«هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ» من أعمق الإعلانات اللاهوتية في إنجيل يوحنا

Patricia Michael

«وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!»(يوحنا 1: 29)

تُعَدّ هذه العبارة من أعمق الإعلانات اللاهوتية في إنجيل يوحنا، إذ لا يقدّم يوحنا المعمدان مجرد لقب جديد ليسوع، بل يكشف في كلمات قليلة عن هويّة المسيح ورسالته وعلاقته بتاريخ الخلاص كله. فالآية تقف عند نقطة يلتقي فيها الماضي بالحاضر؛ إذ تتجه إليها رموز الفصح والذبائح والنبوات، ثم تتحول من رموز وانتظار إلى شخص حاضر أمام يوحنا. ولهذا فإن قوله: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ» ليس مجرد تعريف بيسوع، بل إعلان بأن ما كانت تشير إليه الرموز الكتابية قد بدأ يتحقق في الشخص الواقف أمامهم.

يبدأ المشهد بعبارة: «نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ». وهذه العبارة تحمل أهمية خاصة في سياق خدمة يوحنا المعمدان. فقد كان الناس يأتون إليه ويسألونه عن هويته، وكان عليه أن يوضح باستمرار أنه ليس هو المسيح. لذلك تبلغ رسالته ذروتها في اللحظة التي لا يعود فيها هو محور الأنظار، بل يشير إلى يسوع. يوحنا هو الشاهد، أما يسوع فهو موضوع الشهادة. ولهذا فإن الحركة التي يرسمها النص ليست مجرد حركة جسدية، بل تحمل معنى لاهوتيًا عميقًا: الناس الذين اجتمعوا حول يوحنا مدعوون الآن إلى تحويل أنظارهم عنه نحو المسيح. إن وظيفة يوحنا كلها تختصر في هذه الإشارة: ليس أنا، بل هو.

ثم تأتي الكلمة الحاسمة: «هُوَذَا». لا يقول يوحنا إن حمل الله سيأتي يومًا ما، ولا يتحدث عن مخلّص بعيد في المستقبل، بل يشير إلى شخص حاضر أمامه. إن زمن الانتظار يلتقي هنا بزمن التحقيق. ما كان وعدًا أصبح حضورًا، وما كان رمزًا أصبح شخصًا. وهذه إحدى السمات الأساسية في إنجيل يوحنا، حيث لا يقدّم يسوع باعتباره مجرد امتداد لسلسلة من الأنبياء، بل باعتباره تحقيقًا لما كان التاريخ الخلاصي كله يتجه نحوه.

أما التعبير المركزي«حَمَلُ اللهِ»، فهو يفتح أمام القارئ خلفية واسعة من الرموز الكتابية. فاللفظ اليوناني المستخدم هو ὁ ἀμνὸς τοῦ Θεοῦ، أي «حمل الله». ولم يكن اختيار صورة الحمل عرضيًا، لأن الحمل في الذاكرة الكتابية يرتبط بالذبيحة والفصح والخلاص. وعندما يسمع القارئ اليهودي هذه العبارة، فإنه لا يسمع كلمة معزولة، بل يستحضر تاريخًا كاملًا من الرموز التي ارتبطت بالدم والذبيحة والنجاة.

ومن أهم هذه الخلفيات حمل الفصح في سفر الخروج. ففي ليلة الخروج من مصر، كان الدم علامة خلاص وحماية، وكان الحمل جزءًا أساسيًا من تلك الليلة التي انتقل فيها الشعب من العبودية إلى الحرية. وفي إنجيل يوحنا تظهر إشارات متعددة تربط موت المسيح بالفصح، ولا سيما عندما يذكر الإنجيلي عند الصلب: «عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ»، وهي عبارة تستدعي أحكام حمل الفصح. وهكذا، عندما يعلن يوحنا أن يسوع هو «حمل الله»، يبدأ الإنجيل منذ البداية بوضع خدمة المسيح وموته ضمن أفق الفصح والخلاص.

لكن الإنجيل لا يكتفي باستعادة رمز الفصح، لأن عبارة يوحنا تضيف عنصرًا بالغ الأهمية: «الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ». وهنا تتجاوز الرسالة فكرة الخلاص من خطر خارجي أو من عبودية سياسية، لتصل إلى المشكلة الأعمق التي تصيب الإنسان: الخطيئة. فالمسيح لا يأتي فقط ليحرر شعبًا من قوة أرضية، بل ليواجه واقع الخطيئة الذي يفصل الإنسان عن الله.

والفعل المستخدم في النص اليوناني، αἴρων (airōn)، يحمل معنى «يحمل» و«يرفع» و«يزيل». وهذه الدلالات مجتمعة تكشف عمق الصورة؛ فالمسيح لا يقف بعيدًا عن مشكلة الإنسان، بل يدخل إلى عمقها، ويحمل عبئها، وفي الوقت نفسه يرفعها ويزيلها. ولذلك فإن عبارة «يرفع خطية العالم» لا تصف مجرد تعليم أخلاقي أو دعوة إلى الإصلاح، بل تشير إلى عمل خلاصي يتعامل مع الخطيئة نفسها.

وتتعمق الصورة أكثر عندما نضع النص بجوار إشعياء 53، حيث يظهر عبد الرب بوصفه الشخص الذي يحمل آلام الآخرين وخطاياهم، ويُشبَّه أيضًا بالشاة التي تُساق إلى الذبح. وهكذا تلتقي في عبارة يوحنا خلفيتان عظيمتان: صورة الحمل المرتبط بالذبيحة، وصورة الشخص الذي يحمل خطايا الآخرين. إن يسوع هو الحمل، لكنه ليس ذبيحة بلا شخصية أو إرادة؛ إنه الاله المتجسد الذي يدخل إلى واقع الخطيئة ويحمل تبعاتها من أجل الآخرين.

