كيف دخل داود في سلسلة النسب مع أن راعوث كانت مؤابية، بينما تنص الشريعة على أن:
«لَا يَدْخُلْ عَمُّونِيٌّ وَلَا مُوآبِيٌّ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. حَتَّى الْجِيلِ الْعَاشِرِ لَا يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ» (تثنية 23: 3).
بحث ودراسة: Patricia Michael
المقدمة:
يستند بعض المعترضين إلى النص الوارد في سفر التثنية:
«لَا يَدْخُلْ عَمُّونِيٌّ وَلَا مُوآبِيٌّ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. حَتَّى الْجِيلِ الْعَاشِرِ لَا يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ» (تثنية 23: 3).
ثم يثيرون السؤال: إذا كانت راعوث مؤابية، فكيف أصبحت جدةً لداود، بل ودخل نسلها في سلسلة نسب المسيح؟
«وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ، وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ، وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى» (متى 1: 5).
غير أن هذا الاعتراض يقوم على قراءة مبتورة للنص، ويتجاهل السياق التاريخي واللاهوتي للشريعة، كما يتجاهل ما يعلنه سفر راعوث نفسه.
أولًا: لماذا صدر هذا الحكم أصلًا؟
لا يقدّم سفر التثنية هذا الحكم باعتباره عقوبة عرقية ضد جميع المؤابيين، وإنما يذكر سببًا محددًا وواضحًا:
«مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُلاَقُوكُمْ بِالْخُبْزِ وَالْمَاءِ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ، وَلأَنَّهُمُ اسْتَأْجَرُوا عَلَيْكَ بَلْعَامَ بْنَ بَعُورَ مِنْ فَتُورِ أَرَامِ النَّهْرَيْنِ لِكَيْ يَلْعَنَكَ. وَلكِنْ لَمْ يَشَإِ الرَّبُّ إِلَهُكَ أَنْ يَسْمَعَ لِبَلْعَامَ، فَحَوَّلَ لأَجْلِكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ اللَّعْنَةَ إِلَى بَرَكَةٍ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَكَ قَدْ أَحَبَّكَ» (تثنية 23: 4–5).
إذن، فالحكم جاء بسبب موقف قومي عدائي متعمد ضد شعب الله، لا بسبب الانتماء العرقي في حد ذاته.
فالمشكلة التي يعالجها النص ليست مسألة الدم أو الأصل القومي، بل موقف مؤاب التاريخي من شعب إسرائيل ومن إله إسرائيل. ولذلك تميز الشريعة بين الشعوب بحسب موقفها من الله وشعبه، وليس بحسب النسب وحده.
ثانيًا: ماذا تعني عبارة «لا يدخل في جماعة الرب»؟
كثيرًا ما يُفهم هذا التعبير على أنه يعني استبعاد الشخص من الارتباط بشعب الله بصورة مطلقة، غير أن هذا ليس هو المعنى الوحيد الذي ناقشه المفسرون في سياق التشريع الوارد في سفر التثنية.
فمصطلح «جماعة الرب» (קהל יהוה – Qahal Yahweh) يشير إلى جماعة العهد التي أقامها الله مع إسرائيل، وإلى المكانة الرسمية داخل هذه الجماعة كما نظمتها الشريعة، بما يرتبط بها من حقوق وواجبات وأحكام تشريعية.
ولهذا فعبارة «لا يدخل في جماعة الرب» لا ينبغي أن تُفهم مباشرة على أنها تعني أن الإنسان من أصل غير إسرائيلي لا يستطيع أن يؤمن بإله إسرائيل أو يعبده، لأن العهد القديم نفسه يذكر أمثلة لأشخاص من خارج إسرائيل ارتبطوا بإله إسرائيل ودخلوا في شعبه، مع اختلاف الأحكام المتعلقة بوضعهم داخل جماعة العهد.
فنجد مثلًا أن الغرباء الذين تركوا عبادة الأوثان والتصقوا بإله إسرائيل كان يمكنهم أن يعيشوا بين شعب إسرائيل ويشاركوا في عبادته، بينما بقيت بعض الأحكام التشريعية تنظم درجة اندماجهم الرسمي داخل الجماعة بحسب الحالة.
