شجرة البُطْمة | ورمزيتها في العهد القديم

Patricia Michael

شجرة من الفصيلة السماقية Pistacra Terebinthus تنمو بكثرة في فلسطين وسورية وتُعرف بعمرها الطويل، حتى إذا قطعت الشجرة الأصلية فانها تفرّخ من أسفلها فروع جديدة تنمو مكانها، وإلى ذلك أشار النبي الى هذه الخاصية (اش 6: 13) . كما قد تبلغ أشجار البطم أحجامًا كبيرة وتلتفّ أغصانها، كما ورد في وصف الشجرة العظيمة (2 صم 18: 9) الملتّفة التي علق بها أبشالوم بينما كان هاربًا على بغله.

رمزية شجرة البُطْمَة في العهد القديم:

-التجدد والاستمرارية:

أشار النبي إشعياء إلى هذا المعنى في (إش6: 13) حيث يشير إلى أن شجرة البطم، رغم قطعها، تترك فروعًا جديدة تستمر في النمو. وهذا يعبر عن الفكرة الروحية المتعلقة بالاستمرارية والتجدد بعد الدمار أو الخراب."وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا عُشْرٌ بَعْدُ، فَيَعُودُ وَيَصِيرُ لِلْخَرَابِ، وَلكِنْ كَالْبُطْمَةِ وَالْبَلُّوطَةِ، الَّتِي وَإِنْ قُطِعَتْ فَلَهَا سَاقٌ، يَكُونُ سَاقُهُ زَرْعًا مُقَدَّسًا»." (إش 6: 13).

-القوة والثبات:

تبلغ شجرة البطم أحجامًا كبيرة، وتنتشر أغصانها بكثافة، ما يجعلها رمزًا للقوة والعظمة. يُذكر في( 2 صم 18: 9 ) أن أبشالوم علق بأغصان شجرة بُطمة ملتفة أثناء هروبه، وهذا الوصف يدل على ضخامة الشجرة وكثافة أغصانها وقدرتها على الامساك بما يمر بها.

"وَصَادَفَ أَبْشَالُومُ عَبِيدَ دَاوُدَ، وَكَانَ أَبْشَالُومُ رَاكِبًا عَلَى بَغْل، فَدَخَلَ الْبَغْلُ تَحْتَ أَغْصَانِ الْبُطْمَةِ الْعَظِيمَةِ الْمُلْتَفَّةِ، فَتَعَلَّقَ رَأْسُهُ بِالْبُطْمَةِ وَعُلِّقَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالْبَغْلُ الَّذِي تَحْتَهُ مَرَّ." (2 صم 18: 9).

-الارتباط بالأحداث التاريخية والشخصيات:

الحادثة التي جرت مع أبشالوم تعطي للشجرة بعدًا سرديًا مرتبطًا بمأساة شخصية، مما يجعلها رمزًا لمآسي وعقبات قد تعترض طريق الإنسان حتى لو كان قويًا أو ذا سلطة.

-ارتباط شجرة البُطْمَة بالعبادات الوثنية:

إلى جانب رموزها الإيجابية كرمز للتجدد والقوة، تظهر شجرة البُطْمَة أيضًا في سياق سلبي مرتبط بالعبادات الوثنية التي كانت مخالفة لعبادة الله الحقيقي، وهذا يعكس الصراع الروحي بين عبادة الله الحقيقية وعبادة الأصنام في تاريخ الشعب الإسرائيلي، فكيف ارتبطت هذه الشجرة بالعبادة الوثنية؟

 1- اختيار مواقع العبادة تحت الأشجار:

في العالم القديم، كانت الأشجار الكبيرة والظليلة مثل شجرة البُطْمَة تُختار كمواقع للعبادة الوثنية، وذلك بسبب ما تمثّله من قوة حياة وطبيعة دائمة الخُضرة. كانت تُعتبر مظاهر للحياة أو رموزًا للخصوبة، لذلك أُقيمت تحتها مذابح أو تُركت كرموز مقدّسة في الطقوس.

