بين التفسير الأحادي وإعلان الثالوث: قراءة في تكوين 1 : 26
في الإصحاح الأول من سفر التكوين، تَرِدُ جملة تهزّ السموات والأرض، جملة بالغة الغنى والعمق، تحمل في طياتها ثِقَل هويتنا وغايـة وجودنا. قال الله: «نَعْمَلِ الإنسان على صورتنا كشبهنا». ليست هذه الكلمات كلمات عادية، بل هي أزلية، إلهية، وشخصية على أعمق المستويات. إنّها كلمات تُعلن لك مَن أنت، ولماذا وُجدت.
 
تأمّل في هذا: قبل أن تتكوّن في بطن أمك، وقبل أن يسجّل التاريخ اسمك، كان الله قد نطق بقيمتك. لم يُشكّلك من تراب بلا قصد، بل أعلن، في شركة الثالوث القدوس ـ الآب والابن والروح القدس ـ أن الإنسان سيحمل الطابع المطبوع من كيان الله ذاته.
 
وهذا يعني أن حياتك ليست مصادفة، ووجودك ليس عشوائيًا. أنت لست هنا لمجرّد أن تعبر الزمان ثم تتلاشى، بل لأن الله الأزلي أراد أن يكون له انعكاسٌ لذاته يسير على وجه الأرض.
 
لكن من أكثر النصوص المثيرة للجدل بحسب المعترضين هو بالذات هذا الإعلان في سفر التكوين: «نَعْمَلُ الإنسان على صورتنا كشبهنا» (تك 1:26). فهنا تدخلنا اللغة العبرية في عمق الأسئلة اللاهوتية والتفسيرية: مع من يتكلم الله؟ وهل يمكن الاكتفاء بتفسير النص على أنه مجرد "جمع تعظيم" كما يدّعون؟ أم أن النص يكشف منذ البداية عن بعدٍ أعمق في طبيعة الله، بُعدٍ سيتضح لاحقًا في إعلان الثالوث في العهد الجديد؟
 
«نَعْمَلُ الإنسان على صورتنا كشبهنا» (تك 1:26).
 
فاللغة العبرية تستخدم هنا صيغة الجمع "נַעֲשֶׂה" (نصنع/نخلق). وهذا يثير أسئلة لاهوتية وتفسيرية: مع من يتكلم الله؟ هل هو مجرد "جمع تعظيم" كما يدّعي البعض؟ أم أن النص يحمل عمقًا كاشفًا لطبيعة الله كما أُعلن لاحقًا في العهد الجديد؟
 
1. التحليل اللغوي: قوة صيغة الجمع
الفعل العبري "נַעֲשֶׂה" مأخوذ من الجذر "עשה" (عمل/صنع)، وجاء في صيغة الجمع. اللافت أن العبرية القديمة لا تعرف ما يسمى "جمع التعظيم" بالمعنى المتأخر كما في بعض اللغات الأوروبية (كالفرنسية أو الروسية). بل الجمع في العبرية إما أن يكون جمعًا حقيقيًا يشير إلى أكثر من شخص، أو يحمل دلالة مشخّصة (plural of majesty)، أي أنه طريقة لغوية لإظهار الجلالة أو العظمة أو السلطة، وليس عدديًا.
 
ومع ذلك، في هذا السياق، الجمع لا يُفهم إلا كصيغة تشير إلى تعددية داخلية في الذات الإلهية، أي تمثل التمييز الأقنومي في وحدة الجوهر الإلهي. ويؤكد هذا الاستعمال تكرار ضمائر الجمع: "صورتنا" (בְּצַלְמֵנוּ) و"شبهنا" (כִּדְמוּתֵנוּ)، ما يضيف دلالة على الحوار الداخلي بين الأقانيم وليس مجرد صياغة بلاغية.
 