وهذا ينسجم مع الصورة العامة التي يقدمها الكتاب المقدس، حيث لم يكن الانتماء إلى شعب الله قائمًا على النسب وحده، بل على الارتباط بإله العهد والطاعة له، مع مراعاة النظام التشريعي الذي حكم جماعة إسرائيل.
وبناءً على ذلك، فإن عبارة «لا يدخل في جماعة الرب» في تثنية 23 لا ينبغي فهمها على أنها رفض أبدي لكل شخص موآبي أو عموني من حيث الأصل فقط، بل هي نص تشريعي يحتاج إلى قراءته في ضوء سبب الحكم وسياقه، وهو موقف عمون وموآب العدائي تجاه شعب إسرائيل.
وهذا هو الإطار الذي منه ناقش التقليد اليهودي لاحقًا قضية راعوث المؤابية: كيف يمكن الجمع بين كونها موآبية الأصل وبين دخولها في شعب العهد وزواجها من بوعز، ثم كونها جدة الملك داود.
ثالثًا: كيف فهم التقليد اليهودي هذا الحكم؟
من المهم أن نلاحظ أن هذا الإشكال ليس اعتراضًا حديثًا، بل هو سؤال طُرح داخل الفكر اليهودي نفسه منذ قرون مبكرة، لأن اليهود أدركوا منذ زمن طويل أن الملك داود ينحدر مباشرة من راعوث المؤابية (راعوث 4 : 17) . ولذلك نشأ تساؤل داخلي جوهري: كيف يمكن التوفيق بين هذا النسب وبين النص التوراتي «لَا يَدْخُلْ عَمُّونِيٌّ وَلَا مُوآبِيٌّ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. حَتَّى الْجِيلِ الْعَاشِرِ لَا يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ» (تثنية 23: 3).
ولو فُهم هذا النص على أنه منعٌ مطلق لكل عموني أو مؤابي، رجالًا ونساءً، من الانضمام إلى جماعة إسرائيل، لكان ذلك يعني ضمنًا الطعن في شرعية نسب داود نفسه، وهو أمر لم يقبله التقليد اليهودي، لأن داود يُعد الملك المختار من الله، ومن نسله يُنتظر المَلِك الموعود في الفكر اليهودي. ولهذا السبب ناقشت المصادر الحاخامية هذه القضية بتفصيل بالغ.
يروي The Babylonian Talmud (Yevamot 76b–77a) أن هذه القضية أُثيرت في زمن الملك شاول، عندما بدأ يشعر بأن داود ينافسه على المُلك. عندها استغل مستشاره دواغ الأدومي (Doeg HaEdomi / Doeg the Edomite) هذه المسألة للطعن في شرعية داود، محتجًا بأن داود لا يمكن اعتباره عضوًا كاملًا في جماعة إسرائيل، لأن جدته راعوث كانت مؤابية، بينما تنص الشريعة على منع دخول المؤابي إلى جماعة الرب. وكان دواغ الأدومي شخصية معروفة في الرواية الكتابية في سفر صموئيل الأول، الأصحاحان 21 و22 ، وقد ارتبط اسمه بالعداء الشديد لداود وبالدور الذي لعبه في بلاط شاول.
في المقابل، يذكر التلمود أن رجلًا يُدعى عماسا (Amasa / Amasa) وقف مدافعًا عن داود، وأعلن أن لديه تقليدًا متوارثًا عن النبي صموئيل ومجلسه القضائي (Samuel and his Court / Beit Din of Samuel – أي المجلس القضائي اليهودي الذي كان يضم القضاة والمفسرين الشرعيين في عصر النبي صموئيل)، يقضي بأن النص في تثنية 23 لا يشمل النساء، بل يقتصر على الرجال من عمون وموآب.
وقد لخّص الحاخامات هذا المبدأ في صيغة أصبحت من أشهر القواعد التفسيرية في الأدب اليهودي:
עמוני ולא עמונית, מואבי ולא מואבית
وترجمتها:
أي: «العموني (الذكر) لا العمونية (الأنثى)، والمؤابي (الذكر) لا المؤابية (الأنثى).»
