هل كان يشوع يعتقد أن الحجر يسمع ويتكلم ويشهد على الإنسان؟

وهل يعكس هذا النص اعتقادًا بدائيًا وثنيا ينسب الحياة والوعي إلى الجمادات؟

PatriciaMihael

«وَكَتَبَ يَشُوعُ هَذَا الْكَلاَمَ فِي سِفْرِ شَرِيعَةِ اللهِ. وَأَخَذَ حَجَرًا كَبِيرًا وَنَصَبَهُ هُنَاكَ تَحْتَ الْبَلُّوطَةِ الَّتِي عِنْدَ مَقْدِسِ الرَّبِّ. ثُمَّ قَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: إِنَّ هَذَا الْحَجَرَ يَكُونُشَاهِدًا عَلَيْنَا، لأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ كُلَّ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي كَلَّمَنَا بِهِ، فَيَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْكُمْ لِئَلاَّ تَجْحَدُوا إِلَهَكُمْ» (يش 24: 26-27).

يثير بعض المشككين اعتراضًا على هذا النص قائلين: إذا كان يشوع يقول إن الحجر «قد سمع» كلام الرب، وإنه سيكون «شاهدًا» على الشعب، فهل كان يؤمن بأن الحجر يمتلك سمعًا وإدراكًا وقدرة على الشهادة مثل الإنسان؟ وهل يعكس هذا النص اعتقادًا بدائيًا وثنيا ينسب الحياة والوعي إلى الجمادات؟

أولًا: الكتاب المقدس نفسه يرفض الاعتقاد بأن الجمادات تملك حياة أو إدراكًا

قبل تفسير النص يجب النظر إلى الفكر الكتابي ككل.

فلو افترضنا أن يشوع كان يؤمن بأن الحجر يسمع حرفيًا، لوقعنا في تناقض مباشر مع تعليم الكتاب المقدس نفسه.

فالكتاب المقدس يؤكد مرارًا أن الجمادات لا تمتلك إدراكًا أو قدرة ذاتية على السمع أو الكلام.

فعند حديثه عن الأصنام المصنوعة من الحجر والخشب يقول:

«لَهَا أَفْواهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ» (مز 115: 5-6).

تُشير الآيات (مزمور 115: 5-6) من الكتاب المقدس إلى بطلان الأوثان وجمودها. وتصف الآيات الأصنام بأنها تماثيل مصنوعة لا حياة فيها ولا حركة؛ فلها أفواه لكنها لا تتكلم، ولها أعين لا تبصر، وآذان لا تسمع، ومناخر (أنوف) لا تشم.

ويقول النبي إرميا:

«لاَ تَتَكَلَّمُ... وَلاَ تَمْشِي» (إر 10: 5).

يصف بطلان وتفاهة الأصنام والأوثان المصنوعة من الخشب والذهب. يشير النص إلى أن هذه الآلهة المزعومة عاجزة تماماً: فهي لا تتكلم، ولا تمشي بل تُحمل، ولا تملك القدرة على إلحاق الضرر أو صنع الخير، مما يدعو لعدم الخوف منها.

وهذا يوضح أن الفكر الكتابي لا ينسب الإدراك الحقيقي إلى الأشياء الجامدة.

لذلك فإن تفسير عبارة «لأنه قد سمع» تفسيرًا حرفيًا يصطدم بالسياق العام للكتاب المقدس نفسه.

فالنص لا يهدف إلى تعليم أن الأحجار تمتلك أجهزة سمع أو قدرة عقلية، بل يتحدث عن دور الحجر كنصب تذكاري للعهد الذي قطعه الشعب أمام الله.

ثانيًا: سياق النص يتحدث عن تجديد عهد لا عن طبيعة الأحجار

لفهم أي عبارة كتابية ينبغي قراءتها داخل سياقها المباشر.

في يشوع 24 جمع يشوع الشعب في شكيم، واستعرض أمامهم تاريخ معاملات الله معهم منذ أيام الآباء وحتى دخولهم أرض الموعد.

ثم دعاهم إلى اتخاذ قرار حاسم:

«فَاخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمُ الْيَوْمَ مَنْ تَعْبُدُونَ» (يش 24: 15).