ومن اللافت أيضًا أن النص يقول: «خَطِيَّةَ الْعَالَمِ» بصيغة المفرد. وهذا لا يعني إنكار تعدد خطايا البشر، بل يلفت النظر إلى واقع أعمق من مجرد مجموعة من الأفعال المنفصلة. فالمشكلة الإنسانية ليست فقط أن الإنسان يرتكب أخطاء متعددة، بل أن الخطيئة تمثل واقعًا شاملًا أصاب علاقة الإنسان بالله. ولذلك يأتي المسيح لمعالجة الجذر، لا مجرد الأعراض. إنه لا يواجه خطأ واحدًا هنا أو ذنبًا منفصلًا هناك، بل يواجه واقع الخطيئة الذي أصاب العالم.

وكلمة «الْعَالَمِ» في إنجيل يوحنا تحمل أهمية خاصة. فهي لا تشير ببساطة إلى كوكب الأرض، بل إلى عالم البشرية الذي يعيش في الحاجة إلى النور والخلاص. ولهذا تتناغم يوحنا 1: 29 مع الإعلان اللاحق في الإنجيل: «لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ»، وكذلك مع القول إن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص به العالم. ومن هنا تظهر وحدة عميقة في الإنجيل: فالمسيح هو حمل الله الذي يرفع خطية العالم، لأن محبة الله تتجه نحو العالم الذي يحتاج إلى الخلاص.

والتعبير «حمل الله» يحمل أيضًا مفارقة لاهوتية عميقة. ففي نظام الذبائح القديم، كان الإنسان هو الذي يأتي بذبيحته إلى الله. أما هنا فإن يوحنا لا يقول «حمل الإنسان» أو «الحمل المقدَّم لله»، بل يقول: «حمل الله». المبادرة هنا تأتي من الله نفسه. فالخلاص، بحسب هذا الإعلان، ليس مشروعًا يبدأ من الإنسان صعودًا إلى الله، بل هو عمل يبدأ من الله ويتجه نحو الإنسان. ولهذا توجد علاقة عميقة بين «حمل الله» في يوحنا 1: 29 وبين إعلان المحبة الإلهية في يوحنا 3: 16: الله يحب، والله يرسل، والابن يأتي، والحمل يرفع خطية العالم.

ومن المثير للتأمل أن يوحنا لم يكتفِ بالقول: «هوذا المسيح»، أو «هوذا الملك»، أو «هوذا ابن داود»، مع أن هذه الألقاب صحيحة ومهمة. لكنه اختار لقبًا يكشف الطبيعة المسيانية التي سيعلنها الإنجيل. فالمسيح الذي يأتي ملكًا لا يُفهَم ملكه بعيدًا عن رسالته الخلاصية، والمجد الذي سيظهر فيه لا ينفصل عن طريق الصليب. لذلك فإن صورة الحمل منذ بداية الإنجيل تهيئ القارئ لفهم طبيعة عمل المسيح: طريقه إلى المجد سيمر عبر البذل، وانتصاره لن يكون انتصار القوة الأرضية، بل انتصارًا يتحقق من خلال العمل الخلاصي.

وهذا المعنى لا ينتهي عند يوحنا 1: 29، بل يمتد إلى نهاية التقليد اليوحناوي في سفر الرؤيا، حيث يصبح «الحمل» محورًا أساسيًا في الإعلان عن المجد والسلطان والعبادة. وهكذا يتشكل قوس لاهوتي عميق: يبدأ الإنجيل بيوحنا المعمدان وهو يشير إلى يسوع ويقول: «هوذا حمل الله»، وتنتهي الرؤية بإعلان مجد الحمل وسلطانه. إن الحمل الذي يظهر في بداية الإنجيل مرتبطًا برفع خطية العالم هو نفسه الذي يظهر في الرؤيا موضوعًا للعبادة والمجد.

وهكذا، فإن يوحنا 1: 29 ليس مجرد آية عن لقب من ألقاب المسيح، بل هو إعلان مكثف عن قصة الخلاص. يوحنا يرى يسوع ويشير إليه، والرموز القديمة تلتقي في شخصه، وحمل الفصح والذبيحة وصورة العبد المتألم تجد معناها في رسالته، والخطيئة التي تمثل المشكلة الجذرية للإنسان تصبح موضوع عمله الخلاصي، والعالم كله يدخل في أفق هذا الإعلان.

لذلك، عندما يقول يوحنا المعمدان: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ»، فهو في الحقيقة يعلن أن التاريخ الذي عاش في ظل الوعود والرموز والانتظار قد وصل إلى لحظة تحقيقه. إن الذي كان الناس ينتظرونه قد جاء، والذي كانت الذبائح تشير إليه أصبح حاضرًا، والذي يستطيع أن يحمل واقع الخطيئة ويرفعه قد ظهر أمام العالم.

وهنا تكمن قوة إشارة يوحنا: لا تتوقفوا عند الشاهد، بل انظروا إلى المسيح. «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ».

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم :

لاحظ أن الحمل لم يُذكر على أنه مجرد حمل، بل قال "حمل الله" لأنه كان يوجد حمل آخر والذي هو حمل اليهود (في الفصح)، ويوحنا تكلم بهذه الطريقة ليبين أن الحمل الذي كان يتكلم عنه هو حمل الله. كان الحمل اليهودي يُقدم فقط عن الأمة اليهودية، أما حمل الله فقدم لأجل العالم كله. إن دم الحمل اليهودي يقدس إلى طهارة الجسد فقط كما في (عب 8: 13) أما دم حمل الله فيطهر العالم كله (جسدًا وروحًا).

تفسيرات الكتاب المقدس

ليكون للبركة

Patricia Michael