شهادة أريستيدس (Aristides of Athens) عن المسيحيين في القرن الثاني.

هل كانت المسيحية الأولى مجرد حركة دينية متأخرة، أم أن لدينا شهادة مبكرة تصف إيمان المسيحيين وعقيدتهم وطريقة حياتهم؟

Patricia Michael

من هو أريستيدس (Aristides of Athens)؟

أريستيدس (Aristides of Athens) فيلسوف مسيحي من أثينا، ويُعد من أوائل المدافعين عن المسيحية في القرن الثاني. وقد وجّه إلى الإمبراطور دفاعًا عن المسيحيين عُرف باسم «دفاعيات أريستيدس» (The Apology of Aristides).

وتكمن أهمية هذا النص في أنه لا يقدّم لنا مجرد عرض عقائدي، بل يصف المسيحيين أيضًا من حيث إيمانهم بالله، وأخلاقهم، وصلاتهم، وعلاقتهم بالفقراء والأرامل والأيتام، وتعاملهم مع أعدائهم، ورجائهم في الحياة الآتية.

وفيما يلي نص من «دفاعيات أريستيدس» (The Apology of Aristides)، يصف فيه أريستيدس المسيحيين وطريقة حياتهم، ثم يدافع عنهم أمام الاتهامات الموجّهة إليهم:

"أمّا المسيحيون يا جلالة الملك، فبينما كانوا يطوفون ويبحثون، وجدوا الحق؛ وكما تعلمنا من كتاباتهم، فقد اقتربوا من الحق والمعرفة الحقيقية أكثر من سائر الأمم. فهم يعرفون الله، خالق السماء والأرض، ويثقون به، الذي منه وله كل الأشياء، والذي لا إله آخر شريك له، ومنه تلّقوا وصايا حفروها في أذهانهم ويحفظونها على أمل ورجاء العالم الآتي. ولذلك لا يزنون، ولا يفجرون، ولا يشهدون بالزور، ولا يختلسون ما اؤتمنوا عليه، ولا يطمعون فيما ليس لهم. يكرمون الأب والأم، ويظهرون الإحسان إلى أقربائهم، وحينما يستلمون القضاء يحكمون بالعدل. لا يعبدون الأصنام (المصنوعة) على صورة الإنسان، ومهمَا كرهوا أن يفعل الآخرون بهم، لا يفعلونه هم بالآخرين، ولا يأكلون من الطعام المكرس للأصنام لأنهم أنقياء. ويُرفقون بمضطهديهم ويصادقونهم، ويحسنون إلى أعدائهم؛ ونسائهم يا جلالة الملك طاهرات كالعذارى، وبناتهم عفيفات، ورجالهم يبتعدون عن كل زيجة غير شرعية وعن كل نجاسة، رجاءً في نيل الجزاء الآتي في العالم الآخر.

فضلاً عن ذلك، إن كان لأحدهم عبيد أو إماء أو أبناء، فإنهم بمحبتهم نحوهم يقنعونهم بأن يصبحوا مسيحيين، وإذا فعلوا ذلك، يدعونهم إخوة دون تمييز.

لا يعبدون آلهة غريبة، ويسيرون في طريقهم بكل تواضع وبشاشة. لا يوجد كذب بينهم، ويحبون بعضهم بعضاً، ولا يصرفون وجوههم عن الأرامل إكراماً لهن، وينقذون اليتيم ممن يعامله بقسوة. ومن كان لديه، يعطي من ليس لديه دون افتخار. وإذا رأوا غريباً، أدخلوه إلى بيوتهم وفرحوا به كأخ حقيقي؛ لأنهم لا يدعونهم إخوة بحسب الجسد، بل إخوة بحسب الروح وفي الله. وإذا توفي أحد فقرائهم، فإن كل واحد منهم -وفق مقدرته- يعتني به ويهتم بدفنه باعتناء. وإذا سمعوا أن أحدًا منهم سُجن أو أُوذي من أجل اسم مسيحهم، يهرع جميعهم لإعانته في حاجته، وإن أمكنهم تحريره، أطلقوا سراحه. وإذا كان بينهم فقير أو محتاج، ولم يكن لديهم طعام زائد، فإنهم يصومون يومين أو ثلاثة لكي يوفروا للمحتاج ما يفتقره من طعام.