دعوة صريحة لحرية الإرادة والمسؤولية الشخصية. يعلن فيها القائد يشوع للشعب الإسرائيلي أن الإيمان قرار شخصي يتطلب التزاماً حاسماً.

خيّر يشوع الشعب بين عبادة الله الواحد الحقيقي (يهوه) أو عبادة آلهة الآلهة الغريبة العديمة الادراك والحس.

وبعد أن أعلن الشعب التزامهم بعبادة الرب وتجديد عهدهم معه، قام يشوع بخطوتين أساسيتين:

كتب كلمات العهد في سفر شريعة الله.

نصب حجرًا كبيرًا تحت البلوطة التي عند مقدس الرب.

إذًا فموضوع الإصحاح كله هو تثبيت العهد وتوثيقه وتذكير الشعب بمسؤوليتهم أمام الله.

أما الحديث عن الحجر فجاء في إطار هذا التوثيق.

ولو كان يشوع يريد أن يعلّم أن الحجر يسمع حرفيًا، لكان ذلك خروجًا مفاجئًا عن موضوع الإصحاح كله، وهو أمر لا ينسجم مع سياق النص.

ثالثًا: عبارة «قد سمع» تنتمي إلى أسلوب التشخيص الأدبي

يقول يشوع:

«إِنَّ هذَا الْحَجَرَ يَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْنَا، لأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ كُلَّ كَلاَمِ الرَّبِّ».

وهنا نصل إلى قلب الإشكالية.

فهل كان يشوع يقصد أن الحجر يمتلك أذنًا ووعيًا؟

الإجابة: لا.

فالعبارة تنتمي إلى أسلوب بلاغي معروف يسمى التشخيص الأدبي (Personification).

والتشخيص الأدبي هو إسناد صفات أو أفعال إنسانية إلى شيء غير عاقل أو غير حي من أجل إبراز فكرة معينة بصورة أكثر قوة وتأثيرًا.

فالنص لا يعتقد أن الشيء الجامد أصبح إنسانًا، بل يستخدم صورة بلاغية تجعل المعنى أكثر حيوية وحضورًا في ذهن السامع.

وهذا الأسلوب موجود في جميع اللغات القديمة والحديثة.

فنحن نقول:

التاريخ يشهد على هذه الحقيقة.

العدالة تطالب بحقها.

المدينة لم تنم تلك الليلة.

البحر يبتلع السفن.

الأيام كشفت الحقيقة.

ولا يفهم أحد من هذه العبارات أن التاريخ يمتلك فمًا، أو أن العدالة شخص حي، أو أن المدينة كائن واعٍ، أو أن البحر يتعمد الابتلاع.

إنما المقصود توصيل المعنى بصورة أكثر قوة.

وبالطريقة نفسها يتحدث يشوع عن الحجر.

فالحجر لا يسمع بالمعنى البيولوجي، بل يُقدَّم في صورة شاهد حاضر على العهد.

إن فهم الأسلوب المستخدم في يشوع 24: 26–27 يندرج ضمن دراسة البلاغة السردية في النص العبري، حيث يُستخدم التشخيص الأدبي (Personification) كأداة تعبيرية لإسناد أفعال أو صفات إنسانية إلى عناصر غير عاقلة بهدف إبراز المعنى بصورة رمزية مؤثرة.

وقد أكد عدد من الباحثين في النقد الأدبي للكتاب المقدس أن السرد العبري لا يُقصد به دائمًا المعنى الحرفي، بل يعتمد على تقنيات بلاغية متعددة لإيصال الرسالة اللاهوتية والتاريخية. ويُعد هذا الأسلوب جزءًا من بنية السرد التوراتي الذي يدمج بين الحدث التاريخي والصياغة الأدبية ذات الطابع الرمزي في بعض النصوص. كما يشير التحليل السردي إلى أن النصوص التاريخية في العهد القديم تستخدم عناصر الطبيعة والجمادات بوصفها “شهودًا رمزيين” في إطار خطاب العهد، دون أن يعني ذلك نسب الوعي أو الإدراك إليها. ويؤكد بعض الدارسين أن هذه الظاهرة مرتبطة بطبيعة التفكير السردي في الأدب العبري القديم، حيث تُستخدم الصور البلاغية (مثل تشخيص الجمادات) لتجسيد المعاني اللاهوتية وتعزيز الذاكرة الجماعية للحدث.

