التفاسير الكتابية ودورها في الرد على الشبهات

Patricia Michael

عندما يواجه الباحث شبهة تتعلق بنص من الكتاب المقدس، قد يشعر أحيانًا أن الرد عليها يحتاج إلى معرفة واسعة باليونانية والعبرية والمخطوطات والنقد النصي والتاريخ والآثار وغيرها من مجالات الدراسات الكتابية. وهذا الشعور مفهوم، خصوصًا عندما تُقدَّم الشبهة بطريقة توحي بأن صاحبها اكتشف مشكلة لا يمكن الإجابة عنها إلا بواسطة متخصص في اللغة أو المخطوطات أو التاريخ القديم.

لكن الحقيقة أن الأمر ليس كذلك دائمًا. فكثير من الشبهات التي تُطرح بصورة متكررة يمكن أن يتبين ضعفها بمجرد الرجوع إلى تفسير كتابي جيد يشرح النص في سياقه ويعرض خلفيته اللغوية والتاريخية والأدبية. وقد يكتشف القارئ، بعد الرجوع إلى التفسير، أن السؤال الذي بدا معقدًا في البداية قد نوقش منذ زمن طويل، وأن ما قُدِّم له باعتباره مشكلة جديدة ليس إلا مسألة تفسيرية معروفة، أو أن الشبهة قامت أساسًا على اقتطاع النص من سياقه، أو على افتراض معنى معين لكلمة، أو على تجاهل طبيعة النص الأدبية والتاريخية.

وهنا تظهر أهمية التفاسير الكتابية في العمل الدفاعي. ليس مطلوبًا من المدافع أن يمتلك جميع أدوات البحث الكتابي بنفسه، لكن المطلوب أن يعرف كيف يستخدم الأدوات العلمية التي أنجزها المتخصصون، ومن أهمها التفاسير الأكاديمية للكتاب المقدس. فكما لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون طبيبًا متخصصًا في كل فروع الطب حتى يستفيد من الدراسات الطبية، ولا يحتاج المؤرخ إلى إعادة فحص كل وثيقة تاريخية بنفسه حتى يستفيد من البحث التاريخي، كذلك لا يحتاج المدافع إلى أن يكون في الوقت نفسه متخصصًا في اليونانية والعبرية والنقد النصي والتاريخ القديم حتى يستطيع أن يبدأ بحثًا جادًا في شبهة كتابية.

فالتفسير المتخصص يمثل في كثير من الأحيان جسرًا بين القارئ وبين عالم الدراسات الكتابية المتخصصة. فالمفسر قد يكون قد درس النص في لغته الأصلية، وفحص بنيته الأدبية، وراجع تاريخه النصي، ودرس خلفيته التاريخية والثقافية، واطلع على آراء الباحثين السابقين، ثم قدم خلاصة هذا البحث في صورة تفسيرية يستطيع القارئ الاستفادة منها. ولذلك فإن الرجوع إلى التفسير لا يعني الهروب من البحث العلمي، بل يعني الاستفادة من البحث العلمي الذي أنجزه المتخصصون.

وهذا مهم جدًا في الرد على الشبهات؛ لأن المدافع لا يحتاج دائمًا إلى أن يقوم بكل البحث من الصفر. ففي كثير من الحالات، قد يكون السؤال الذي يطرحه صاحب الشبهة قد نوقش بالفعل في التفاسير المتخصصة، وقد يجد الباحث فيها شرحًا كافيًا للسياق الذي أُخرج منه النص، أو توضيحًا للمعنى اللغوي، أو تفسيرًا للخلفية التاريخية، أو بيانًا لطبيعة النص الأدبية. وأحيانًا لا يحتاج السائل أكثر من أن يرجع إلى تفسير متخصص ليكتشف بنفسه أن الشبهة التي عُرضت عليه ليست بالقوة التي بدت عليها في البداية.

وهنا تكمن إحدى أهم وظائف التفسير في المجال الدفاعي: أنه لا يقدم لنا دائمًا جوابًا جاهزًا فحسب، بل يساعدنا أولًا على معرفة طبيعة المشكلة التي أمامنا. فقد نكتشف أن الشبهة التي تبدو لغوية هي في الحقيقة مشكلة في السياق، أو أن ما يبدو تناقضًا تاريخيًا يحتاج إلى معرفة الخلفية التاريخية، أو أن الاعتراض كله قائم على قراءة حرفية لنص أدبي لا يُقرأ بهذه الطريقة، أو أن الاختلاف الذي يُقدَّم باعتباره تناقضًا يتعلق في الحقيقة بمسألة نصية سبق للباحثين أن درسوها.

ومن هنا تصبح التفاسير واحدة من أهم الأدوات التي ينبغي أن يتعلم المدافع كيفية استخدامها. فهي لا تحل محل دراسة اللغات الأصلية، ولا تحل محل النقد النصي أو دراسة المخطوطات أو البحث التاريخي والأثري، لكنها تمكن الباحث غير المتخصص من الوصول إلى نتائج هذه الدراسات والاستفادة منها، وتساعده على معرفة متى تكفيه المعلومات التي يقدمها التفسير، ومتى يحتاج إلى الانتقال إلى مصدر أكثر تخصصًا.

