اكتشافات مذهلة في علم الآثار الكتابي: الألواح ثنائية اللغة بالأمورية/الأكاديةترجمة ودراسة
مقدمة:
في مطلع عام 2023، شهدت الساحة الأكاديمية اكتشافًا فريدًا من نوعه يُعد من أبرز الإنجازات في ميدان علم الآثار والدراسات اللغوية التوراتية؛ فقد نُشرت لأول مرة نصوص مكتوبة باللغة الأمورية، وهي اللغة التي طالما حيّرت الباحثين، وظل وجودها المكتوب محل جدل لعقود.
قد وصف الخبراء هذا الحدث بأنه يحمل أهمية بالغة للدراسات الكتابية والتاريخية، لما يكشفه من أوجه الصلة الوثيقة بين اللغة الأمورية، وهي إحدى اللغات السامية الشمالية الغربية، وبين اللغة العبرية التي كُتب بها العهد القديم.
الألواح المكتشفة، والتي تعود إلى العصر البابلي القديم في الألفية الثانية قبل الميلاد، تحتوي على نصوص ثنائية اللغة: عمود بالأمورية وآخر بالأكادية، وتضم قوائم لأسماء آلهة ومأكولات وملابس وعبارات حياتية شائعة. المفاجأة الكبرى التي أبرزها علماء اللغة، ومنهم البروفيسور يورام كوهين Prof. Yoram Cohen ، أن كثيرًا من الكلمات الأمورية في هذه النصوص يمكن أن يفهمها من يعرف العبرية دون حاجة إلى معرفة لغوية متخصصة، مما يدل على القرب الشديد بين اللغتين.
هذا الاكتشاف لا يثري المعرفة اللغوية فحسب، بل يعيد أيضًا الاعتبار للرواية التوراتية حول أصول بني إسرائيل الذين جاؤوا من مناطق كان الأموريون جزءًا منها، ويتكلمون بلسانٍ قريبٍ من العبرية. ويرتبط هذا الاكتشاف كذلك بأعمال التنقيب في خربة المقاطر في إسرائيل، حيث وُجدت بقايا حصن أموري يعود إلى الفترة نفسها تقريبًا، ما يعزز الرؤية الكتابية التي تربط بين الأموريين ومدينة أورشليم. بهذه الطريقة، تنكشف أمامنا أدلة جديدة تدعم الصلة العميقة بين التراث العبري والبيئة الثقافية واللغوية التي سبقت ظهوره، وتفتح آفاقًا واسعة لفهم جديد للتاريخ الكتابي في ضوء الاكتشافات الأثرية الحديثة.
"اكتشاف الألواح الأمورية–الأكادية: تطابق لغوي مذهل يدعم السرد التاريخي في التوراة"
في شهر يناير من عام 2023، نُشرت لأول مرة نصوص مكتوبة باللغة الأمورية، وهو ما سيكون له أثر بعيد المدى على الدراسات الكتابية والتاريخية واللغوية. صرّح البروفيسور يورام كوهين Prof. Yoram Cohen ، من قسم علم الآثار بجامعة تل أبيب، بأن هذا النشر كان "مدهشًا" وذا "أهمية أساسية جدًا".قبل ذلك، كانت معرفتنا باللغة الأمورية تقتصر على عدد قليل من الأسماء التي وردت ككلمات دخيلة في الوثائق الأكادية. وكان بعض الباحثين يشكّكون أصلًا في وجود لغة أمورية مكتوبة. ويمكن تفسير ندرة النصوص الأمورية بحقيقة أن اللغة السائدة في الألفية الثانية قبل الميلاد كانت الأكادية. وحتى حينما ازدادت قوة الأموريين، بقيت لغتا التعليم والإدارة هما الأكادية والسومرية.
ظهر المقال بعنوان: “Two Remarkable Vocabularies: Amorite-Akkadian Bilinguals” بقلم أندرو جورج Andrew George ومانفريد كريبيرنيك Manfred Krebernik، في مجلة Revue ďAssyriologie et ďArchéologie Orientale 116 (2022): 113–66.
أندرو جورج هو أستاذ فخري للأدب البابلي في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، ومانفريد كريبيرنيك هو أستاذ ورئيس قسم دراسات الشرق الأدنى القديم في جامعة ينا بألمانيا. وقد أمضى العالمان ست سنوات في دراسة هذين اللوحين الطينيين المكتوبين بالخط المسماري.
تم الحصول على النصوص في العراق منذ حوالي أربعين عامًا، ربما خلال الحرب الإيرانية العراقية بين عامي 1980 و1988، لكن لم يتم الكشف عن تفاصيل مصدرها بدقة. كلا اللوحين متشابهان من حيث الطبيعة؛ فالعمود الأيسر مكتوب باللغة الأمورية، والعمود الأيمن يحتوي على ترجمته إلى الأكادية. ورغم أن نصوصًا ثنائية اللغة قد اكتُشفت سابقًا، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي نجد فيها ترجمات لكلمات وعبارات أمورية إلى الأكادية.
