هل تُعدّ العظة على الجبل شريعةً للعهد الجديد، أم أنها مجرد مجموعة من المواعظ والتعاليم الأخلاقية والروحية الواردة في الإنجيل؟ وإذا كانت شريعة، فما طبيعتها؟ وهل تختلف عن مفهوم الشريعة في العهد القديم من حيث البنية والغاية وآلية التطبيق؟
تُعدّ العظة على الجبل (متى 5–7) من أهم النصوص المؤسسة للفكر الأخلاقي والروحي في المسيحية، ولذلك وصفها عدد من الدارسين بأنها "دستور المسيحية" أو "دستور الملكوت"؛ ليس بمعنى أنها قانون مدني أو تشريع بشري تفصيلي ينظم كل جزئيات الحياة، بل لأنها تحتوي على المبادئ الأساسية التي تكشف طبيعة الحياة التي يريدها المسيح لتلاميذه.
وسبب هذا الوصف أن العظة على الجبل تجمع بصورة مركزة أهم الأسس التي يقوم عليها الوجود المسيحي: طبيعة الإنسان الجديد، مفهوم البر الحقيقي، علاقة المؤمن بالله وبالآخرين، معنى القداسة، المحبة، الرحمة، التواضع، التسامح، ومحبة الأعداء. فهي لا تكتفي بتنظيم السلوك الخارجي، بل تكشف الجذور الداخلية للأفعال، وتنتقل بالإنسان من مجرد الالتزام بالحرف إلى تغيير القلب والضمير.
يهدف هذا التحليل المقارن إلى تقديم رؤية لاهوتية متكاملة حول العظة على الجبل وطبيعة التشريع في العهد الجديد، من خلال دراسة العلاقة بين الشريعة والنعمة، وبين الحرف والروح، وبين الوصية الخارجية وتجديد الإنسان الداخلي. كما يسعى إلى بيان ما إذا كانت العظة على الجبل تمثل مجرد إرشادات أخلاقية عامة، أم أنها تشكل جوهر "شريعة الملكوت" التي أعلنها المسيح وأقام عليها الحياة المسيحية.
ومن خلال هذا العرض يمكن استخلاص أبرز الأبعاد اللاهوتية التي تميز هذه الشريعة وتكشف طبيعتها الفريدة في إطار العهد الجديد.
أولاً: العظة على الجبل كدستور للملكوت
الخلاصة الحاسمة التي تجيب بها المسيحية على هذا التساؤل هي أن العظة على الجبل تُعد شريعةً بالفعل، ولكنها شريعة من نوع مختلف عن المفهوم التقليدي للشريعة القانونية. فهي ليست شريعة قانونية حرفية تقوم على مواد تفصيلية وعقوبات وإجراءات، بل شريعة دستورية مبدئية تقوم على المبادئ العليا التي تحكم حياة الإنسان وتوجه ضميره. ومن ثمّ فإن الإنجيل لم يخلُ من الشريعة ليتحول إلى مجرد كتاب حكم ومواعظ أخلاقية، بل جاء بما يمكن تسميته «شريعة الكمال»، وهي الشريعة التي تنقل الإنسان من طاعة الحرف والنصوص الجامدة إلى طاعة الروح والضمير الحي، ومن الالتزام الخارجي إلى التحول الداخلي.
وعندما نتأمل العظة على الجبل لا نجد أنفسنا أمام مجموعة من القوانين التفصيلية التي تنظم كل جزئية من جزئيات الحياة كما هو الحال في الشرائع المدنية أو في كثير من أحكام الناموس الموسوي، بل نجد أنفسنا أمام إعلان لمبادئ الملكوت الإلهي وقيمه العليا. فالمسيح لم يجلس ليضع كتاب قانون يحدد العقوبات والإجراءات، بل أعلن الصورة التي يريدها الله للإنسان الكامل. ومن هنا ينظر كثير من اللاهوتيين إلى العظة على الجبل بوصفها «دستور الملكوت»، أي المرجعية العليا التي تنبثق منها الحياة المسيحية كلها. فكما يضع الدستور المبادئ الأساسية التي تُبنى عليها القوانين، كذلك وضعت العظة على الجبل المبادئ الروحية والأخلاقية التي تُبنى عليها ممارسة المؤمن لحياته اليومية. ولهذا فإنها ليست مجرد موعظة وعظية أو مجموعة نصائح أخلاقية، بل تمثل جوهر التشريع المسيحي وروحه.
