كيف نفهم هذا النص ؟ ما هي الفلسفة التي يحذرنا منها بولس الرسول؟ ماذا يقصد بتعبير " حسب اركان العالم " ؟
"اُنْظُرُوا أَنْ لاَ يَكُونَ أَحَدٌ يَسْبِيكُمْ بِالْفَلْسَفَةِ وَبِغُرُورٍ بَاطِل، حَسَبَ تَقْلِيدِ النَّاسِ، حَسَبَ أَرْكَانِ الْعَالَمِ، وَلَيْسَ حَسَبَ الْمَسِيحِ." (كو 2: 8 ).
الجزء الاول
في هذا النص يحذر بولس الرسول المؤمنين من أن يُغرَروا بأي تعاليم فلسفية أو أيديولوجية تُعرض عليهم والتي قد تكون غير متوافقة مع تعاليم المسيح. لفهم هذه الآية بشكل أفضل، يجب أن نلقي نظرة على مفهوم "الفلسفة" الوارد في النص، والذي يُستخدم بشكل مختلف عمّا نفهمه اليوم في الفلسفة كفرع من فروع المعرفة أو الدراسة العقلية.
1. معنى "فلسفة " في السياق الثقافي للرسالة:
في وقت كتابة رسالة كولوسي، كانت مدينة كولوسي مكانًا متعدد الثقافات، حيث تأثرت بالكثير من الفلسفات اليونانية والرومانية، كما تأثرت أيضًا ببعض التعاليم الدينية والمعتقدات الغنوصية (Gnosticism) التي بدأت تنتشر في تلك الفترة. كانت الفلسفات السائدة آنذاك تركز على المعرفة البشرية، والطقوس، والممارسات التي كانت تدعي أنها توفر الخلاص أو القرب من الله أو الحقيقة الإلهية، ولكن دون الحاجة إلى المسيح أو تعاليمه.
2. المعنى الذي تحمله الفلسفة في كولوسي 2 : 8
في هذا السياق، الفلسفة تشير إلى مجموعة من الأفكار أو الأنظمة الفكرية التي قد تكون مغلوطة أو مضللة. قد تكون هذه الأفكار قديمة أو مستعارة من الفلسفات الوثنية أو الأنظمة الغنوصية التي كانت تدعي المعرفة العميقة خارج إطار تعاليم المسيح.
بولس يُحذر المؤمنين من أن ينجذبوا إلى هذه الفلسفات الباطلة، والتي قد تكون معتمدة على مبادئ بشرية أو أفكار أرضية، وليست مستندة إلى "المسيح" الذي هو مصدر الحقيقة والخلاص.
3. التفسير اللاهوتي:
الفلسفة الباطلة: يشير بولس إلى أن هناك بعض الأفكار الفلسفية التي قد تبدو جذابة أو ذكية في نظر البشر، لكنها لا تُسهم في بناء الإيمان المسيحي، بل قد تضل المؤمنين عن الطريق الصحيح. هذه الفلسفات قد تروج للأفكار المتعلقة بالكمال البشري، أو المعرفة الغنوصية، أو الممارسات الروحية الغير مؤسسة على المسيح.
حسَبَ تَقْوِيمِ النَّاسِ: أي أن هذه الفلسفات تعتمد على مفاهيم بشرية أو تفسيرات بشرية للوجود، والتي لا تقود إلى حياة إيمانية صحيحة. هي ببساطة فلسفات لا تعتمد على الوحي الإلهي بل على العقل البشري فقط.
4. الفلسفة والمسيح:
بولس يُصر على أن المؤمنين يجب أن يتمسكوا بتعاليم المسيح، حيث أن "المسيح" هو مصدر الحكمة الحقيقية وليس الفلسفات البشرية التي قد تكون مغلوطة. في كولوسي 2 : 3 يقول بولس: "2 لِكَيْ تَتَعَزَّى قُلُوبُهُمْ مُقْتَرِنَةً فِي الْمَحَبَّةِ لِكُلِّ غِنَى يَقِينِ الْفَهْمِ، لِمَعْرِفَةِ سِرِّ اللهِ الآبِ وَالْمَسِيحِ، 3 الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ. مما يعني أن المسيح هو مصدر كل معرفة وحكمة حقيقية.
5. الغاية من التحذير:
الهدف من التحذير هو حماية المؤمنين من الانحرافات الفكرية التي قد تُبعدهم عن الإيمان الصحيح بالمسيح. بولس يريد أن يُرشد المؤمنين إلى أن المسيح هو وحده الكافي والضروري للخلاص والحياة الروحية، وليس الفلسفات البشرية أو الممارسات التي قد تَعدُهم بحلول أو خلاص بعيد عن المسيح.