اللوح الأول يبدأ بقائمة من الآلهة، تليها أسماء مجموعات نجمية، وأطعمة، وأنواع من الملابس، كلها مترجمة إلى الأكادية في العمود الأيمن. ثم يتبع ذلك قسم مكتوب فقط بالأمورية، يضم عبارات أطول وعددًا من الأبيات الأدبية القصيرة.
اللوح الثاني يتكوّن من عبارات ثنائية اللغة بالأمورية والأكادية، تبدو كأنها تُستخدم في التفاعلات الاجتماعية اليومية. تدل المفردات والبنية النحوية للنصوص على أنها كُتبت على الأرجح في جنوبي بلاد ما بين النهرين، في المنطقة المعروفة باسم بابل. وعلاوة على ذلك، فإن اللغة وأسلوب الكتابة في اللوحين متشابهان جدًا لدرجة أنه يُحتمل أنهما كُتبا في نفس المركز التعليمي أو المدرسة التي كان يتم فيها تدريب الكتبة، بل من المحتمل أيضًا أن يكون نفس الكاتب قد دوّن كليهما. وبناءً على السمات اللغوية للنص المسماري، يمكن تأريخ اللوحين إلى العصر البابلي القديم، نحو 1894–1595 ق.م، أي زمن الإقامة المصرية.
يُذكر الأموريون كثيرًا في الكتاب المقدس. فقد نشأوا في جنوبي بلاد ما بين النهرين في أواخر الألفية الثالثة، وامتد نفوذهم تدريجيًا نحو الغرب. وبحلول نحو عام 1800 ق.م، كانوا قد سيطروا على معظم المراكز الحضرية في منطقة الشام. وعندما دخل بنو إسرائيل أرض الموعد في نهاية القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أُدرج الأموريون ضمن الشعوب الأصلية التي كان عليهم أن يقهروها. وقد انتصر الإسرائيليون على ملوك الأموريين في كلٍّ من عبر الأردن وأرض كنعان.
الأمر المذهل في اللغة الأمورية الظاهرة في هذه الألواح هو أنها تنتمي إلى اللغات السامية الشمالية الغربية، وتكاد تتطابق مع العبرية الكتابية. وقد صرّح البروفيسور كوهين: "في هذا النص، الذي هو قديم جدًا، تظهر كلمات يمكن لأي شخص يعرف العبرية أن يتعرف عليها فورًا. لا تحتاج أن تكون لغويًا كي تدرك الصلة بالعبرية'. وأضاف أن النصوص تُثبت 'دون أدنى شك' أنه كان هناك، في الألفية الثانية قبل الميلاد، لغة منطوقة قريبة جدًا من العبرية."
وهذا ليس بالأمر المستغرب، إذ إن السجل الكتابي يشير إلى أن بني إسرائيل أتوا أصلاً من منطقة حاران في شمال بلاد ما بين النهرين، حيث كانت اللغة السامية الشمالية الغربية هي السائدة. وقد طوّر الأموريون شكلًا كتابيًا للغتهم باستخدام نظام الكتابة المسمارية الرمزية-المقطعية، في حين طوّر بنو إسرائيل شكلًا كتابيًا للغتهم باستخدام الأبجدية المستندة إلى الهيروغليفية المصرية، كما شرح الباحث دوغلاس بيتروفيتش Douglas Petrovich في كتابه The World’s Oldest Alphabet (2016).
تكتسب ألواح اللغة الأمورية أهمية خاصة بالنسبة "لجمعية الباحثين في علم الآثار الكتابي (ABR)، ليس فقط لأنها تربط بني إسرائيل بموطنهم الأصلي، بل أيضًا لأنها ترتبط بحفرياتنا في موقع خربة المقاطر في إسرائيل Khirbet el-Maqatir . فقد كشفنا هناك عن بقايا حصن من العصر البرونزي يعود تاريخه إلى ما بين 1650–1406 ق.م، أي ربما أثناء أو بعد زمن هذه الألواح بقليل. كان هذا الحصن يحمي الحدود الشمالية لإقليم أورشليم، الذي كان يحكمه ملك أموري.
وبخصوص تأسيس أورشليم، يقول حزقيال Ezekiel : "وَقُلْ: هكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ لأُورُشَلِيمَ: مَخْرَجُكِ وَمَوْلِدُكِ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ. أَبُوكِ أَمُورِيٌّ وَأُمُّكِ حِثِّيَّةٌ." (حز 16: 3). إذًا، كان الأموريون هم من بنوا وشغلوا حصن خربة المقاطر. وقد عُرفوا ببنائهم الضخم، وهو ما نُشاهده في الموقع. ووفقًا لسفر عاموس، كانوا طوال القامة وأشدّاء: «وَأَنَا قَدْ أَبَدْتُ مِنْ أَمَامِهِمِ الأَمُورِيَّ الَّذِي قَامَتُهُ مِثْلُ قَامَةِ الأَرْزِ، وَهُوَ قَوِيٌّ كَالْبَلُّوطِ. (عاموس 2: 9).