(The Babylonian Talmud, Yevamot 76b–77a)
ويشرح التلمود أن هذا التمييز قائم على سبب ورود الحكم نفسه في النص التوراتي، إذ يعلّل سفر التثنية هذا المنع بأن عمون وموآب: "مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يُلاَقُوكُمْ بِالْخُبْزِ وَالْمَاءِ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ خُرُوجِكُمْ مِنْ مِصْرَ، وَلأَنَّهُمُ اسْتَأْجَرُوا عَلَيْكَ بَلْعَامَ بْنَ بَعُورَ مِنْ فَتُورِ أَرَامِ النَّهْرَيْنِ لِكَيْ يَلْعَنَكَ. وَلكِنْ لَمْ يَشَإِ الرَّبُّ إِلَهُكَ أَنْ يَسْمَعَ لِبَلْعَامَ، فَحَوَّلَ لأَجْلِكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ اللَّعْنَةَ إِلَى بَرَكَةٍ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَكَ قَدْ أَحَبَّكَ." (تث 23: 4-5).
ويرى التقليد اليهودي أن واجب استقبال الضيوف والمسافرين في السياق الاجتماعي القديم كان من مهام الرجال بالدرجة الأولى، لأنهم يمثلون الدولة والقبيلة سياسيًا واجتماعيًا. ولذلك اعتُبر التقصير في هذا الواجب مسؤولية ذكورية، وليس مسؤولية النساء، ولهذا فُهم أن الحكم موجّه ضد الرجال الذين يمارسون الدور الاجتماعي والسياسي للأمة، وليس ضد النساء.
يذكر التلمود أن دواغ الأدومي اعترض على هذا التفسير، قائلاً إن الرجال كان ينبغي أن يستقبلوا الرجال، والنساء تستقبل النساء، وبالتالي فإن النساء يتحملن المسؤولية أيضًا. غير أن هذا الاعتراض رُفض في الرواية التلمودية، حيث تمسّك صموئيل وبيت دينه (Samuel and his Court / Shmuel and his Beit Din – أي المجلس القضائي اليهودي الذي كان يضم القضاة والمفسرين الشرعيين في عصر النبي صموئيل) بالتقليد الذي يقضي بأن الحكم لا يشمل النساء، بل يقتصر على الرجال فقط.
ويضيف The Jerusalem Talmud (Yevamot 8:3 [9c]) بعدًا آخر للتفسير، خاصًا بموآب، إذ يشير إلى أن أحد أسباب الحكم هو أن بالاق، ملك موآب , استأجر النبي بلعام ليلعن بني إسرائيل (سفر العدد 22–24؛ سفر التثنية 23: 4–5 . ويرى هذا التقليد أن هذه المؤامرة كانت فعلًا سياسيًا قاده الملك ورجال الدولة، ولم يكن لنساء موآب دور فيه، مما يدعم التمييز بين الرجال والنساء في تطبيق الحكم. كما أشار رَشْبَا (Rabbi Shlomo ben Aderet / Rashba) إلى هذا التفسير في شرحه التلمودي، موضحًا كيف استُخدم هذا التعليل لتثبيت فهم النص في إطار التمييز القانوني داخل الهلاخاه (Halakhah).
ولا يعني عرض هذه النصوص أن هذا التفسير الحاخامي يُلزم القارئ المسيحي أو الباحث الخارجي، وإنما المقصود إظهار حقيقة تاريخية مهمة: وهي أن اليهود أنفسهم لم يفهموا نص تثنية 23 على أنه يمنع بصورة مطلقة دخول راعوث إلى شعب إسرائيل أو زواجها من بوعز. بل على العكس، فإن هذا النقاش يظهر أن الإشكال كان معروفًا ومطروحًا داخل الفكر اليهودي، وأن التقليد الحاخامي قدّم تفسيرًا يُبقي على شرعية نسب داود دون تعارض مع النص التوراتي. ولو كان النص يُفهم بشكل شامل ومطلق يمنع كل مؤابي ومؤابية، لكان ذلك سيؤدي إلى إشكال مباشر في شرعية الملك داود نفسه ، وهو ما لم يقبله التقليد اليهودي قط، بل تعامل معه عبر تفسير قانوني داخلي يحافظ على انسجام النصوص مع التاريخ القومي والديني لإسرائيل.