رابعًا: التشخيص الأدبي أسلوب شائع جدًا في الكتاب المقدس

الاعتراض يزول عندما ندرك أن الكتاب المقدس يستخدم هذا الأسلوب باستمرار.

فيقول إشعياء:

«اسْمَعِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ وَأَصْغِي أَيَّتُهَا الأَرْضُ» (إش 1: 2).

فهل السماء والأرض تمتلكان آذانًا؟

بالطبع لا.

ويقول أيضًا:

«تَرَنَّمِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ فَعَلَ. اِهْتِفِي يَا أَسَافِلَ الأَرْضِ. أَشِيدِي أَيَّتُهَا الْجِبَالُ تَرَنُّمًا» (إش 44: 23).

فهل الجبال تنشد الأناشيد حرفيًا؟

لا.

ويقول المرنم:

«لِتُصَفِّقِ الأَنْهَارُ بِالأَيَادِي، وَالْجِبَالُ جَمِيعًا تُرَنِّمُ» (مز 98: 8 ).

فهل للأنهار أيدٍ؟

لا.

وقال السيد المسيح:

«إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ» (لو 19: 40).

فهل كان المسيح يعتقد أن الصخور تمتلك أحبالًا صوتية؟

بالتأكيد لا.

إذن فاللغة التي استخدمها يشوع ليست حالة فريدة أو غريبة، بل جزء من الأسلوب البلاغي المعروف في الكتاب المقدس.

خامسًا: كيف نفهم عبارة «الحجر شاهد»؟

في العالم القديم لم تكن العقود والمواثيق تُوثَّق بالوسائل القانونية الحديثة.

لذلك كانت الشعوب تقيم نصبًا تذكارية أو معالم حجرية لتبقى شاهدة على العهد أو الحدث.

فالحجر لا يشهد لأنه يمتلك عقلًا أو ذاكرة.

بل يشهد لأنه يبقى قائمًا في المكان كشاهد مادي دائم على ما جرى.

ونحن ما زلنا نستعمل هذا الأسلوب حتى اليوم عندما نقول:

التاريخ يشهد على ذلك.

الجدران تشهد على ما حدث.

هذا النصب يخلد ذكرى الحدث.

هذه الآثار تروي قصة الحضارة.

ولا يقصد أحد أن الجدران أو الآثار تتكلم حرفيًا.

وإنما المقصود أنها تحفظ ذكرى الحدث وتبقى دليلًا عليه.

وهذا بالضبط ما قصده يشوع.

سادسًا: لماذا قال يشوع إن الحجر «قد سمع» كلام الرب؟

لم يكتف يشوع بالقول إن الحجر سيكون شاهدًا، بل أضاف:

«لأنه قد سمع كل كلام الرب».

وهذه العبارة تزيد قوة الصورة البلاغية.

فالمقصود أن الحجر كان حاضرًا في الموضع الذي أُعلن فيه العهد أمام الله والشعب.

ومن ثم صار رمزًا دائمًا لذلك الحدث.

وكأن يشوع يقول للشعب:

"هذا الحجر سيبقى قائمًا أمامكم عبر السنين، يذكركم دائمًا بالكلمات التي سمعتموها اليوم من الرب."

فالتركيز ليس على الحجر، بل على الشعب.

وليس المقصود وصف طبيعة الحجر، بل التأكيد على خطورة العهد الذي قُطع أمام الله.

ولهذا تحوّل الحجر في كلام يشوع إلى "شاهد صامت" يذكّر الأجيال المتعاقبة بالتزاماتهم.

سابعًا: مفهوم الشاهد في الفكر الكتابي أوسع من الشاهد البشري

في الكتاب المقدس لا تقتصر الشهادة على الأشخاص.

فنجد أحيانًا أن عناصر الخليقة نفسها تُستدعى كشهود رمزيين على العهد.

فيقول موسى:

«أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ» (تث 30: 19).

ويقول أيضًا:

«اصْغِي أَيَّتُهَا السَّمَاوَاتُ فَأَتَكَلَّمُ، وَلْتَسْمَعِ الأَرْضُ أَقْوَالَ فَمِي» (تث 32: 1).