ميزة هذا الاكتشاف تكمن في كونه أول نصوص مكتوبة باللغة الأمورية تم العثور عليها وفهمها بالكامل من خلال الترجمة الثنائية مع الأكادية، وهو أمر كان يشكل لغزًا لفترة طويلة لأن اللغة الأمورية كانت معروفة فقط من خلال كلمات معزولة وردت كاقتباسات أو كلمات دخيلة في نصوص أكادية.
اهمية هذا الاكتشاف ودلالته :
يمثل اكتشاف الألواح الأمورية–الأكادية نقطة تحوّل في علم الآثار الكتابي والدراسات اللغوية والتاريخية، وذلك للأسباب التالية:
أولًا: لأنه يكسر حاجز الصمت حول لغة كانت مجهولة كتابيًاقبل هذا الاكتشاف، لم يكن معروفًا وجود نصوص مكتوبة باللغة الأمورية، واقتصر علمنا بها على كلمات مشتتة ظهرت في نصوص أكادية. هذا الكشف يقدم أول دليل نصي مباشر على أن للأموريين لغة مكتوبة مميزة ونظام كتابة خاص.
ثانيًا: لأنه يقدم ترجمة ثنائية دقيقة تساعد على فهم اللغةوجود الأعمدة الثنائية بالأمورية والأكادية في النصوص المكتشفة يتيح للباحثين تحليل مفردات وتراكيب الأمورية بدقة، لأول مرة، مما يشكّل خطوة مهمة لفك شفرة هذه اللغة القديمة وفهم بنيتها.
ثالثًا: لأنه يوفّر مادة لغوية نادرة من الألفية الثانية قبل الميلادالأمورية لغة سامية شمالية غربية، لكن لم يكن لدينا أي مصدر موثوق لمادتها اللغوية حتى الآن. هذه الألواح تُمثّل مرجعًا لغويًا أصيلًا يساعد في إعادة بناء المشهد اللغوي القديم في المنطقة.
رابعًا: لأنه يكشف تقاربًا مدهشًا مع العبرية الكتابيةاللغة الأمورية في الألواح تُظهر تشابهًا كبيرًا مع العبرية، ما يُعزز الرؤية الكتابية بأن بني إسرائيل نشأوا في بيئة لغوية قريبة من العبرية، وأن لغتهم لم تظهر في معزل، بل امتدت من جذور سامية مشتركة.
خامسًا: لأنه يدعم مصداقية الرواية التاريخية الكتابيةيعود تاريخ الألواح إلى العصر البابلي القديم (نحو 1894–1595 ق.م)، وهو نفس الزمن الذي يرتبط بأحداث الإقامة المصرية وبدايات الشعب الإسرائيلي، ما يضفي مصداقية أثرية على السرد التوراتي.
سادسًا: لأنه يؤكد وحدة البيئة الثقافية للمنطقة التوراتيةاللوحان يحتويان على كلمات تتعلق بالحياة اليومية، من أسماء آلهة وأطعمة وملابس وعبارات اجتماعية، وهي مكونات تشكل صورة واقعية للثقافة الأمورية، والتي كانت جزءًا من بيئة الكتاب المقدس.
سابعًا: لأنه يربط اللغة بالتاريخ والجغرافيا الكتابيةاللغة المكتشفة تعود لمنطقة جنوب بلاد الرافدين، حيث نشأ الأموريون، وهم بدورهم انتشروا غربًا وصولًا إلى كنعان، ما ينسجم مع السرد التوراتي عن الشعوب التي واجهها بنو إسرائيل عند دخولهم الأرض.
ثامنًا: لأنه يعزز فهمنا لأصل اللغة العبرية وتطورهايدلّ هذا الاكتشاف على أن العبرية لم تكن لغة مبتكرة فجأة، بل تطورت عن لغات سابقة في محيطها الجغرافي واللغوي، مما يساعد الباحثين على تتبع مراحل نشأتها وتاريخها الأقدم.
تاسعًا: لأنه يقدّم مرجعًا أثريًا لغويًا فريدًا في بابهحتى الآن، لا توجد نصوص أخرى معروفة تقدم هذا النوع من الترجمة الثنائية بين لغة سامية نادرة ولغة أدبية دولية كالأكادية، مما يجعل هذا الاكتشاف أداة لا غنى عنها في الدراسات المقارنة.
عاشرًا: لأنه يعزز التكامل بين علم الآثار واللاهوت الكتابيهذا الاكتشاف لا يضيف فقط إلى المعرفة اللغوية، بل يؤكد أيضًا على أن النصوص الكتابية لها جذور في بيئة لغوية وثقافية حقيقية، ما يشكل نقطة التقاء بين البحث الأكاديمي والإيمان الكتابي.
ليكون للبركة
Amazing Discoveries in Biblical ArchaeologyThe Bilingual Amorite/Akkadian Cuneiform Tablets