رابعًا: راعوث لم تبقَ مؤابية بالمعنى الديني
النقطة الجوهرية أن سفر راعوث نفسه يصور تحولًا جذريًا في هوية راعوث.
فعندما قالت لنعمي:
«لاَ تُلِحِّي عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَكِ وَأَرْجِعَ عَنْكِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ، وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي، وَإِلَهُكِ إِلَهِي» (راعوث 1: 16).
لم تكن تنطق بكلمات عاطفية فقط، بل كانت تعلن ارتباطها بشعب إسرائيل وبإله إسرائيل.
لقد تركت وطنها السابق، وربطت مصيرها كله بإله إسرائيل، فأصبحت مثالًا للأممي الذي يدخل في عهد الله بالإيمان.
ولهذا امتدحها بوعز قائلًا:
«لِيُكَافِئِ الرَّبُّ عَمَلَكِ، وَلْيَكُنْ أَجْرُكِ كَامِلًا مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ، الَّذِي جِئْتِ لِكَيْ تَحْتَمِي تَحْتَ جَنَاحَيْهِ» (راعوث 2: 12).
إذن فالسفر نفسه يعلن أن راعوث لم تعد تمثل الموقف المؤابي الذي أدانه سفر التثنية، بل أصبحت من شعب الله بالإيمان.
خامسًا: هل «الجيل العاشر» رقم حسابي حرفي؟
يرى عدد من المفسرين أن تعبير «حتى الجيل العاشر» في الأسلوب الكتابي قد لا يكون بالضرورة مجرد حساب رياضي ينتهي تلقائيًا بعد مرور عشرة أجيال، بل قد يُستخدم للدلالة على طول مدة الاستبعاد وشدة الحكم، وأن الأمر لا يتعلق بجيل واحد أو فترة قصيرة، بل بامتداد عبر أجيال متعاقبة.
فالنص في سفر التثنية يقول:
«لَا يَدْخُلْ عَمُّونِيٌّ وَلَا مُوآبِيٌّ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ. حَتَّى الْجِيلِ الْعَاشِرِ لَا يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي جَمَاعَةِ الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ»(تثنية 23:3).
وفي العبرية:
«עַד דּוֹר עֲשִׂירִי לֹא יָבֹא לָהֶם בִּקְהַל יְהוָה עַד עוֹלָם»
أي:
«حتى الجيل العاشر لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد.»
وهنا يجمع النص بين تعبيرين:
-«حتى الجيل العاشر»: وهو تعبير يحدد امتداد الحكم عبر أجيال متعاقبة، ويشير إلى أن الاستبعاد ليس أمرًا مؤقتًا أو متعلقًا بجيل واحد فقط.
-أما عبارة «إلى الأبد» (עַד עוֹלָם – ʿad ʿôlām) فهي تعبير عبري يدل على الامتداد والاستمرار لمدة غير محددة بحسب سياق النص. ويشير
Theological Dictionary of the Old Testament (TDOT), Volume XI, article “עוֹלָם (ʿôlām),” pp. 167–182, by E. Jenni and C. Westermann
إلى أن المصطلح لا يشير أساسًا إلى مفهوم فلسفي مجرد عن الزمن، بل إلى مدة ممتدة تتجاوز حدود النظر البشري، وقد يُستخدم للدلالة على استمرار أمر أو دوامه.
ولهذا رأى بعض المفسرين أن المقصود ليس مجرد انتظار مرور عشرة أجيال ثم انتهاء الحكم بصورة آلية، بل أن النص يصف حالة استبعاد طويلة الأمد مرتبطة بالحكم الصادر على عمون وموآب في سياق موقفهما التاريخي من شعب إسرائيل.
ومع ذلك، فإن تفسير طبيعة هذا الاستبعاد كان محل نقاش بين المفسرين: هل المقصود هو منع كل من يحمل أصلًا موآبيًا أو عمونيًا مهما كان موقفه من إله إسرائيل؟ أم أن الحكم مرتبط بهوية هذه الشعوب وموقفها العدائي التاريخي من شعب العهد؟
وهنا تأتي قصة راعوث؛ فسفر راعوث نفسه يوضح أن راعوث لم تبقَ مرتبطة بموقف موآب الرافض لإله إسرائيل، بل أعلنت انتقالها إلى شعب العهد عندما قالت:
«لَا تُلِحِّي عَلَيَّ أَنْ أَتْرُكَكِ وَأَرْجِعَ عَنْكِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا ذَهَبْتِ أَذْهَبُ، وَحَيْثُمَا بِتِّ أَبِيتُ. شَعْبُكِ شَعْبِي، وَإِلَهُكِ إِلَهِي»(راعوث 1:16).
