🔵 مركز مسيحي منسي في اسكتلندا.. الأدلة الأثرية الجديدة تعيد رسم مكانة Lismore في المسيحية المبكرة
بحث ودراسة: Patricia Michael
🔵دراسة جديدة تكشف كيف كانت المراكز الكنسية تنتشر وتتفاعل ضمن الشبكات السياسية والاقتصادية والدينية في اسكتلندا خلال القرون الأولى للمسيحية.
في الأول من أكتوبر 2026، نشرت مجلة Antiquity، التي تصدر عن Cambridge University Press، دراسة أثرية جديدة بعنوان:
A major monastic centre? Rethinking Lismore’s place in the ecclesiastical landscapes of early medieval Britain
شارك في الدراسة ثمانية باحثين، هم Clare Ellis وAngela Boyle وGemma Cruickshanks وNicholas Evans وRobert Hay وEdouard Masson-MacLean وJoshua Wright وGordon Noble.
وتعيد الدراسة تقييم مكانة Lios Mòr، المعروف اليوم باسم Lismore، وهي جزيرة وموقع تاريخي في أرغيل غرب اسكتلندا، داخل المشهد الكنسي للمسيحية المبكرة في شمال غرب بريطانيا، استنادًا إلى سلسلة من الاكتشافات الأثرية التي ظهرت نتيجة تحقيقات قادتها مبادرات المجتمع المحلي منذ عام 2016. وقد كشفت هذه التحقيقات عن مقبرة من العصور الوسطى المبكرة، وأدلة على نشاط حرفي متطور ذي أهمية تتجاوز الإقليم، إلى جانب منشآت مبكرة حول الكنيسة الحالية في الجزيرة. ويرى الباحثون أن هذه الأدلة تعزز مكانة الموقع بوصفه مركزًا كنسيًا رفيع المكانة في شمال غرب العالم الجزيري، وتوضح دوره داخل الشبكات المسيحية المبكرة في مملكة Dál Riata.
🔵 تقع Lismore في أرغيل (Argyll)، غرب اسكتلندا، عند مصب Loch Linnhe، الذي يقود إلى Great Glen، وهو ممر استراتيجي مهم أتاح الوصول إلى مناطق المرتفعات الاسكتلندية وربط أجزاء مختلفة منها. وكان الموقع معروفًا من المصادر التاريخية والتقاليد المحلية باعتباره مركزًا كنسيًا مرتبطًا بالقديس Lugaid، المعروف باسم Mo Luóc أو Moluag.
وتسجل حوليات أيرلندية وفاة Mo Luóc في تواريخ تقابل عامي 593 أو 594م، بينما تذكر مصادر لاحقة تقاليد عن نشاطه وانتشار عبادته على نطاق واسع. كما تسجل المصادر وفاة عدد من رؤساء المؤسسة الكنسية الذين خلفوه في القرن السابع. لكن المشكلة كانت أن المركز المسيحي المبكر في Lismore ظل، من الناحية الأثرية، ضعيف التوثيق للغاية حتى العقود الأخيرة.
فقد كان المعروف سابقًا عددًا محدودًا من البقايا، من بينها أجزاء من صليب حجري أو ساق صليب ترجع إلى العصور الوسطى المبكرة، إضافة إلى ثلاث دبابيس للملابس من طراز يرجع إلى القرنين السابع والثامن. أما التنقيبات التي أجريت في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فلم تكشف سوى عن مواد من العصور الوسطى المتأخرة وما بعدها.
🔵 لكن أعمال التنقيب والمسح الأثري خلال السنوات الأخيرة بدأت تغير هذه الصورة بصورة واضحة.
فقد أطلقت Lismore Historical Society عام 2016 عملية بحث عن موقع الدير المرتبط بـMo Luóc. وبدأت التحقيقات بدراسة بقايا الكاتدرائية التي تعود إلى العصور الوسطى، ثم اتسعت لتشمل المنطقة المحيطة بالكنيسة الحالية، بحثًا عن أدلة يمكن أن توضح ما إذا كانت الكاتدرائية قد أقيمت فوق موقع المؤسسة الكنسية الأقدم.