إن الفرق بين الشريعة الموسوية والعظة على الجبل لا يكمن في وجود الشريعة من عدمها، بل في طبيعة التشريع نفسه. فالكثير من شرائع العهد القديم جاءت في صورة أحكام تفصيلية مرتبطة بظروف تاريخية واجتماعية معينة، أما المسيح فقد انتقل بالتشريع إلى مستوى أعمق وأشمل، إذ وضع المبادئ الكلية التي يمكن أن تُستخرج منها التطبيقات العملية في مختلف العصور والثقافات. ولهذا يمكن النظر إلى العظة على الجبل باعتبارها «أبو القوانين» أو المصدر الأعلى الذي تستمد منه الحياة المسيحية معاييرها الأخلاقية والروحية، تماماً كما تستمد القوانين المدنية مشروعيتها من المبادئ الدستورية العليا. فالمسيح لم يُلغِ مفهوم الشريعة، بل رفعه إلى مستوى أكثر كمالاً واتساعاً، بحيث لم تعد الشريعة مجرد أوامر خارجية تُفرض على الإنسان، بل أصبحت حياةً داخليةً تُشكّل الإنسان نفسه.
لتوضيح الفارق بين مفهوم الشريعة في العهدين القديم والجديد من حيث البنية، الغاية، وآلية التطبيق، نلخصها في النقاط التالية:
1. من حيث البنية والجوهر (الحرف ضد الروح)
العهد القديم (شريعة موسى): بنيتها قائمة على الأوامر والنواهي الخارجية الصارمة (افعل ولا تفعل) والحدود الظاهرة. كان التركيز ينصب على الفعل المادي المشهود (مثل: لا تقتل، لا تزنِ، وباقي الوصايا ).
العهد الجديد (العظة على الجبل): تنتقل البنية من السلوك الخارجي إلى أعماق القلب والدوافع الداخلية. المسيح هنا لا يلغي الشريعة الأولى بل "يكملها" ويدخل إلى جذر الفعل؛ فالغضب غير المبرر يصبح في مرتبة القتل، والنظرة الشهوانية تعادل الزنى في القلب. إنها شريعة كمال روحي وأخلاقي.
2. من حيث الغاية والهدف (الضبط ضد التحويل)
العهد القديم: الشريعة غايتها ضبط المجتمع، كبح جماح الخطيئة، وإظهار عجز الإنسان عن تحقيق البر الذاتي لتوجيهه نحو الحاجة إلى مخلّص. هي بمثابة "المؤدب" بحسب قول بولس الرسول "إِذًا قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ (غلاطية 3: 24).
العهد الجديد: الشريعة غايتها تحويل طبيعة الإنسان وتأهيله ليكون ابناً لله ومواطناً في ملكوت السماوات. الهدف ليس مجرد تجنب العقاب أو نيل مكافأة أرضية، بل التشبه بالكمال الإلهي: "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (متى 5: 48).
3. من حيث آلية التطبيق والقدرة (الجهد الذاتي ضد النعمة)
العهد القديم: تعتمد آلية التطبيق على الجهد الإنساني الذاتي والطاعة الحرفية والخوف من اللعنة المترتبة على كسر الناموس، وهي مكتوبة على "ألواح حجرية".
العهد الجديد: بما أن مطالب العظة على الجبل تفوق القدرة البشرية الطبيعية، فإن آلية تطبيقها لا تعتمد على الجهد البشري الصرف، بل على عمل الروح القدس والنعمة الإلهية اللذين يسندان الجهد البشري. فالناموس الجديد يُكتب على «ألواح قلب لحمية»، حيث يمنح الله الإنسان طبيعة جديدة وقوة داخلية ليعيش هذه التعاليم.
الخلاصة:
العظة على الجبل هي "الشريعة الروحية" للعهد الجديد. هي ليست قانوناً جنائياً أو مدنياً كالشريعة الموسوية، بل هي كشف عن شخصية المسيح نفسه وعن السلوك الطبيعي للإنسان الذي تجدد بالنعمة وسكن فيه الروح القدس.