الخلاصة:
في كولوسي 2:8، عندما يتحدث بولس عن "الفلسفة"، فإنه يشير إلى الأنظمة الفكرية أو المعتقدات التي تُستند إلى التفكير البشري فقط، والتي قد تتناقض مع تعاليم المسيح. هو يحذر المؤمنين من الانجراف وراء هذه الأفكار التي قد تبدو عقلانية أو مثيرة، لكنها في النهاية باطلة ولا تؤدي إلى حياة إيمانية صحيحة
عندما يقول بولس الرسول في كولوسي 2:8: "حسب أفكار العالم"، فهو يشير إلى النظرة البشرية أو الفلسفات التي تنبع من المنطق البشري البسيط أو الثقافة العامة التي لا تأخذ في الاعتبار الحقائق الروحية التي أعلنها الله من خلال المسيح. في هذا السياق، بولس يحذر المؤمنين من أن يتبعوا أفكارًا أو مفاهيم مستمدة من العالم (أي الثقافة أو المنظور الذي يعيشه الناس بدون التوجيه الإلهي) بدلاً من الاعتماد على الحكمة الإلهية التي تأتي من المسيح.
-----------
-----------
الجزء الثاني
1. الفكر البشري مقابل الفكر الإلهي:
"أفكار العالم" تشير إلى النظرة التي يعتمد عليها البشر في فهم العالم والكون، وهي النظرة التي غالبًا ما تكون موجهة بالحكمة البشرية أو العلم البشري أو الأفكار المجتمعية، دون الانفتاح على الوحي الإلهي أو تعليمات الكتاب المقدس. هذا الفكر قد يتضمن مفاهيم تتعلق بالقيم، الأخلاقيات، الحياة، والموت، وغيرها من المواضيع الكبرى التي تُفهم بناءً على المنطق البشري، وليس على الإيمان المسيحي.
في مقابل ذلك، "الفكر الإلهي" هو ذلك الذي يُستمد من الكتاب المقدس وتعاليم المسيح، حيث يتجاوز المنطق البشري ويعتمد على فهم الله وحكمته.
2. أمثلة على "أفكار العالم":
القيم المادية: التوجه نحو جني الثروات، والتمتع باللذات الجسدية، والاهتمام بالمكانة الاجتماعية قد تكون جزءًا من "أفكار العالم". وهي مفاهيم تركز على السعي وراء المكاسب الدنيوية على حساب القيم الروحية.
الاستقلالية: تقديس القوة البشرية والقدرة على تحقيق النجاح الشخصي بعيدًا عن الله هو أيضًا من "أفكار العالم". في هذا النوع من الفكر، يُنظر إلى الإنسان ككائن مستقل قادر على تحديد مصيره من خلال قدراته الخاصة.الجهل بالوحي الإلهي: أفكار العالم غالبًا ما تتجاهل أو تنكر الحقيقة الروحية التي يكشفها لنا الكتاب المقدس والايمان المسيحي، مثل الخلاص من خلال المسيح أو الرجاء في الحياة الأبدية.
3. مقارنة بين "أفكار العالم" و"أفكار المسيح":
أفكار العالم: تعتمد على المفاهيم البشرية والمرتكزة على العقل البشري والملاحظات الحسية. غالبًا ما تتجاهل الوجود الإلهي أو تدور حول أفكار مادية وغير روحية.
أفكار المسيح: تدعو إلى التركيز على القيم الروحية، مثل المحبة، التواضع، الخدمة، الإيمان، والرجاء. هذه الأفكار تركز على أهمية العلاقة مع الله وعلى أهمية اتباع المسيح كمخلص وطريق للخلاص.
4. ماذا يعني "حسب أفكار العالم" في الحياة اليومية؟
بولس يحذر المؤمنين من أن ينجرفوا وراء هذه الأفكار الفانية أو المضللة التي قد تُبعدهم عن الإيمان الصحيح. على سبيل المثال، قد يعبر البعض عن الحكمة البشرية عبر أيديولوجيات فلسفية أو ثقافية قد تُعرقل النمو الروحي.في الحياة اليومية، قد يشمل "أفكار العالم" الاستسلام للضغط الاجتماعي أو الأخلاقي الذي يروج لأفكار تتعارض مع تعليمات الكتاب المقدس، مثل الأنانية، العنف، الكذب، أو ممارسة الممارسات المدمرة.
5. لماذا يحذر بولس؟
بولس الرسول يُدرك أن هذه "الأفكار" يمكن أن تؤدي إلى ضياع الإيمان أو التشويش الروحي للمؤمنين. في كولوسي 2 : 3 يقول قائلاً: ، الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ. مشيرًا إلى أن المسيح هو مصدر الحكمة الحقيقية والعلم الإلهي. إذا اتبع المؤمنون "أفكار العالم"، فإنهم يفوّتون فرصة التمتع بحكمة الله الحقيقية التي تأتي من خلال السيد المسيح.
الخلاصة:
عندما يتحدث بولس عن "أفكار العالم"، فهو يشير إلى النظرة المادية أو البشرية التي تعتمد على الحكمة البشرية والمفاهيم الثقافية السائدة في المجتمع، والتي غالبًا ما تتناقض مع تعاليم المسيح. بولس يحذر المؤمنين من أن يتبعوا هذه الأفكار لأنها تُبعدهم عن الحقيقة الإلهية التي يمكن أن يجدوا فيها الحكمة الحقيقية والخلاص.
ليكون للبركة