«أحد العلامات الجوهرية التي تحدد هوية المسيحيين الأوائل»Michael J. Kruger

ترجمة ودراسة

Patricia Michael

المقدّمة

يسعى مايكل ج. كروجر في هذا المقال إلى إبراز سمة مركزية من سمات المسيحية في القرون الأولى، وهي الارتباط الوثيق بين المسيحيين وكتبهم المقدسة. ففي عالم يوناني–روماني كان ينظر إلى الدين بوصفه منظومة طقسية لا تعتمد على النصوص المكتوبة، ظهرت المسيحية كظاهرة غير مألوفة، تشكّل فيها الكتاب أساسًا للهوية الدينية. ويقدّم كروجر مثالاً دقيقًا من القرن الثاني، هو رواية «أعمال شهداء سيليتان»، ليُظهر أن المسيحي لم يكن يُعرَف فقط بإقراره الإيماني، بل أيضًا بحمله للكتب المقدسة واستخدامه لها، حتى في لحظات الاضطهاد والمحاكمة. وهكذا يبيّن الكاتب أن «الكتاب» لم يكن عنصرًا ثانويًا، بل علامة فارقة تكشف جوهر الهوية المسيحية منذ البداية.

يقول مايكل كروجر في مقاله: 

من ابرز السمات الملفتة للانتباه في المسيحية المبكرة هي أنها كانت ديانة معنيّة بالكتب، وبشكل خاص بالكتب المقدّسة.

«وكما لاحظت مارجريت ميتشل (Margaret Mitchell) ، فإنّ المسيحية كانت حركة دينية تحتلّ النصوص المقدّسة موقع القلب والروح فيها، وتظهر في خلفيتها كما في مقدّمتها. وقد اتّسمت جماعاتها بانشغال عميق يكاد يبلغ حدّ الاستغراق والاستحواذ بالأدب المقدّس، وبممارسة راسخة في التعامل مع هذه النصوص.»

وللقارئ المعاصر، قد لا يبدو هذا أمرًا ذا دلالة كبيرة. فنحن نعيش في سياق تاريخي تهيمن عليه اليهودية والمسيحية والإسلام، مما يجعل فكرة الديانة الكتابية أمرًا مألوفًا.

غير أنّ الأمر لم يكن كذلك في الأزمنة القديمة. ففي العالم اليوناني–الروماني، نادرًا ما كان للكتب دور في الممارسات الدينية. فباستثناء اليهودية، كانت معظم الديانات القديمة تتمحور حول الطقوس والشعائر أكثر من النصوص المكتوبة. وفي هذا السياق، بدت المسيحية بنزعتها الكتابية الواضحة ظاهرة غريبة في نظر النخب اليونانية–الرومانية؛ إذ بدا إخلاص المسيحيين لكتبهم المقدّسة أقرب إلى سلوك الفلاسفة منه إلى ممارسات المتدينين في ذلك العصر.

ويمكن رؤية هذا الارتباط الوثيق بين الكتب المسيحية والهوية المسيحية في عمل «أعمال شهداء سيليتان» من القرن الثاني (حوالي 180 م). ورغم الجدل حول مدى تاريخية روايات الاستشهاد، إلا أن معظم الدارسين يتفقون على أنها تعكس التوجهات والقيم والأنماط السائدة في ذلك الزمن.

تروي هذه الرواية (Acts of the Scillitan Martyrs «أعمال شهداء سيليتان») قصة سبعة رجال وخمس نساء يخضعون للمحاكمة أمام الوالي سَتورنِينوس (Saturninus ). ويتم استجوابهم ويُطلب منهم التخلّي عن عبادة المسيح بتقديم الولاء للإمبراطور، لكن كل واحد منهم يرفض ببساطة، معلنًا هويته:«أنا مسيحي.»

وفي منتصف القصة سأل الوالي أحد المسيحيين ويدعى سبيراتوس: (Speratus ) «ماذا تحمل في حقيبتك؟»فأجاب سبيراتوس:«كتب ورسائل بولس، رجل بار.»

تشير ملاحظة الوالي للحقيبة في تلك اللحظة واحتياجه للسؤال عن محتواها إلى أن الكتب كانت ببساطة في حوزة سبيراتوس في ذلك الوقت، مما يوحي بأنه كان يعتاد حملها معه.

ومن اللافت بشكل خاص موقع هذا الحوار ضمن الهيكل الأدبي للرواية. فقد أشار ديفيد إيستمان (David Eastman) إلى أن القصة تتسم ببنية خنائية (chiastic structure)، يمكن تمثيلها على النحو التالي:

A: «أنا مسيحي.» ووافق الجميع على ذلك.

B: «هل تريد وقتًا للتفكير؟» «في مسألة عادلة كهذه، لا حاجة للتأمل.»

C: «ما الأشياء الموجودة في حقيبتك؟» «كتب رسائل بولس، رجل بار.»

B′: «لديك مهلة ثلاثين يومًا للتفكير.»

A′: «أنا مسيحي.» ووافق الجميع على ذلك.

كما يتضح من هذا الترتيب، يقع محور القصة في عرض الكتب المسيحية، بينما تحيط به من الجانبين إعلانات الهوية المسيحية، ما يشكّل ما يُعرف بـ inclusio (إطار تقريري متكامل). وهكذا تتضح العلاقة الوثيقة بين الكتب المسيحية والهوية المسيحية، الهوية التي تُعرّف بالمؤمن الذي يعبد المسيح وحده دون الإمبراطور. فحيثما وُجد الكتاب، وُجد المؤمن، والعكس صحيح.

أما بالنسبة لتداعيات هذه القصة على العصر الحديث، فهي تُظهر أنّ المسيحيين اليوم يجب أن يُعرَفوا في المقام الأول بالتزامهم بكتبهم، أي الكتاب المقدس. وعندما يرى الناس مسيحيًا، ينبغي أن يجدوا كتبه بجانبه، كدليل حي على إيمانه وممارسته الدينية.

الخاتمة

من خلال هذا العرض، يسلّط كروجر الضوء على حقيقة أساسية في التاريخ المسيحي: أن المسيحية منذ نشأتها كانت ديانة «كتابية» بامتياز، وأن التعلّق بالنصوص لم يكن ممارسة هامشية، بل بوابة تعريفية تكشف من هو المسيحي. فكما حمل سبيراتوس Speratus كتبه وهو يتجه نحو الاستشهاد، هكذا شكّلت الأسفار المقدسة جزءًا من الوعي المسيحي والوجود المسيحي في العالم القديم. ويخلص الكاتب إلى دعوة واضحة للمسيحي المعاصر: إن الهوية المسيحية لا تُعرَف بمعزل عن الكتاب المقدس، وإن شهادة المسيحي في العالم لا تكتمل إلا حين يكون كتابه حاضرًا معه، يقرأه، ويعيش به، ويُعرّف به إيمانه.

One of the Core Markers of Early Christian Identity

ليكــون للبركــة

Patricia Michael