وفي عام 2019، استخدم الباحثون المسح الجيوفيزيائي والتنقيب في عدد من المناطق، وكشفت أعمال المسح عن عدد من السمات التي قد تكون مرتبطة بحدود حرم كنسي قديم، وإن كان الباحثون يؤكدون أن الأدلة المتاحة حتى الآن لا تكفي لإثبات مسار هذا الحد القديم بصورة نهائية.
وكان من أهم الاكتشافات تأكيد وجود مقبرة من العصور الوسطى المبكرة في المنطقة المحيطة بالكنيسة. فقد عثر الباحثون في الخندق T5 على مدافن بشرية في مواضعها الأصلية، وكانت القبور موجهة بصورة عامة من الشرق إلى الغرب، كما ظهرت أدلة واضحة على إعادة استخدام منطقة الدفن مرات متعددة.
وعُثر على ما لا يقل عن ستة مدافن في مواضعها الأصلية، كان معظم أصحابها من البالغين. وأظهرت تواريخ الكربون المشع أن أقدم مدفن مؤرخ حتى الآن يعود إلى الفترة 650–780م، بينما يعود أحدثها إلى الفترة 900–1040م. كما عُثر في المنطقة نفسها على قطعة من لوح حجري صليبي من العصور الوسطى المبكرة، وكانت المقبرة محاطة بجدار من الحجر الجيري مرتبط بالطين.
وهذه النتائج مهمة لأنها تقدم دليلًا أثريًا مباشرًا على استخدام الموقع للدفن منذ القرن السابع على الأقل، مع استمرار استخدام المقبرة خلال القرون التالية. لكنها لا تؤرخ تأسيس Lismore في القرن السادس، ولا تثبت أن هذه المدافن تعود إلى زمن Mo Luóc نفسه؛ فالدليل المباشر على المرحلة التأسيسية في القرن السادس لا يزال غير مكتشف حتى الآن.
🔵 وفي عام 2021، فتح الباحثون الخندق T10 إلى الجنوب من الكنيسة الحالية، في منطقة تضم ما يعرف باسم Sanctuary Stone، وهو صليب مكسور من الغرانيت ارتبط بالموقع وتقاليده الكنسية.
وكشفت الطبقات العليا عن كميات كبيرة من العظام البشرية المفككة، بينما عُثر في الطبقات الأعمق على مدافن تعود إلى العصور الوسطى المبكرة حول الصليب. وشملت هذه المدافن رضعًا ومراهقين وبالغين، وتشير التقييمات الأولية إلى أن الهياكل العظمية للبالغين التي دُرست كانت لذكور، مع وجود أدلة على أمراض تنكسية في المفاصل، في حين أظهرت بعض بقايا الأحداث والمراهقين مؤشرات على العدوى وأمراض استقلابية.
وتشير طريقة توزيع البقايا والمدافن إلى أن هذه المنطقة من المقبرة أعيد استخدامها مرارًا خلال العصور الوسطى المبكرة، كما عثر الباحثون على مدافن لأطفال في أزواج داخل قبور مشتركة، إلى جانب قبور يبدو أن بعضها كان مبطنًا بالحجارة ومغطى بها.
كما كشفت أعمال التنقيب في الخندق T12، إلى الشمال من الكنيسة، عن مدافن أخرى محاطة بجدار من الحجر الجيري، وعن قطعة ثالثة من لوح حجري صليبي مزخرف من العصور الوسطى المبكرة.
🔵 وتكتسب المنحوتات الحجرية المكتشفة في الموقع أهمية خاصة.
فقد عثر الباحثون خلال التنقيبات على ثلاثة أجزاء من ألواح حجرية منحوتة تحمل الصليب، ويرجع بعضها على الأرجح إلى القرنين السابع والثامن. وتضم هذه القطع أشكالًا زخرفية لم تكن معروفة من قبل في اسكتلندا خلال العصور الوسطى المبكرة، إلى جانب أنماط مفتاحية متقنة ترتبط بألواح صليبية معروفة من مناطق تقع إلى الشمال، ولا سيما Applecross وشرق روس، بما في ذلك Nigg وRosemarkie.