فهل كان موسى يعتقد أن السماء والأرض تمتلكان آذانًا حرفية؟

بالطبع لا.

إنما المقصود استدعاء الخليقة كلها كشاهد رمزي على جدية العهد ومسؤولية الإنسان أمام الله.

والفكرة نفسها نجدها في كلام يشوع عن الحجر.

ثامنًا: هل تأثر يشوع بخرافات الأمم الوثنية؟

هذا الاستنتاج غير مبرر تاريخيًا ولا نصيًا ولا منطقياً.

فالنص لا يقول إن يشوع عبد الحجر.

ولا يقول إنه قدّم له ذبائح.

ولا يقول إنه نسب إليه قوة خارقة.

ولا يقول إن الحجر يمتلك روحًا أو قدرة مستقلة.

بل كل ما يقوله النص أن الحجر نُصب كتذكار للعهد.

وهذا يختلف جذريًا عن الفكر الوثني الذي كان ينسب للأحجار والتماثيل صفات إلهية أو قوى روحية.

فالحجر هنا ليس موضوع عبادة، بل وسيلة تذكير.

وليس مصدر قوة، بل شاهد رمزي على عهد الله مع شعبه.

هذا الاستنتاج لا يستند إلى دليل.

فإقامة حجر تذكاري كشاهد على عهد لا تعني الاعتقاد بألوهيته أو بامتلاكه حياة أو قوة خارقة.

ومن ثم فإن المقارنة بين هذا الحجر وبين المعتقدات الوثنية التي كانت تنسب قوى إلهية للجمادات هي مقارنة غير دقيقة، لأن وظيفة الحجر هنا تذكارية ورمزية فقط.

تاسعا: النص نفسه يوضح المقصود من عبارة «لأنه قد سمع»

عند قراءة النص كاملًا في سياقه يتضح أن التركيز لا يقع على الحجر بقدر ما يقع على العهد الذي أُبرم بين الله والشعب:

«وَكَتَبَ يَشُوعُ هذَا الْكَلاَمَ فِي سِفْرِ شَرِيعَةِ اللهِ. وَأَخَذَ حَجَرًا كَبِيرًا وَنَصَبَهُ هُنَاكَ تَحْتَ الْبَلُّوطَةِ الَّتِي عِنْدَ مَقْدِسِ الرَّبِّ. ثُمَّ قَالَ يَشُوعُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: إِنَّ هذَا الْحَجَرَ يَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْنَا، لأَنَّهُ قَدْ سَمِعَ كُلَّ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي كَلَّمَنَا بِهِ، فَيَكُونُ شَاهِدًا عَلَيْكُمْ لِئَلاَّ تَجْحَدُوا إِلهَكُمْ» (يش 24: 26-27).

فالنص يذكر أولًا أن يشوع كتب كلمات العهد في سفر شريعة الله، ثم أقام حجرًا تذكاريًا في المكان الذي تم فيه تجديد العهد. وهذا يوضح أن الحديث يدور حول توثيق العهد وتثبيت ذكرى الحدث من خلال وسيلتين: وسيلة مكتوبة هي سفر الشريعة، ووسيلة مرئية هي الحجر المنصوب.

كما أن يشوع لا يقول إن الحجر سيتكلم أو يدلي بشهادة أو يصدر حكمًا على الشعب، بل يقول: «يكون شاهدًا عليكم»، أي علامة دائمة تذكّرهم بما التزموا به أمام الله. ولذلك جاءت عبارة «لأنه قد سمع كل كلام الرب» لتأكيد ارتباط الحجر بالحدث الذي جرى في ذلك الموضع، وكأنه شاهد صامت على ما سمعه الشعب من وصايا وتعهدات.

ولو كان المقصود أن الحجر يسمع بالمعنى الحرفي، لكان من المنطقي أن ينسب إليه النص أيضًا القدرة على الفهم أو التذكر أو الكلام، لكن النص لا يفعل شيئًا من ذلك. بل يكتفي بجعله نصبًا تذكاريًا قائمًا في المكان يذكّر الشعب بالعهد الذي قطعوه أمام الرب.

