شفـــاء المولـــود اعمــــى

- القديــس يوحنــا ذهبــي الفـــم -الجزء الاول

- سؤال التلاميذ ورد السيد المسيح

Patricia Michael

1 وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَانًا أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، 2 فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟» 3 أَجَابَ يَسُوعُ: «لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ.

”وفيما هو مجتاز رأى إنساناً أعمى منذ ولادته”.

فلأنه محبٌ جداً للبشر، ويعتني دائماً بخلاصنا، وقد أراد أن يغلق أفواه الرعاع، لا يفوته أن يصنع ما يليق به أن يصنعه حتى ولو لم ينتبه المرء إلى وجوده. وهذا ما كان يعرفه جيداً النبي حين قال: " لكي تتبرر في أقوالك، وتزكو في فضائلك" (مز51: 4). لأجل ذلك، ولأنهم لم يقبلوا المفاهيم السامية لأقواله، بل وصفوه بأن به شيطاناً، بل وشرعوا في قتله حين خرج من الهيكل (راجع يو8: 58)، فعندما شفىَ الأعمى، سكَّن غضبهم بغيابه؛ لأنه انصرف بعد ذلك، وبصنعه للمعجزة ليَّن قساوتهم وجحودهم، وجعلهم مؤمنين بكلامه.

والمعجزة التي صنعها لم تكن وليدة الصدفة، وإن كانت وقتذاك قد حدثت لأول مرة. فكما هو مكتوب "منذ الدهر لم يُسمع أنَّ أحدًا فتَّح عيني مولودٍ أعمى" (يو9: 32). فهل فتَّح شخصٌ ـ حتذاك ـ عيونَ مولود أعمى؟ ليس بعد. فإذ خرج من الهيكل أتي عن قصدٍ، ليصنع معجزةً صارت ظاهرةً كالآتي: لقد رأى المسيحُ الأعمى، في الوقت الذي لم يكن الأعمى قد تحرَّك نحوه. لكن المسيحَ رمقه بنظرةٍ أثارت انتباه التلاميذ، الأمر الذي دعاهم إلى أن يسألوا المسيح، إذ لاحظوا أنه ينظر إليه باهتمام، قائلين: " يا معلِّم مَن أخطأ. هذا أم أبواه حتى وُلِدَ أعمى؟".

لا شك أن هذا السؤال، سؤالٌ خاطئ؛ لأنه كيف يمكن له أن يخطئ قبل أن يُولد؟ ولماذا يعاقَب هو إذا كان والداه قد أخطئا؟

إذن، لماذا سأله التلاميذ هذا السؤال؟

قبل أن يصنع المسيح هذه المعجزة، كان قد شفى المشلول (مريض بركة حسدا)، وكان قد قال له: "ها أنت قد برئت فلا تعد تخطئ" (يو5: 14). إذن فقد أدرك التلاميذ أن المشلول كان قد صار مريضاً هكذا بسبب خطاياه، فكأن لسان حالهم يقول له: إذا كان هذا المشلول قد صار مريضًا هكذا بسبب خطاياه، ماذا عن هذا المولود أعمى، هل أخطأ أيضًا؟

إذا كان هذا يصح بالنسبة للمشلول، لكنك في هذه الحالة لا تستطيع أن تقول نفس الأمر؛ لأنه مولودٌ أعمى منذ ولادته. إذن، هل أخطأ والداه؟ ولا هذا أيضًا؛ لأن الطفل لا يُعاقَب لأجل خطايا أبيه. إذا رأى أحدكم طفلاً ما، كان في حالة مزرية، فماذا يمكنه أن يقول عن هذا الطفل؟ هل يسأل عما فعله هذا الطفل؟ أبداً، وإنما دون أن ندخل في تفاصيل، نحن نعبِّر بكل ما نقوله عن حيرتنا. هكذا التلاميذ لم يقولوا هذا الكلام في صيغة سؤال يحتاج إلى إجابة، لكن تعبيرًا عن حيرتهم.

ماذا أجاب المسيح؟ " لا هذا أخطأ ولا أبواه" (يو9: 3). ولأنهم لم يقولوا ببساطة "هل هذا أخطأ أم أبواه؟"، وإنما أضافوا "حتى وُلِدَ أعمى"، لم يقل أنا أخلصهم من خطاياهم لكي يتمجد ابن الله؛ فقد أخطأ هذا ـ بالتأكيد ـ بل وأبواه أيضًا، لكن العمى لم ينتج عن هذا السبب. وهو لم يقل هذه الأقوال لكي يُظهر هذا، أي لكي يُظهر أن هذا لم يُصَب بالعمى من جراء هذا السبب، بينما آخرون أصابهم العمى نتيجة خطايا والديهم، طالما انتهينا إلى أنه لا يمكن أن يخطئ أحدٌ ويعاقب الآخر؛ لأننا لو قبلنا هذا، سنكون ملزمين بالضرورة أن نقبل الفرضية الأخرى، أي أنه أخطأ قبل أن يُولَد.