لذلك تصبح القضية الأساسية عند قراءة قصة راعوث: هل كانت راعوث تمثل استمرار موقف موآب التاريخي تجاه إسرائيل؟ أم أنها تركت هذا الموقف وانضمت إلى شعب العهد؟
وسفر راعوث يقدّم الإجابة من خلال قصتها نفسها؛ إذ يعرضها كامرأة موآبية الأصل، لكنها أصبحت جزءًا من شعب إسرائيل، وجدّةً للملك داود:
«وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ، وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى، وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ»(راعوث 4 : 17).
سادسًا: الكتاب المقدس يربط الأحكام باستمرار الخطية لا بمجرد النسب
وهنا يجب التمييز حتماً بين "الأثر الطبيعي لخطية آدم الجدية" (والتي لم يرث البشر منها ذنباً قانونياً شخصياً، بل ورثوا طبيعةً أصابها الفساد والموت وتجددت في المسيح)، وبين "الأحكام القضائية والعقوبات التشريعية" التي يقررها الله تجاه سلوك الأفراد والأمم؛ فالأخيرة ترتبط بالمسؤولية الأخلاقية الفردية والسلوك الفعلي.
وعلى هذا الأساس، يربط الكتاب المقدس الأحكام الإلهية والتشريعية باستمرار الموقف الأخلاقي والروحي للإنسان، ويرفض تماماً فكرة إدانة النسل بناءً على الأصل أو ممارسات الأسلاف؛ فالأمر معلق دائماً بالمسؤولية الأخلاقية الفردية.
وهذا المبدأ هو الحاكم تماماً لموضوع "راعوث الموآبية"، حيث يندرج موقفها تحت هذه القاعدة التشريعية؛ فالحكم على موآب لم يكن حكماً عرقياً أبدياً بل كان مرتبطاً باستمرار سلوكهم العدائي، وهو السلوك الذي قطعته راعوث بإيمانها الشخصي فلم يعد للحكم موضعٌ عليها.
هذا المبدأ أيضاً يظهر في مواضع كثيرة من الكتاب المقدس؛ فعندما يقول الرب:
«أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ فِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنْ مُبْغِضِيَّ» (خروج 20: 5).
«أَفْتَقِدُ ذُنُوبَ الآبَاءِ فِي الأَبْنَاءِ وَفِي الْجِيلِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مِنَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي» (تث 5: 9).
وبذلك فإن عبارة «من مبغضيَّ» توضح حقيقة جوهرية: وهي أن امتداد الحكم مرتبط باستمرار موقف البغض والتمرد. أي أن الأبناء الذين يسيرون في طريق آبائهم ويستمرون في نفس الشر يشتركون في نفس الحكم، لا لمجرد أنهم وُلدوا من هؤلاء الآباء، بل لأنهم اختاروا بكامل إرادتهم السير في الطريق نفسه.
ولهذا يقول الكتاب:
«فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لاَ يَقُولُونَ بَعْدُ: الآبَاءُ أَكَلُوا حِصْرِمًا وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرِسَتْ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ» (إرميا 31: 29–30).
ويقول أيضًا:
«اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ... اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ وَشَرُّ الشَّرِيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ» (حزقيال 18: 20).