ويشير الباحثون إلى أن هذه التشابهات قد تعكس عمل مجموعة واحدة من النحاتين المهرة أو مدرسة فنية مشتركة، إلا أن هذا التفسير يظل بحاجة إلى مزيد من الدراسة. وبذلك تقدم المنحوتات الجديدة دليلًا إضافيًا على أن Lismore لم يكن مجرد موقع محلي محدود، بل كان متصلًا بتقاليد فنية وحرفية أوسع في شمال اسكتلندا.
🔵 لكن الأدلة الأكثر أهمية في الموقع تتعلق بالنشاط الحرفي.
فقد كشفت أعمال التنقيب في الخندق T11 عن أكثر من ألف قطعة مرتبطة بصناعة المعادن غير الحديدية، شملت بوتقات وأغطية بوتقات وأجزاء من قوالب الصب. وتتطابق بعض هذه البوتقات مع نماذج معروفة في مواقع ذات نشاط حرفي رفيع المكانة مثل Dunadd في أرغيل، وBrough of Birsay في أوركني، وPortmahomack في Easter Ross.
وتشير القوالب إلى أن الحرفيين كانوا يصبون في الموقع نوعين على الأقل من الدبابيس الدائرية المفتوحة المعروفة باسم penannular brooches، إلى جانب أجسام مستطيلة ربما كانت أبازيم أو قطعًا مشابهة.
وأظهرت تحاليل الأشعة السينية الفلورية أن سبائك النحاس كانت أكثر المعادن استخدامًا، إلا أن عددًا صغيرًا من البوتقات احتوى على مستويات مرتفعة من الفضة والذهب، وهو ما يقدم دليلًا نادرًا على صب المعادن الثمينة في الموقع. ويرى الباحثون أن هذا الدليل قد يساعد أيضًا في تفسير حجر اختبار الذهب الذي عُثر عليه في Lismore خلال القرن التاسع عشر، والمحفوظ حاليًا في National Museums Scotland.
ولم يقتصر النشاط الحرفي على المعادن؛ فقد عثر الباحثون أيضًا على ثمانية أشياء مصنوعة من العظم والقرن، من بينها قطعتان من عظام طويلة تحملان زخارف دقيقة للغاية من الحفر المتشابك. ويُعتقد على نحو محتمل أن بعض هذه القطع كان يستخدم كقطع تدريبية لتصميم الأعمال المعدنية أو كقوالب لتشكيل صفائح الذهب المستخدمة في تزيين المصنوعات المعدنية، وإن كانت وظيفتها الدقيقة غير مؤكدة.
كما حفظت المياه الراكدة في المنطقة مواد عضوية نادرًا ما تبقى محفوظة في مواقع معاصرة، ومن بينها العظم والقرن والخشب. وأظهر التحليل الأولي للأخشاب وجود حلقات من خشب الطقسوس كانت جزءًا من أوعية مصنوعة من ألواح خشبية، إلى جانب جزء من صندوق محتمل وقطع خشبية أخرى، مما يشير إلى وجود أعمال لصناعة هذه المنتجات في منطقة الورشة.
🔵 وتكشف هذه النتائج عن مجتمع كان يمارس أنشطة حرفية متخصصة إلى جانب الاستخدام الديني للموقع.
فقد عثر الباحثون كذلك على أدوات مرتبطة بالحياة اليومية، مثل أجزاء من أحجار الرحى وأدوات حجرية ومدقة، إلى جانب أدوات أكثر تخصصًا، منها حجر شحذ كبير وحجر خفاف. ويشير حجم حجر الشحذ إلى إمكانية استخدامه لشحذ أدوات أو أسلحة كبيرة، بينما ربما استُخدم حجر الخفاف في معالجة الجلود أو تشكيل الخشب والعظم.