النصوص التي تدين هذه الممارسة:

في (إشعياء 1: 29):

"لأَنَّهُمْ يَخْجَلُونَ مِنْ أَشْجَارِ الْبُطْمِ الَّتِي اشْتَهَيْتُمُوهَا، وَتُخْزَوْنَ مِنَ الْجَنَّاتِ الَّتِي اخْتَرْتُمُوهَا."

هذا النص يُشير إلى اشتهاء الشعب لتلك الأشجار التي ارتبطت بعبادات غريبة، مما يدل على ميل قلبي نحو ممارسات روحية بديلة عن عبادة الله. كان ذلك موضع خزي، لأنهم فضّلوا ما يُرضي الحواس على ما يُرضي الرب.

* الخجل من أشجار البطم التي اشتهوها:

هذا التعبير يرمز إلى الشعور بالعار والندم الذي سيصيب الشعب نتيجة تعلقهم بالممارسات الوثنية، لا سيما تلك التي كانت تُقام تحت أشجار البطم، والتي استخدمت كرموز أو مواقع لطقوس عبادة مخالفة لعبادة الله الحقيقية. فـ"الاشتهاء" هنا يعني رغبتهم القوية في تلك الممارسات التي أبعدتهم عن الإخلاص لله.

* الخزي من الجنات التي اختاروها:

الجنات تشير إلى الأماكن المقدسة أو المرتفعات التي كان اختارها الشعب لإقامة طقوسهم الوثنية، مثل العبادة للأوثان. هذه المواقع التي اختاروها ستصبح مصدر خزي لهم، لأنها تعكس انحرافهم الروحي واختيارهم للطرق الخاطئة.

استخدام الأشجار والجنات كمواقع للطقوس الوثنية، خاصة تلك المرتبطة بديانات الخصوبة الكنعانية، جعل من شجرة البُطمَة رمزًا للأماكن التي استُبدلت فيها عبادة الرب بعبادة الأوثان. فالأشجار لم تكن مذنبة في ذاتها، بل الاستعمال الوثني لها هو ما دفع النبي إشعياء، بوحيٍ من الله، إلى توجيه اللوم والعتاب إلى الشعب بسبب انحرافهم نحو الممارسات الوثنية.

2- التقابل بين "الزرع المقدّس" و"الجنات المختارة": (إش 6: 13 مقابل إش 1: 29):

في إشعياء 6: 13 يُذكر أن ساق البطم يكون "زرعًا مقدّسًا"، "وَإِنْ بَقِيَ فِيهَا عُشْرٌ بَعْدُ، فَيَعُودُ وَيَصِيرُ لِلْخَرَابِ، وَلكِنْ كَالْبُطْمَةِ وَالْبَلُّوطَةِ، الَّتِي وَإِنْ قُطِعَتْ فَلَهَا سَاقٌ، يَكُونُ سَاقُهُ زَرْعًا مُقَدَّسًا»." (إش 6: 13).

في المقابل في ( إشعياء 1: 29) يذكر أن الشعب اشتهى أشجار البطم بطريقة خاطئة، مما يعكس انحرافًا روحيًا وابتعادًا عن عبادة الله الحقيقية. هذا التقابل يبيّن أن ما هو مكرّس لله قد يُدنّس إذا أُسيء استخدامه، فالشجرة بحد ذاتها ليست رمزًا ثابتًا، بل يمكن أن تمثل رمزًا للحياة والتجدد أو تتحول إلى علامة على الانحراف والعبادة الوثنية، وذلك حسب الطريقة التي يُستخدم بها هذا الرمز في الممارسة الروحية.

خلاصة:

شجرة البُطْمَة في العهد القديم ليست مجرد نبات عادي، بل تحمل دلالات رمزية عميقة، مما يجعلها رمزًا غنيًا في النصوص الكتابية.

ليكون للبركة

Patricia Michael

الصورة  من مجلة نور المسيح