارتفاع الأعلى لجبل المريا إلى المدينة المنخفضة. إلا أن الأمر لم يكن كذلك، إذ لم تُفتح يبوس قط حتى تمكن داود من تحقيق ذلك بعد مرور عدة مئات من السنين على قدوم بني إسرائيل تحت قيادة يشوع.
داود واختراق التحصينات
ورغم ما يبدو من ضعف في الجهة الشمالية، لم تُؤخذ يبوس (Jebus)في زمن يشوع، بل بقيت صامدة حتى نجح داود في الاستيلاء عليها بعد قرون. وتُسجّل الرواية الكتابية في (2 صم 5 : 6) أن سكان المدينة سخروا من داود مؤكدين أن دفاعاتهم كانت من القوة بحيث يمكن للعُمي والعُرج أن يصدّوا هجومه.
"وَذَهَبَ الْمَلِكُ وَرِجَالُهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الْيَبُوسِيِّينَ سُكَّانِ الأَرْضِ. فَكَلَّمُوا دَاوُدَ قَائِلِينَ: «لاَ تَدْخُلْ إِلَى هُنَا، مَا لَمْ تَنْزِعِ الْعُمْيَانَ وَالْعُرْجَ». أَيْ لاَ يَدْخُلُ دَاوُدُ إِلَى هُنَا. وَأَخَذَ دَاوُدُ حِصْنَ صِهْيَوْنَ، هِيَ مَدِينَةُ دَاوُدَ. وَقَالَ دَاوُدُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: «إِنَّ الَّذِي يَضْرِبُ الْيَبُوسِيِّينَ وَيَبْلُغُ إِلَى الْقَنَاةِ وَالْعُرْجِ وَالْعُمْيِ الْمُبْغَضِينَ مِنْ نَفْسِ دَاوُدَ». لِذلِكَ يَقُولُونَ: «لاَ يَدْخُلِ الْبَيْتَ أَعْمَى أَوْ أَعْرَجُ»." (2 صم 5: 6-8).
وبالفعل، لم يشن داود هجومًا مباشرًا، بل استخدم خطة مبتكرة تسلّل فيها عبر مجرى المياه إلى داخل المدينة، محققًا نصرًا استراتيجيًا مذهلًا.
لغز الهجوم من الشمال: ما الذي منعه؟
يثير هذا الحدث سؤالًا جوهريًا ظل محل دراسة لنحو 150 عامًا: ما الذي منع داود من مهاجمة المدينة مباشرة من الشمال؟ فالهجوم من تلك الجهة كان منطقيًا جغرافيًا لولا وجود عائقٍ دفاعي غير ظاهر. ويبدو أن الإجابة عن هذا السؤال بدأت تتضح أخيرًا بفضل أعمال التنقيب الحديثة.
يُفترض أن هناك نوعًا من التحصينات القوية التي كانت بمثابة عائق شديد لدرجة أن داود لم يفكر حتى في شن هجوم مباشر على أسوار المدينة من هذا الاتجاه. لماذا؟ لقد حاول عدد من علماء الآثار الإجابة عن هذا السؤال على مدار نحو 150 عامًا، وربما قد تم العثور على الجواب.
يثير هذا السؤال الحاجة إلى تصور أوضح للتضاريس العسكرية في ذلك الوقت، ولهذا تُساعدنا الرسمة التالية في فهم الانحدار النسبي للأرض وأماكن التحصينات داخل المدينة.
انظر الصورة المرفقة:
تُظهر هذه الرسمة الانحدار التدريجي نسبيًا للأرض من قمة جبل المريا (Mount Moriah) نزولًا إلى مدينة يبوس (Jebus)، التي عُرفت لاحقًا بمدينة داود (City of David). وتُبرز الرسمة هشاشة الجدار الشمالي من الناحية العسكرية مقارنة بالتحصينات القوية التي كانت تحيط ببقية أجزاء المدينة.
رُسمت هذه الرسمة قبل اكتشاف الخندق الذي يُكشف عنه حاليًا تحت موقف سيارات الجيفاتي (Givati Parking Lot) الحديث، وتُوضح التضاريس العامة لأورشليم في عهد الملك داود.
ويأمل فريق التنقيب الحالي في العثور على أدلة قاطعة تؤكد أن الخندق الدفاعي يعود إلى عهد مدينة يبوس.
الرسمة من إعداد لين ريتماير (Leen Ritmeyer)
الكشف عن الخندق الدفاعي
أعلن كل من د. يفتاح شاليف (Dr. Yiftach Shalev) من سلطة الآثار الإسرائيلية، والبروفيسور يوآف جادوت (Professor Yuval Gadot) من قسم الآثار والثقافات القديمة في جامعة تل أبيب، عن اكتشاف خندق ضخم حُفر عبر قمة الجرف، يفصل فعليًا بين جبل المريا ومدينة يبوس. وقد عُثر على هذا الخندق في منطقة "موقف سيارات الجيفاتي" (Givati Parking Lot) ضمن حديقة "مدينة داود" الوطنية في القدس.يُقدَّر عرض الخندق بنحو 30 مترًا، وعمقه 9 أمتار، وطوله قرابة 70 مترًا، ويمتد من الشرق إلى الغرب، قاطعًا كامل عرض الجرف بين وادي الطوريون ووادي قدرون.