ثانياً: الانتقال من ضبط السلوك إلى تغيير الإنسان نفسه
تكمن إحدى أعظم ثورات المسيح الروحية في نقله مركز الشريعة من الفعل الخارجي إلى القلب الداخلي. ففي الناموس كان التركيز غالباً على السلوك الظاهر الذي يمكن للإنسان والسلطة الدينية مراقبته، أما في العهد الجديد فقد أصبح القلب نفسه موضع الاهتمام الإلهي. فالمسيح لم يكتفِ بتحريم القتل، بل كشف أن الغضب والكراهية هما البذرة التي قد تنمو لتصبح قتلاً. ولم يكتفِ بتحريم الزنا، بل أظهر أن الشهوة التي تسكن القلب هي أصل السقوط. بهذا المعنى لم يعد الإنسان يُقيَّم فقط بناءً على ما يفعله، بل أيضاً بناءً على ما يحمله في داخله من نوايا واتجاهات. لقد تحولت الشريعة من كونها ضابطاً للسلوك الخارجي إلى مشروع إلهي لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بحيث تصبح الأفعال الصالحة ثمرة طبيعية لقلب متجدد لا مجرد التزام حرفي بأوامر مكتوبة.
ثالثاً: عالمية المبادئ ومرونتها عبر العصور
لو أن المسيح جاء بشريعة تفصيلية تغطي كل حالة محتملة، لارتبطت تلك الشريعة بظروف زمنية وثقافية محددة، وربما احتاجت إلى تعديل مستمر مع تغير المجتمعات. لكن حكمة الإنجيل تظهر في أنه قدّم مبادئ عامة تتجاوز حدود الأزمنة والثقافات. فالمحبة والرحمة والصدق والطهارة ليست قيماً مرتبطة بقرن معين أو بشعب معين، بل هي حقائق إنسانية ثابتة تستطيع أن تخاطب الإنسان في القرن الأول كما تخاطبه في القرن الحادي والعشرين. ولذلك فإن العظة على الجبل لم تفقد صلاحيتها مع تطور الحضارات أو ظهور تحديات جديدة لم تكن معروفة في العصور القديمة. فالمبادئ التي أعلنها المسيح تظل قادرة على توجيه الإنسان في مختلف الظروف والاماكن لأنها تخاطب جوهر الطبيعة البشرية لا التفاصيل المتغيرة للحياة الاجتماعية.
رابعاً: شريعة الملكوت الروحي لا قانون الدولة
من الأخطاء الشائعة قراءة العظة على الجبل كما لو كانت مشروعاً سياسياً أو دستوراً لدولة أرضية. فالإنجيل لا يهدف إلى إنشاء نظام حكم مدني أو جنائي، ولا يقدّم قواعد لإدارة مؤسسات الدولة أو تنظيم العلاقات السياسية بين الشعوب. إن رسالة المسيح تتعلق أولاً بملكوت الله الذي يبدأ في قلب الإنسان. ولهذا أكد المسيح التمييز بين المجالين حين قال: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله». فالعظة على الجبل تتعامل مع الإنسان بوصفه كائناً روحياً وأخلاقياً، وتسعى إلى إصلاح قلبه وضميره، لا إلى بناء جهاز تشريعي أو قضائي. ومن هنا يمكن للمسيحي أن يعيش وفق مبادئ العظة على الجبل داخل مجتمعات وثقافات وأنظمة سياسية مختلفة، لأن هذه المبادئ لا تنتمي إلى دولة معينة بل إلى ملكوت الله الذي يتجاوز الحدود القومية والسياسية.
ومع ذلك، فإن هذا الإصلاح الذي يبدأ من الداخل لا ينعزل عن الواقع؛ فالإنسان الذي يعيش بصدق وفق مبادئ العظة على الجبل، ويختبر تجديد القلب والضمير، يصبح أداة حية للارتقاء بالمجتمع من حوله. إنها شريعة تغيّر المجتمع من خلال تغيير الفرد، فترفع من كفاءة المجتمع الأخلاقية والإنسانية دون الحاجة إلى فرضها كقانون سياسي مادي.
خامساً: المحبة باعتبارها أصل التشريع كله
في العهد الجديد لا تظهر المحبة كوصية من بين وصايا عديدة، بل باعتبارها المبدأ الذي يمنح جميع الوصايا معناها ووحدتها. فكل ما يطلبه الله من الإنسان يجد جذوره في المحبة. إن الامتناع عن القتل ليس مجرد التزام قانوني، بل تعبير عن احترام حياة الآخر ومحبته. والأمانة ليست مجرد واجب أخلاقي، بل ثمرة محبة صادقة للحق وللآخرين. وحتى محبة الأعداء، التي تبدو للكثيرين ذروة المثال المسيحي، تعكس طبيعة الله نفسه الذي يحب البشر رغم سقوطهم. ولهذا استطاع المسيح أن يلخص الناموس كله في محبة الله ومحبة القريب، لأن المحبة ليست حكماً إضافياً فوق الأحكام الأخرى، بل هي الروح التي تجعل جميع الأحكام متماسكة ومفهومة. ومن دون المحبة تتحول الشريعة إلى مجموعة أوامر جامدة، أما معها فتصبح طريقاً نحو التشبه بالله.