يحفظون وصايا مسيحهم بعناية فائقة، ويعيشون بالعدل والتعقل كما أمرهم الرب إلههم. في كل صباح وكل ساعة يحمدون الله ويسبحونه على إحساناته نحوهم، وعلى طعامهم وشرابهم يقدمون له الشكر. وإذا توفي بينهم رجل بار، فرحوا وقدموا الشكر لله، وشيّعوا جثمانه كأنه يرتحل من مكان إلى مكان قريب. وإذا ولد لأحدهم طفل، يشكرون الله؛ وإذا حدث ومات في طفولته، يشكرون الله أكثر، كمن عبر هذا العالم بلا خطايا. وأيضًا، إذا رأوا أن أحدًا منهم يموت في شره أو خطاياه، يحزنون عليه بمرارة ويتألمون كمن يتجه لملاقاة مصيره المحتوم.

هذه يا جلالة الملك هي وصية شريعة المسيحيين، وهذه هي طريقة حياتهم. وكأناس يعرفون الله، يطلبون منه طلبات يليق به أن يمنحها ويليق بهم أن يقبلوها. وهكذا يقضون كل حياتهم.

وبما أنهم يعرفون إحسانات الله نحوهم، فإن خيرات الله المجيدة في العالم تظهر أمامهم. وحقًا، هم الذين وجدوا الحق عندما طافوا وبحثوا عنه؛ ومما تأملناه، علمنا أنهم وحدهم الذين اقتربوا من معرفة الحق. وهم لا ينادون في آذان الجمع بأعمال الخير التي يفعلونها، بل يحرصون على ألا يلاحظهم أحد، ويكتمون عطاياهم تمامًا كمن يجد كنزًا فيخفيه.

ويجاهدون ليكونوا أبرارًا، إذ ينتظرون أن يروا مسيحهم، وأن ينالوا منه بمجد عظيم الوعود التي أُعلنت لهم. وأما كلماتهم ووصاياهم، يا جلالة الملك، وما يعلنونه من إكرامهم لله في عبادتهم، ورجاؤهم في نيل الجزاء الذي ينتظرونه في العالم الآخر بحسب عمل كل واحد منهم، فيمكنك أن تتعلم عنها من كتاباتهم. ويكفينا أن نكون قد أعلمنا جلالتك بإيجاز عن سلوك المسيحيين وحقهم. فعظيم ومثير للعجب حقًا تعليمهم لمن يبحث فيه ويتأمل فيه. وحقًا، هم جماعة جديدة، وفي وسطهم حضور إلهي.

فخذ إذن كتاباتهم، واقرأ فيها، وستجد أنني لم أضع هذه الأمور من عندي، ولا تحدثت هكذا بصفتي مدافعًا عنهم؛ بل منذ أن قرأت في كتاباتهم أصبحت على يقين تام بهذه الأمور، وكذلك بالأمور العتيدة أن تكون. ولهذا السبب وجدت نفسي مضطرًا إلى إعلان الحق لمن يبالون به ويبحثون عن العالم الآتي. وبالنسبة لي، لا يوجد شك في أن الأرض تسكن وتستقر بفضل تضرعات المسيحيين. أما سائر الأمم فيضلون ويوقعون غيرهم في الضلال، وهم يتمرغون أمام عناصر العالم، إذ إن رؤيتهم العقلية لا تتجاوز هذه الأشياء. وهم يبحثون كما لو كانوا في الظلمة لأنهم يرفضون الإقرار بالحق؛ وكالسكارى يترنحون ويصطدمون ببعضهم بعضًا ويسقطون.

إلى هنا تحدثتُ يا جلالة الملك؛ أما فيما يتبقى، وكما ذُكر أعلاه، فتوجد في كتاباتهم الأخرى أمورٌ يُعسَر النطق بها، ويصعب على المرء روايتها؛ وهي أمور لا تُقال بالكلمات فحسب، بل تتجسّد أيضًا في الأفعال.

أما اليونانيون، يا جلالة الملك، فبينما يمارسون ممارسات دنيئة في معاشرة الذكور، ومع الأمهات والأخوات والبنات، ينسبون نجاستهم الفاحشة بدورهم إلى المسيحيين. أما المسيحيون فأبرار وصالحون، والحق ماثل أمام أعينهم، وأرواحهم طويلة الأناة؛ ولذلك، مع أنهم يعرفون ضلال هؤلاء اليونانيين، ومع أنهم يتعرضون للاضطهاد منهم، فإنهم يحتملون ذلك ويصبرون عليه؛ بل يترأفون بهم في الغالب، بوصفهم أناسًا يفتقرون إلى المعرفة.