وافتقاد الله ذنوب الآباء في الأبناء لا يعنى أن الآباء يخطئون فيعاقب الأبناء الأبرياء، لأن الله في حزقيال وأرميا يرفض هذا الكلام تمامًا حينما يقول "لا تعودوا تضربون هذا المثل أن الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرست" (أر31: 29-30، حز18: 1-25) ولكن المقصود أن الأبناء إذا أصروا على أخطاء آبائهم إلى الجيل الثالث والرابع فالله يعاقبهم على تمسكهم بأخطاء آبائهم، فهي تظهر طول أناة الله إذ يعطى حياة للإنسان حتى الجيل الثالث والرابع لعله يتوب، ولكن كل إنسان من الآباء أو الأبناء مسئول عن خطأه ويُجازَى عليه. فهو يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء أي يؤدبهم ويعاقبهم في الجيل الثالث والرابع لأنهم ساروا في خطايا آبائهم، فالآباء مسئولون على خطاياهم وإعثارهم لأبنائهم والأبناء مسئولون عن عدم طاعتهم لله والتمادي في خطايا آبائهم.
وفي هذا السياق، يشرح الآباء والمفسرون هذا التلازم بين السلوك الشخصي والحكم الإلهي:
القديس يوحنا ذهبي الفم: «ليس معنى هذا أن إنسانًا يتحمل عقوبة جرائم ارتكبها غيره، ولكن مادام هذا الإنسان يرتكب الخطايا التي فعلها آباؤه ولم ينصلح حاله، فبعدل يستحق العقاب أيضًا».
القديس أغسطينوس: «من تغيَّر حاله في المسيح كفَّ عن أن يكون ابنًا للأب الشرير، إذ لم يعد يتمثل بشره، وبهذا لا تُفتقد شرور آبائه فيه».
القديس جيروم: يشرح هذا المبدأ بقوله إن الله لا يحكم على الإنسان بناءً على مجرد فكرة أو أصل أسلافه، بل عندما تتحول الخطية إلى ممارسة مستمرة وسلوك شخصي ثابت.
إذن، الأحكام ترتبط باستمرار الشر، لا بمجرد الانتساب إلى أسلاف أشرار.
ومن هنا نفهم أن الحكم المرتبط بمؤاب ليس لعنة بيولوجية تنتقل بالوراثة، بل هو حكم مرتبط بموقف مؤاب العدائي تجاه الله وشعبه. وحيث إن راعوث لم تستمر في هذا الموقف، بل رفضته بالكامل، وآمنت بإله إسرائيل، فلا تنطبق عليها الحالة التي يتحدث عنها النص لانتفاء العلة والسبب.
الخلاصة
لا يوجد أي تعارض بين تثنية 23 وبين دخول راعوث في نسب داود، ثم في نسب المسيح.
فالحكم الوارد في سفر التثنية لم يكن حكمًا عنصريًا دائمًا ضد كل من يحمل أصلًا مؤابيًا، بل ارتبط بعداء مؤاب لإسرائيل ورفضها لله.
أما راعوث فقد تركت هذا الماضي، وآمنت بإله إسرائيل، وانضمت إلى شعب العهد بإيمان صادق، ولذلك أصبحت مثالًا رائعًا لنعمة الله التي تتجاوز الحدود القومية.
بل إن سفر راعوث نفسه، الذي ينتهي بإعلان نسب داود، يقدم تفسيرًا عمليًا لكيفية فهم هذا الحكم؛ فالكاتب يعلم أن راعوث مؤابية، ومع ذلك يعلن بفخر أنها أصبحت جدة الملك داود.
وهكذا يعلن النص أن الانتماء الحقيقي لشعب الله لا يقوم على الدم أو الأصل القومي فقط، بل على الإيمان والطاعة.
فالتي كانت يومًا مؤابية صارت بالإيمان جدةً للملك داود، ودخل اسمها في سلسلة نسب المسيح نفسه، لتعلن أن نعمة الله أقوى من كل الحواجز عندما يقابلها إيمان صادق وتوبة حقيقية.
The Babylonian Talmud, Tractate Yevamot 76b–77a.
The Jerusalem Talmud, Yevamot 8:3 (9c).
Ruth 4:17, The Hebrew Bible.
Deuteronomy 23:3–5, The Hebrew Bible.
Numbers 22–24 (Balaam narrative).
Rashba (Rabbi Shlomo ben Aderet), Commentary on Yevamot 76b–77a.
Samuel (Shmuel the Prophet) and his Beit Din tradition (as cited in Talmud Bavli).
Doeg the Edomite (1 Samuel 21–22), Biblical background.
Amasa (2 Samuel 17:25), Biblical background.
ليكون للبركة