أما النشاط الحرفي نفسه، فقد تركز في طبقات يرجع تأريخها إلى القرنين السابع إلى التاسع، في حين تعود الطبقات المرتبطة بالمبنى البيضاوي الموجود في المنطقة إلى القرنين الثامن إلى العاشر. ويرى الباحثون أن هذا النشاط الحرفي كان على الأرجح داخل حدود المؤسسة الرهبانية، مع إبقاء احتمال وجود تأثير أو نشاط علماني في الاعتبار، خصوصًا أن بعض المنتجات، مثل الدبابيس، كانت أشياء شخصية وليست بالضرورة منتجات كنسية.
🔵 وفي الخندق نفسه عثر الباحثون على مبنى بيضاوي الشكل يبلغ قطره نحو ثمانية أمتار، له جدار حجري جاف كبير ومدخل ضيق يتجه نحو الغرب، وكانت أرضيته مرصوفة بألواح من الحجر الجيري.
وعُثر داخله على عدد محدود من المواد، من بينها فخار مصنوع يدويًا، وقطعة من الصوان، وأداة معدنية محتملة، وقطعة من بوتقة، وقرن حيوان مشغول. أما إلى الشرق من المبنى، فقد كشفت طبقات غنية بالفحم عن مئات القطع من قوالب الطين، وشظايا البوتقات، وقطع الخشب المنحوت، وغيرها من الأدلة على نشاط حرفي.
وتشير التواريخ إلى أن المبنى نفسه كان مستخدمًا خلال الفترة الممتدة من القرن الثامن إلى القرن العاشر، بينما تعود طبقات النشاط الحرفي المحيطة به إلى القرنين السابع إلى التاسع. كما يبدو أن المبنى خضع لتعديلات وإعادة استخدام عبر الزمن.
🔵 ومع ذلك، توجد نقطة مهمة ينبغي عدم تجاوزها: لم يعثر الباحثون حتى الآن على الكنيسة الأصلية التي أسسها Mo Luóc في القرن السادس.
فالدراسة ترى أن الأدلة الجديدة تعزز احتمال أن تكون الكنيسة الحالية واقعة فوق الموقع الذي أسس فيه Mo Luóc مؤسسته الكنسية، وأن المقبرة المبكرة ربما كانت مرتبطة بهذه الكنيسة. لكن الكنيسة المبكرة نفسها لم تُكتشف بعد، ويرى الباحثون أن الموقع الأكثر احتمالًا لوجودها يقع على الأرض الأكثر جفافًا إلى الغرب، تحت مقبرة الكنيسة الحالية.
وبالتالي فإن الأدلة الأثرية الجديدة تدعم بصورة قوية تحديد Lismore كمركز كنسي مبكر، لكنها لا تقدم حتى الآن بقايا مباشرة مؤرخة إلى القرن السادس نفسه.
🔵 وهنا تأتي أهمية القديس Mo Luóc في تفسير تاريخ الموقع.
تربط المصادر التاريخية Lismore بالقديس Lugaid، المعروف باسم Mo Luóc أو Moluag، وتسجل وفاته في أواخر القرن السادس، في تاريخ يقابل 593 أو 594م. وتذكر مصادر لاحقة تقاليد واسعة عن نشاطه، من بينها مصدر من القرن الثاني عشر ينسب إليه تأسيس عدد كبير جدًا من الأديرة.
كما ارتبط اسمه لاحقًا بعدد كبير من المواقع المسيحية في اسكتلندا وأيرلندا، بما في ذلك مواقع بارزة مثل Mortlach وRosemarkie، وتظهر عبادته أيضًا في نصوص الشهداء في مناطق أوروبية كانت توجد فيها جماعات غيلية، مثل Metz وRegensburg، منذ أوائل القرن الحادي عشر. وتكشف هذه المعطيات عن انتشار واسع لعبادته قبل الإصلاح الديني.
لكن الباحثين لا يستخدمون هذه المصادر لإثبات أن كل ما اكتُشف أثريًا يعود إلى Mo Luóc شخصيًا. بل يجمعون بين الشواهد التاريخية والأثرية: فالمصادر تربط الموقع به في القرن السادس، بينما تكشف الحفريات الآن عن مركز كنسي مزدهر في القرون اللاحقة، ولا سيما من القرن السابع إلى القرن العاشر.