إذن، عندما قال: " لا هذا أخطأ"، لم يكن يقصد إمكانية أن يخطئ قبل ولادته، وهو لذلك يُعاقَب. ويسرى هذا أيضاً على قوله: "ولا أبواه"، فهو أيضًا لا يقصد أنه يمكن أن يعاقَب بسبب أبويه، خصوصًا وقد أُلغيَ هذا الأمر بواسطة حزقيال النبي "ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرست. حيّ أنا يقول السيد الرب لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل" (حز18: 2ـ3). وموسى يقول: " لا يُقتل الآباء عن الأولاد ولا يُقتل الأولاد عن الآباء" (تث24: 16). وعن ملكٍ (أمصيا بن يوآش ملك يهوذا) قيل: " إنه لم يقتل أبناء القاتلين حسب ما هو مكتوب في سفر شريعة موسى" (2مل14: 6). فإذا قال أحدكم كيف إذن قيل: " أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء وفي الجيل الثالث والرابع من الذين يبغضونني" (تث5: 9)، يمكننا أنْ نقول إنَّ هذا القرار لم يُقَل للكل، لكن لأولئك الذين خرجوا من مصر. وكان بقصد الآتي: لأن هؤلاء الذين خرجوا من مصر قد صاروا ـ بعد أن رأوا علامات ومعجزات ـ أسوأ من أجدادهم الذين لم يروا أيًا من هذه العلامات أو المعجزات، فإنهم يعانون نفس الآلام التي عاناها أولئك لأنهم صنعوا نفس الأخطاء. أمَّا كون أن هذه الأقوال قد قيلت لأولئك، فيمكن للمرء أن يتحقق منه إذا راجع مقطع الكتاب بدقة.

إذن، ما هو سبب ولادته أعمى؟ "لتظهر أعمال الله فيه (مجد الله)". تواجهنا هنا أيضاً حيرة أخرى! ألا يمكن أن تظهر أعمال الله (مجد الله) دون عقاب هذا؟ هو بالتأكيد لم يقل إن هذا ممكنًا، لكن لكي "يظهر في هذا". ماذا! هل ظُلِم إذن لأجل مجد الله؟ عن أي ظُلمٍ تتكلم؟ أخبرني؛ فلو كان قد أراد أن يظلمه، ما كان قد جاء به للحياة. لكني أقول: لقد أقامه من العمى بما أنه رآه بالأعين الداخلية[1].

وهذا ما يجعله مختلفًا عن اليهود، لأنه ما الفائدة التي عادت على اليهود وقد كانت لهم أعينًا جسديةً؟ لقد عوقبوا بالأسوأ لأن أعينهم الداخلية كانت قد صارت عمياء. أيٌ ضررٍ إذن، أصاب المولود أعمى، وقد أبصر رغم عماه؟ إن شرور الحياة الطبيعية لا تحتسب من قبيل الشرور، هكذا أيضًا الصالحات ليست صالحات، فالشر هو فقط الخطية، بينما العمى ليس شرًا. فالله الذي جاء به إلى الحياة من اللاوجود، أي من العدم، كان يمكن أن يتركه هكذا.

ويقول البعض إنهم لا يرون في تعبير " لتظهر أعمال الله فيه (مجد الله)" أي تبرير سببي يفسِّر حالة المولود أعمى، بقدر ما يُعبِّر عن النتيجة، وذلك قياسًا على ما قاله المسيح: " لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون" (يو9: 39). فالمسيح لم يأتي بالتأكيد لهذا السبب، أي لكي يبصر العميان أو يعمى المبصرون. وأيضًا مثلما يقول القديس بولس الرسول: " إذ معرفة الله ظاهرة فيهم؛ لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم... حتى أنهم بلا عذر" (رو 1: 19ـ20)، فبالرغم من أنه لم يكشف عن ذاته لهؤلاء، لأجل هذا السبب، أي لكي لا يجدوا ما يدافعون به عن أنفسهم، بل العكس. وفي موضع آخر أيضًا يقول: " وأمَّا الناموس فدخل لكي تكثر الخطية" (رو5: 20)، فالناموس لم يدخل في حياة البشر لهذا السبب، بل لكي يعيق الخطية.

هل رأيت أن التحديد في كل الحالات السابقة، إنما يُؤكد على النتيجة؟ فهو هنا مثل بنَّاءٍ ماهر، بنى جزءًا من البيت، أمَّا الجزء الآخر فقد تركه ناقصًا، حتى إذا ما أكمل البناء أمام أعينهم، يتأكدون من إتقانه لفن البناء، وإنه هو مَن بنى البيت، وبذلك يقدم دليلاً ضد هؤلاء الذين لا يؤمنون بكل عمله. فهكذا، مثل مسكنٍ على وشك السقوط، يُرمم الله جسدنا ويكمِّله: يشفي اليد اليابسة، يعطي حياةً للأعضاء المشلولة، يشفي العُرج، يطهِّر البُرَّص، يشفي المرضى، يجعل المشلولين معافين (أصحاء)، يعيد الحياة للأموات، يفتِّح أعين العميان، يمنح عيونًا لأولئك الذين لم يكن لديهم، لقد قوَّم كل هذه العيوب، والنواقص التي كانت، والأمراض التي أصابت الطبيعة البشرية، وبذلك أظهر قوته.

قال: " لتظهر أعمال الله فيه (مجد الله)"، وهو هنا يقصد ذاته لا الآب؛ لأن مجد ذاك كان ظاهرًا. إذن، بما أنهم سمعوا أن الله خلق الإنسان عندما أخذ من طين الأرض، لذلك خلق المسيح ـ بنفس الطريقة ـ أعين الأعمى، وكأنه يقول: أنا هو الذي أخذ من تراب الأرض، وخلق الإنسان، وهنا بدا وكأنه كدَّر صفو سامعيه، فاكتفى بما سببه لهم من إزعاج.

ليكون للبركة

Patricia Michael