ومن جانبهم، يرفعون الصلوات لكي يتوب هؤلاء عن ضلالهم؛ وحين يتوب أحدهم، يشعر بالخزي أمام المسيحيين بسبب الأعمال التي ارتكبها، ويقرّ ويعترف لله قائلًا: «لقد فعلتُ هذه الأمور عن جهل». فيطهّر قلبه، وتُغفر له خطاياه، لأنه ارتكبها في جهله في الزمن السابق، حين كان يجدّف ويتكلم بالسوء عن المعرفة الحقيقية. والحق أن جماعة المسيحيين أكثر بركةً من سائر البشر الذين على وجه الأرض.

فلتصمت، من الآن فصاعدًا، ألسنة أولئك الذين ينطقون بالباطل ويضايقون المسيحيين، وليتكلموا بالحق بعد اليوم. فمن الأهمية بمكان أن يعبدوا الإله الحقيقي، بدلًا من عبادة صوت لا معنى له. وحقًا، كل ما ينطق به فم المسيحيين هو من الله، وتعليمهم هو باب النور. لذلك، ليدنُ كل من هو بغير معرفة الله من هذا النور، فيتقبل كلماتٍ غير قابلة للفساد، قائمة منذ الأزمنة وإلى الأبد. وهكذا سيظهرون أمام الدينونة المهيبة التي جُعلت لتأتي بواسطة يسوع المسيح على الجنس البشري بأسره."

لماذا يُعد هذا النص مهمًا في الدفاعيات؟

أهمية النص ليست في أنه يثبت وحده كل تفاصيل العقيدة المسيحية، بل في أنه يقدم شهادة مسيحية مبكرة جدًا عن الطريقة التي كان أحد المدافعين المسيحيين في القرن الثاني يعرض بها المسيحية أمام العالم الوثني.

فنحن نجد أمامنا في نص واحد مجموعة من العناصر الواضحة:

1. الإيمان بالله الخالق:يصف أريستيدس المسيحيين بأنهم يؤمنون بالله الواحد، خالق السماء والأرض، وأن جميع الأشياء منه.

2. رفض عبادة الأصنام:يؤكد أنهم لا يعبدون الأصنام المصنوعة على صورة الإنسان.

3. الإيمان بالمسيح والالتزام بوصاياه:يتحدث صراحة عن «مسيحهم»، ويؤكد أنهم يحفظون وصاياه ويعيشون وفق تعاليمه.

4. الإيمان بالحياة الآتية والمكافأة:يربط أريستيدس سلوك المسيحيين برجائهم في العالم الآتي، وبالمكافأة التي ينتظرونها.

5. أخلاقية الحياة المسيحية:يذكر العفة، والصدق، وإكرام الوالدين، ومساعدة الفقراء، ورعاية الأرامل والأيتام، وإكرام الغرباء.

6. محبة الأعداء:لا يكتفي بوصف المسيحيين بأنهم لا يؤذون أعداءهم، بل يقول إنهم يحسنون إليهم ويصلّون من أجل توبتهم.

7. التكافل داخل الجماعة:يصف مساعدة الفقراء، ورعاية المسجونين والمضطهدين، والاهتمام بدفن الموتى.

الخلاصة الدفاعية

تكمن قيمة «دفاعيات أريستيدس» (The Apology of Aristides) في أنها تضع أمامنا شهادة مسيحية مبكرة عن الإيمان والحياة المسيحية من داخل القرن الثاني نفسه. فالمسيحية التي يصفها أريستيدس ليست مجرد مجموعة من الأفكار المجردة، بل إيمان بالله الخالق، وإيمان بالمسيح ووصاياه، ورجاء في العالم الآتي، وحياة أخلاقية واجتماعية تجسّد هذا الإيمان في التعامل مع الفقراء والأيتام والأرامل والغرباء وحتى الأعداء.

ولذلك، عندما يُقال إن صورة المسيحية في القرون الأولى لا يمكن معرفتها إلا من خلال مصادر متأخرة، فإن The Apology of Aristides يقدم مثالًا مبكرًا على وجود كتابة مسيحية تدافع عن الإيمان وتصف حياة المؤمنين في زمن قريب نسبيًا من نشأة المسيحية.

Aristides of Athens, The Apology of Aristides, in The Ante-Nicene Fathers.

ليكون للبركة

Patricia Michael