🔵 ويزداد معنى هذه النتائج عندما نضع Lismore داخل البيئة السياسية والدينية لمملكة Dál Riata.
كانت Dál Riata مملكة أو إقليمًا غيليًا في العصور الوسطى المبكرة، شمل أرغيل ومعظم جزر الهبريدس، وامتد عبر البحر الأيرلندي إلى أجزاء من مقاطعة أنترم في أيرلندا الشمالية. وبحلول أواخر القرن السابع، كان Lios Mòr جزءًا من هذا المجال السياسي.
وكانت Dál Riata في القرنين السادس إلى أوائل الثامن مركزًا دينيًا وثقافيًا وسياسيًا مهمًا، واحتضنت عددًا من المؤسسات المسيحية المبكرة المؤثرة، أشهرها Iona، إلى جانب Lismore وApplecross وSt Blane’s في جزيرة Bute. كما امتد تأثيرها إلى ما وراء الحدود الجغرافية لما أصبح لاحقًا اسكتلندا، وصولًا إلى أيرلندا وشمال إنجلترا.
وبحلول أوائل القرن الثامن، كان Lismore يقع وسط أراضي Cenél Loairn المحيطة بـLoch Linnhe، وربما كانت له علاقة وثيقة بهذه الجماعة السياسية خلال الفترة 690–740م، عندما نجح Cenél Loairn في مناسبات عديدة في الوصول إلى موقع القيادة العليا داخل Dál Riata.
ويقع Lismore نفسه عند مصب Loch Linnhe، الذي يؤدي إلى Great Glen، وهو ممر استراتيجي مهم يسمح بالوصول والتحكم في أجزاء من المرتفعات الاسكتلندية. كما تشير الدراسة إلى أن المنطقة المحيطة بـLismore وDunollie كانت على الأرجح من أكثر مناطق أرغيل إنتاجًا من الناحية الاقتصادية، مع موارد زراعية ورعوية ومصادر بحرية ومياه عذبة متاحة بسهولة.
🔵 وتبرز هنا المقارنة مع Iona.
فجزيرة Iona كانت أحد أشهر المراكز المسيحية في غرب اسكتلندا، وقد ارتبطت بتأسيس القديس كولومبا لديرها نحو عام 563م. ولا تشكك الدراسة في أهمية Iona، لكنها تشير إلى أن نجاحها في نشر عبادة كولومبا، إلى جانب طبيعة المصادر المكتوبة التي وصلت إلينا، ربما أدى إلى حجب أهمية مراكز مسيحية أخرى داخل Dál Riata.
وكانت Iona مرتبطة بصورة وثيقة بـCenél nGabráin، وهي جماعة منافسة لـCenél Loairn، بينما ارتبط Lismore بمنطقة نفوذ Cenél Loairn. كما أن حياة كولومبا التي كتبها Adomnán تبدو قليلة الاهتمام بـCenél Loairn.
ولهذا يرى الباحثون أن الصورة التاريخية للمشهد المسيحي في Dál Riata ربما كانت أكثر تعقيدًا مما تعكسه المصادر المكتوبة الباقية، وأن مراكز مسيحية أخرى ربما نافست Iona على مكانة المركز المسيحي الأبرز في المملكة، لكنها لم تحظَ بالحضور نفسه في السجل الأدبي الذي وصل إلينا.
وهنا تقدم الأدلة الأثرية الجديدة خدمة مهمة للتاريخ؛ فهي لا تستبدل المصادر المكتوبة، لكنها تضيف إليها نوعًا آخر من الشواهد. فالمقابر، والمنحوتات الحجرية، والمنشآت المبكرة، والنشاط الحرفي المتخصص، والأدلة على التعامل مع الذهب والفضة، جميعها تكشف عن حجم ونطاق نشاط لا يظهر بهذه الصورة في المصادر الأدبية وحدها.
🔵 ويخلص الباحثون إلى أن الأدلة الجديدة تشير إلى أن Lismore كان مركزًا كنسيًا رئيسيًا، وربما كان الموقع نفسه الذي أسسه Mo Luóc في القرن السادس، مع بقاء الدليل المباشر على هذه المرحلة التأسيسية مفقودًا حتى الآن.