ومن اللافت أيضًا أن يشوع لم يعتمد على الحجر وحده، بل سبق أن كتب كلمات العهد في سفر الشريعة. فلو كان يعتقد أن الحجر يمتلك قدرة حقيقية على السمع والإدراك والشهادة، لما كانت هناك حاجة إلى تسجيل العهد كتابةً. أما الجمع بين الكتابة وإقامة الحجر فيؤكد أن المقصود هو التوثيق والتذكار لا إسناد حياة أو وعي إلى الجماد.

لذلك فإن النص نفسه، عند قراءته في سياقه الكامل، يفسر ذاته بنفسه: فالحجر ليس كائنًا عاقلًا يسمع ويتكلم، بل علامة تذكارية وشاهد رمزي على العهد، أُقيم ليبقى حاضرًا أمام الأجيال ويذكّرهم بالكلمات التي سمعوها هم من الرب وبالمسؤولية التي قبلوها على أنفسهم أمامه.

عاشرًا: يبرز من السياق المكاني والتاريخي للنص أن استخدام الحجر هنا لا يحمل أي دلالة وثنية أو إسناد للوعي أو الإدراك إلى الجمادات، بل يأتي في إطار رمزي توثيقي شائع في تقاليد العهد والمعاهدات في العالم القديم. فقد أُقيم هذا الحجر في شيلو، وتحديدًا “تحت البلوطة التي عند مقدس الرب”، وهو موضع ذو طابع ديني معروف ومقصود للعبادة والاجتماع، ما يمنح الحدث بُعدًا علنيًا وتذكاريًا داخل فضاء روحي معترف به لدى الشعب.

وفي هذا السياق، لا يُفهم الحجر ككائن “يسمع” أو “يشهد” بالمعنى الحرفي، وإنما كعلامة مادية ثابتة تُذكّر الجماعة بالعهد الإلهي وبالتزامهم به. كما أن اختياره في مكان يتردد عليه الشعب في شؤونهم الدينية يجعل منه أداة تربوية ولحفظ الذاكرة الجماعية . وتؤكد المقارنة بنصوص مشابهة، مثل نصب يعقوب في بيت إيل وإقامة الحجارة التذكارية في سياقات المعاهدات القديمة، أن هذا الأسلوب كان ممارسة ثقافية للتوثيق وتثبيت الذاكرة الجماعية، لا تعبيرًا عن اعتقاد بأن المادة تمتلك وعيًا أو إدراكًا، وبذلك ينتفي أي فهم يوحي بطابع وثني للنص.

الخلاصة

النص لا يعلّم أن الأحجار تسمع أو تدرك أو تتكلم أو تشهد حرفيًا. بل يستخدم أسلوبًا بلاغيًا معروفًا هو التشخيص الأدبي، حيث يُصوَّر الحجر كشاهد رمزي على العهد الذي أُبرم بين الله والشعب. وقد أُقيم الحجر كتذكار دائم يبقى قائمًا أمام الأجيال ليذكّرهم بالكلمات التي سمعوها من الرب وبالالتزام الذي قطعوه أمامه. لذلك فإن عبارة «لأنه قد سمع كل كلام الرب» لا تهدف إلى إثبات أن للحجر حياة أو وعيًا، بل إلى التأكيد على ثبات الشهادة واستمرار التذكار وخطورة العهد الذي أُبرم أمام الرب.


Alter, Robert. The Art of Biblical Narrative. New York: Basic Books, 1981.

Berlin, Adele. Poetics and Interpretation of Biblical Narrative. Winona Lake, IN: Eisenbrauns, 1994.

Butler, Trent C. Joshua. Word Biblical Commentary, Vol. 7. Dallas: Word Books, 1983.

Hess, Richard S. Joshua: An Introduction and Commentary. Tyndale Old Testament Commentaries. Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1996.

Kitchen, Kenneth A. On the Reliability of the Old Testament. Grand Rapids: Eerdmans, 2003.

Sternberg, Meir. The Poetics of Biblical Narrative: Ideological Literature and the Drama of Reading. Bloomington: Indiana University Press, 1985.

Watson, Wilfred G. E. Classical Hebrew Poetry: A Guide to Its Techniques. Sheffield: JSOT Press, 1984.

Woudstra, Marten H. The Book of Joshua. The New International Commentary on the Old Testament. Grand Rapids: Eerdmans, 1981.

ليكون للبركة

Patricia Michael