علق أحد الباحثين على هذا الاكتشاف قائلًا إن هذا الخندق قد استلزم نحت ما يقارب نصف مليون قدم مكعب من الصخر الطبيعي، مما غيّر شكل التضاريس الأصلية بشكل جذري. وقد أكّد شاليف أن أسلوب الحفر لا يُشير إلى كونه مقلع حجارة، رغم احتمال استخدام بعض الأحجار المقتطعة في مشاريع بناء لاحقة.
كما ورد في مقال إخباري بموقع Live Science، "الجوانب الشديدة الانحدار والعمودية للخندق كانت ستجعل منه ‘غير قابل للاجتياز’ للمتسللين، وفقًا لبيان صادر عن سلطة الآثار الإسرائيلية (Israel Antiquities Authority)." وبالتالي، فإن هذا الخندق كان سيعالج نقطة الضعف الوحيدة المهمة لمدينة يبوس من خلال منع أي هجمات من جهة الشمال.
ارتباط الخندق بالاكتشافات السابقة
اللافت أن هذا الخندق كاد أن يُكتشف في ستينيات القرن العشرين، حينما أجرت عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينيون (Kathleen Kenyon) حفريات في منطقة مجاورة، لكنها فسّرت البنية التي وجدتها بأنها مجرد وادٍ طبيعي. غير أن مراجعة الدكتور يفطاح شاليف (Dr. Yiftach Shalev) والبروفيسور يوآف جادوت (Professor Yuval Gadot) لملاحظاتها كشفت أن ما رصدته كان على الأرجح امتدادًا للخندق المكتشف حديثًا، ما يوسّع من أبعاده التاريخية والجغرافية.
تاريخ الخندق وأصله اليبوسي المحتمل
أظهرت التحليلات الطبقية أن المواد الموجودة فوق الخندق تعود إلى أواخر القرن التاسع قبل الميلاد، أي إلى العصر الحديدي الثاني المتأخر / العصر الحديدي الثاني المبكر (late Iron IIA / early Iron IIB)، ما يدل على أن الخندق كان موجودًا على الأقل منذ تلك الفترة. ومع ذلك، يتحفظ شاليف عن تحديد تاريخ أقدم للخندق في غياب أدلة مادية قاطعة، لكنه يعتقد أن الحفر العميق وصولًا إلى الصخر الأساسي قد يكشف عن دلائل حاسمة تؤكد أن البناء يعود إلى الأصل اليبوسي (Jebusite origin).
الأهمية الاستراتيجية والتحول اللاحق في طوبوغرافيا المدينة
بُعيد استيلائه على أورشليم (Jerusalem)، بدأ داود (David) في إعادة تشكيل تضاريس المدينة عندما دفع ل "أرُوَنة اليبوسي" (Araunah the Jebusite) خمسين شاقلًا من الفضة ليبني مذبحًا على جبل المريا (Mount Moriah) (2 صموئيل 24: 18–25). بعد ذلك، قام ابنه سليمان (Solomon) بأعمال بناء ضخمة على التلة الشمالية، حيث شيد الهيكل (the Temple) وغيره من المنشآت المرتبطة بالعبادة هناك. كما يذكر الكتاب المقدس في سفر الملوك الأول 11:27 أن "سليمان بنى القلعة، وسدّ الثغرة في مدينة داود أبيه.""وَهذَا هُوَ سَبَبُ رَفْعِهِ يَدَهُ عَلَى الْمَلِكِ: أَنَّ سُلَيْمَانَ بَنَى الْقَلْعَةَ وَسَدَّ شُقُوقَ مَدِينَةِ دَاوُدَ أَبِيهِ." (1 مل 11: 27).
ومن الواضح أن هذا الخندق (the trench) ظل منطقة مفتوحة، وعمل كفاصل بين الأكروبوليس العظيم (the monumental acropolis) على جبل المريا والمنطقة السكنية الواقعة إلى الجنوب، حتى تم ردمه في أواخر القرن الثاني قبل الميلاد، ثم طواه النسيان.
وقد صرّح البروفيسور يوآف جادوت (Professor Yuval Gadot) أن أعمال التنقيب في المنطقة ستستمر، معبّرًا عن أمله في أن تسفر الجهود المستقبلية عن فهم أعمق للطوبوغرافيا (topography) في قمة الجرف (the top of the ridge)، بما في ذلك منطقتي الأوفيل (Ophel) والميلو (Millo)، اللتين لا تزالان غير واضحتين بدرجة كبيرة.
ليكون للبركة
Have Archaelogists Discovered why David Attacked Jerusalem through the water system ?