وتشير المواد الأثرية وممارسات الدفن التي تعود إلى القرنين السابع إلى العاشر إلى وجود مجتمع رهباني مزدهر ذي تأثير إقليمي وربما يتجاوز الإقليم. كما تشير صناعة المعادن الثمينة، وقطع الزخرفة الدقيقة، والعمل بخشب الطقسوس إلى مركز اتسم بقدر ملحوظ من الثروة والتخصص الحرفي والتطور الفني، بما يجعله قابلًا للمقارنة مع مواقع رهبانية جزيرية كبرى أخرى مثل Iona وPortmahomack.
وتبرز النتائج أيضًا الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية التي ربما تمتع بها Lismore، ولا سيما في علاقته بالمراكز السياسية القريبة مثل Dunollie، وفي موقعه داخل منطقة نفوذ Cenél Loairn، إحدى الجماعات التي تنافست على النفوذ داخل Dál Riata.
وبذلك تبدو صورة المسيحية المبكرة في غرب اسكتلندا أكثر تعددًا وحركة مما قد يوحي به التركيز الكبير على Iona وحدها. فإلى جانب Iona، كانت هناك مراكز مثل Lismore وApplecross وSt Blane’s في Bute، وكانت هذه المؤسسات جزءًا من شبكة أوسع من المراكز الدينية والاقتصادية والسياسية في المنطقة.
🔵 واللافت أن هذه النتائج لم تأتِ من مشروع أثري ضخم بدأ من الصفر، بل من تحقيقات قادتها Lismore Historical Society منذ عام 2016، بالتعاون مع علماء آثار وباحثين ومتطوعين ومؤسسات بحثية. وقد جمعت أعمال المشروع بين المسح الجيوفيزيائي والتنقيب والتحليل العلمي للمواد، الأمر الذي سمح بتحويل موقع كان معروفًا أساسًا من المصادر التاريخية والتقاليد المحلية إلى موقع يحمل الآن سجلًا أثريًا غنيًا للعصور الوسطى المبكرة.
ولا يزال البحث مفتوحًا؛ فحدود الحرم الكنسي المبكر لم تُحدد بصورة كاملة، والمقبرة العليا حول الكنيسة الحالية تحتاج إلى مزيد من التحقيق، كما أن نطاق الملكية الكنسية الأوسع للموقع لا يزال بحاجة إلى دراسة. ومن المتوقع أن تساعد هذه الأعمال المستقبلية في رسم صورة أكثر اكتمالًا للمشهد الديني والاجتماعي والاقتصادي الذي نشأ حول Lismore.
وبناءً على الأدلة الحالية، يمكن القول إن Lismore كان مركزًا كنسيًا ورهبانيًا مهمًا خلال العصور الوسطى المبكرة، وأن موقعه داخل الشبكات المسيحية في Dál Riata يستحق إعادة تقييم. أما الربط المباشر بين البقايا الأثرية المكتشفة وبين المؤسسة الأصلية التي أسسها Mo Luóc في القرن السادس، فلا يزال يحتاج إلى دليل أثري يعود مباشرة إلى تلك المرحلة.
وهكذا فإن أهمية هذه الدراسة لا تكمن فقط في اكتشاف مقبرة قديمة أو مجموعة من الأدوات المعدنية، بل في أنها تكشف من خلال الأدلة المادية عن شبكة أوسع من المراكز المسيحية في شمال غرب بريطانيا، وتوضح كيف كانت هذه المراكز مرتبطة بالطرق البحرية، والموارد الاقتصادية، ومراكز السلطة السياسية، والنشاط الحرفي، والتقاليد الدينية في القرون الأولى للمسيحية هناك.
Clare Ellis et al., “A major monastic centre? Rethinking Lismore’s place in the ecclesiastical landscapes of early medieval Britain,” Antiquity, Volume 100, Issue 413, October 2026,
ليكون للبركة
Patricia Michael