سادساً: مثاليات العظة على الجبل وهدفها الحقيقي
كثيراً ما تُتهم العظة على الجبل بأنها مثالية إلى درجة تجعل تطبيقها مستحيلاً في الواقع العملي. غير أن هذا الاعتراض ينشأ غالباً من سوء فهم لطبيعة النص. فالمسيح لم يكن يضع برنامجاً لإدارة الدول أو معالجة النزاعات السياسية والعسكرية، بل كان يرسم صورة الإنسان الذي يتجدد بنعمة الله. والعظة على الجبل لا تهدف إلى وصف ما يفعله البشر بطبيعتهم الساقطة، بل ما يمكن أن يصيروا إليه عندما يعمل الله فيهم. إنها لا تبدأ من واقع الإنسان الحالي بل من الدعوة الإلهية الموجهة إليه. ولذلك فإن مثاليتها ليست دليلاً على عدم واقعيتها، بل دليلاً على أنها ترفع الإنسان نحو غاية أسمى من مجرد التكيف مع الواقع القائم.
سابعاً: المسيح وتكميل الشريعة
عندما أعلن المسيح أنه لم يأت لينقض الناموس بل ليكمله، كان يعلن أن العهد الجديد ليس قطيعة مع إعلان الله السابق بل تحقيقاً له. فالشريعة القديمة لم تكن غاية في ذاتها، بل كانت تقود الإنسان تدريجياً نحو ملء الإعلان في المسيح. وقد جاء هذا التكميل من خلال كشف المعنى الأعمق للوصايا وإظهار مقصدها النهائي. فبدلاً من أن تبقى الشريعة مجموعة أوامر خارجية، أصبحت في المسيح دعوة إلى اتحاد الإنسان بالله وتغيير طبيعته الداخلية. وهكذا انتقل المؤمن من مرحلة الخضوع للحرف إلى مرحلة الحياة بالروح، ومن التركيز على الامتثال الخارجي إلى السعي نحو القداسة والمحبة اللتين تشكلان جوهر إرادة الله.
ثامناً: العظة على الجبل بوصفها شريعة الكمال
في نهاية المطاف يمكن القول إن العظة على الجبل تمثل أرقى تعبير عن طبيعة التشريع في العهد الجديد. فهي ليست قانوناً تفصيلياً يحدد كل موقف محتمل، وليست أيضاً مجرد مجموعة حكم أخلاقية جميلة يمكن قبولها أو تجاهلها بحسب الرغبة. إنها شريعة حقيقية، لكنها شريعة من نوع مختلف؛ شريعة تسعى إلى تكوين الإنسان الكامل لا إلى مجرد ضبط تصرفاته. إنها تدعو الإنسان إلى أن يحمل في داخله فكر الله وقيمه، بحيث تنبع أفعاله تلقائياً من قلب متجدد. ومن هنا فإن المسيحية لم تستبدل الشريعة بالحكمة، ولم تلغِ الالتزام الأخلاقي باسم الحرية، بل قدمت ما يمكن تسميته «شريعة الكمال» التي تتجاوز الحرف إلى الروح، وتتجاوز الفعل إلى القلب، وتتجاوز الزمن إلى الأبدية.
Stott, John R. W. The Message of the Sermon on the Mount: The Message of the Kingdom. Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1978.
Davies, W. D., and Dale C. Allison Jr. A Critical and Exegetical Commentary on the Gospel According to Saint Matthew. Vol. 1: Introduction and Commentary on Matthew I–VII. Edinburgh: T&T Clark, 1988.
France, R. T. The Gospel of Matthew. Grand Rapids, MI: William B. Eerdmans Publishing Company, 2007.
Bonhoeffer, Dietrich. The Cost of Discipleship. Translated by R. H. Fuller and Irmgard Booth. New York: Touchstone, 1995.
Hays, Richard B. The Moral Vision of the New Testament: Community, Cross, New Creation: A Contemporary Introduction to New Testament Ethics. San Francisco: HarperSanFrancisco, 1996.
ليكون للبركة