2. الرد على التفسيرات اليهودية والسابيلية
التفسير اليهودي: يحاول بعض الرابيين أن يفسروا النص بأن الله يخاطب "الملائكة"، باعتبارهم شركاء مشورة. لكن الآية التالية (تك1 : 27 ) تنقض هذا التفسير بوضوح: "فخلق الله (אֱלֹהִים) الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه"، أي أن الخلق تم على صورة الله وحده، لا على صورة الملائكة.
التفسير السابلي: السابيلية التي تنكر تمايز الأقانيم ترى أن النص مجرد "خطاب مجازي"، أو "حوار داخلي" للذات الواحدة. لكن النصوص الكتابية الأخرى التي تشير لحوار بين "الرب" و"الكلمة" (مز 110 : 1، يو 1:1) تكشف أن هذا ليس مجرد أسلوب بلاغي، بل إعلان عن تعددية أقنومية في وحدة الجوهر الإلهي وقطعا ليس تعدد آلهة.
 
3- الدلالة الدفاعية المسيحية
النص يُعتبر شاهدًا كتابيًا مبكرًا على أن الله في العهد القديم لم يُعلن ذاته كـ"وحدة جامدة"، بل كوحدة حية، قائمة على التمييز الأقنومي. هذا التمييز لا ينتقص من وحدانية الله، بل يوضحها. فالإنسان خُلق على صورة الله، وهذه الصورة ليست صورة فردٍ منعزل، بل تُبرز التمايز والديناميكية الداخلية بين الاقانيم الثلاثة (الآب والابن والروح القدس).
 
في اللاهوت الدفاعي هذا النص يفند:
-الاتهام بالتعددية الوثنية: لأن النص يتحدث عن إله واحد خالق.
-السابيلية: لأن النص يكشف عن حوار أقنومي حقيقي داخل الذات الإلهية.
 
تكوين 1: 26 ليس مجرد أسلوب بلاغي، بل إعلان مقصود. صيغة الجمع "נַעֲשֶׂה" والضمائر المرافقة لها تضعنا أمام حقيقة لاهوتية. الآباء رأوا فيه لمحة مبكرة للثالوث: الآب خالق، بالكلمة، في الروح القدس. وهكذا يظهر منذ أول صفحات الكتاب المقدس أن صورة الإنسان ليست مجرد انعكاس "لقوة عُليا"، بل انعكاس لشركة محبة أزلية. وبذلك، يصبح هذا النص حجر أساس في الدفاع المسيحي ضد القراءات المبتورة التي تنكر ألوهية الابن والروح وتتهم المسيحية بتعدد الالهة.
 
للمزيد من الدراسة حول هذا الموضوع يمكنكم الرجوع الى المراجع التالية :
 
McNeill, James D. The Doctrine of the Trinity: Christianity's Self-Inflicted Wound. Discusses how ancient texts, including Genesis 1:26, provide early indications of Trinitarian teaching in Christianity.
 
Collins, John J., ed. The Hebrew Bible: A Critical Companion. Provides linguistic and critical analysis of the Hebrew Bible, including a study of Genesis 1:26.
 
Stewart, John H. The Trinity and the Theological Interpretation of Scripture. Explores how Trinitarian understanding influences biblical interpretation, with Genesis 1:26 as a key example.
 
Brown, Francis, S. R. Driver, and Charles A. Briggs. A Hebrew and English Lexicon of the Old Testament (BDB Lexicon). Detailed lexical analysis of Hebrew words including עשה and the plural form נַעֲשֶׂה.
 
Gesenius, Wilhelm. Gesenius' Hebrew-Chaldee Lexicon to the Old Testament. Explains Hebrew roots and verb forms, including plural usages in Genesis 1:26.
 
Waltke, Bruce K., and Michael O’Connor. An Introduction to Biblical Hebrew Syntax. Discusses plural forms and their theological implications in Old Testament texts.
 
Von Rad, Gerhard. Genesis: A Commentary. Classic theological commentary examining linguistic and theological aspects of Genesis 1:26.
 
Irenaeus. Against Heresies (Book III). References Genesis 1:26 in the context of Trinitarian theology.
 
Justin Martyr. Dialogue with Trypho. Early Christian commentary on Genesis 1:26 as indicating a divine dialogue within God.
 
Basil the Great. Hexaemeron. Discusses the plural form in Genesis 1:26 as referring to the Word (Logos) with God.
 
ليكون للبركة