ولهذا فإن المدافع القوي ليس بالضرورة هو الذي يعرف كل شيء، وإنما هو الذي يعرف أين يبحث عندما لا يعرف. فإذا واجه شبهة حول نص كتابي، لا يتسرع في تقديم إجابة من ذاكرته، ولا يشعر بالعجز لمجرد أنه لا يعرف اليونانية أو العبرية، بل يبدأ بالسؤال: ما طبيعة هذه الشبهة؟ وهل سبق للمتخصصين أن ناقشوها؟ وماذا تقول التفاسير المتخصصة عنها؟ وما الأدلة التي يقدمها المفسر؟ وهل تحتاج المسألة بعد ذلك إلى الرجوع إلى معجم لغوي أو دراسة نقد نصي أو مصدر تاريخي؟

وبهذا المعنى، يصبح التفسير نقطة انطلاق أساسية في البحث الدفاعي؛ لأنه يساعد المدافع على الانتقال من الشبهة إلى الدراسة، ومن الانطباع إلى الدليل، ومن الإجابة السريعة إلى فهم المشكلة نفسها.

فالتفسير الكتابي المتخصص ليس مجرد كتاب يقدم تأملات روحية أو شرحًا مبسطًا للآيات، وإنما قد يكون عملًا علميًا واسعًا يجمع بين دراسة النص، واللغة الأصلية، والسياق التاريخي والأدبي، والمشكلات النصية، والخلفية الثقافية، والآراء التفسيرية السابقة، ثم يقدم للقارئ تحليلًا للنص وحججًا لتفسيره.

وتوضح بعض أشهر سلاسل التفاسير الأكاديمية هذا الأمر بوضوح. فسلسلة Anchor Yale Bible Commentaries، على سبيل المثال، تصف نفسها بأنها تقدم ترجمة وتفسيرًا للكتاب المقدس العبري والعهد الجديد وبعض النصوص غير القانونية، وتؤكد اعتمادها على اللغات القديمة، والملاحظات التفصيلية، والمناقشة النقدية للنظريات المختلفة، والخلفية التاريخية والبحث الحديث.

وكذلك توصف سلسلة Word Biblical Commentary بأنها سلسلة تفسيرية تقنية وأكاديمية، تقوم على التحليل التفسيري للنص، وتضم مناقشات فنية ومراجع ببليوغرافية واسعة.

وهذا يكشف لنا نقطة أساسية: عندما نرجع إلى تفسير أكاديمي جيد، فإننا لا نرجع ببساطة إلى «رأي شخص في معنى الآية»، وإنما نستفيد من عملية بحث علمي قام بها متخصص، حتى لو لم نكن نحن قادرين على تنفيذ جميع مراحل تلك العملية بأنفسنا.

ولكن هناك سؤال مهم: كيف أختار من بين هذا العدد الكبير من التفاسير؟

قد يقول البعض: إذا كانت التفاسير بهذه الأهمية، فهناك عشرات التفاسير وسلاسل كثيرة، وقد نجد بينها آراء مختلفة، فكيف يعرف المدافع أي تفسير ينبغي أن يعتمد عليه؟

والإجابة أن كثرة التفاسير ليست مشكلة في حد ذاتها، بل هي في الحقيقة ميزة إذا عرفنا كيف نتعامل معها. فليس كل تفسير مكتوبًا للغرض نفسه، وليست جميع التفاسير على المستوى نفسه من التخصص، كما أن اختلاف المفسرين لا يعني بالضرورة أن أحدهم لا يعرف شيئًا وأن الآخر وحده يمتلك الحقيقة. فبعض التفاسير يركز على الجانب الروحي والرعوي، وبعضها يهتم بالشرح العام، وبعضها أكثر تخصصًا في اللغة والنقد النصي والتاريخ والسياق الأدبي.

ولذلك، عند التعامل مع شبهة، ينبغي أن نختار التفسير بحسب طبيعة السؤال الذي نريد الإجابة عنه. فإذا كانت المسألة لغوية، فمن الأفضل الرجوع إلى تفسير يهتم باللغة الأصلية والتحليل النحوي والدلالي. وإذا كانت المسألة تاريخية، فمن المفيد اختيار تفسير يقدم خلفية تاريخية واسعة. وإذا كانت الشبهة مرتبطة بمشكلة نصية أو باختلاف في المخطوطات، فمن الأفضل الرجوع إلى تفسير يتعامل بجدية مع النقد النصي. أما إذا كانت المسألة مرتبطة بالسياق الأدبي أو بنوع النص، فنبحث عن تفسير يهتم بالبنية الأدبية والسياق.

ومن المفيد كذلك ألا يعتمد المدافع على تفسير واحد في كل شيء. فإذا كانت المسألة مهمة أو موضع خلاف بين الباحثين، فمن الأفضل مقارنة أكثر من تفسير، ولا سيما عندما تكون التفاسير التي نرجع إليها ذات مناهج مختلفة. فالمقارنة لا تساعدنا فقط على معرفة الرأي الذي نتفق معه، بل تكشف لنا أيضًا نقاط الاتفاق والاختلاف، والحجج التي يستند إليها كل اتجاه.

وهنا ينبغي أن نتذكر أن الهدف ليس العثور على تفسير «يقول ما نريد» ثم استخدامه لإسكات الطرف الآخر، وإنما العثور على أفضل بحث يمكن أن يساعدنا على فهم النص والمسألة بصورة صحيحة. ولذلك ينبغي أن نسأل: من هو مؤلف التفسير؟ ما تخصصه؟ ما منهجه؟ هل يتعامل مع النص في لغته الأصلية؟ هل يوثق مصادره؟ هل يعرض الآراء المختلفة؟ وهل يناقش الاعتراضات بدلًا من تجاهلها؟

وعندما نتعامل مع التفاسير بهذه الطريقة، فإن كثرتها تتحول من عبء إلى مصدر قوة. فالمدافع لا يفتح أي تفسير عشوائي ويبحث عن جملة تؤيد موقفه، وإنما يتعلم أن يختار المصدر المناسب للسؤال المناسب، وأن يقارن عندما تكون المقارنة ضرورية، وأن ينتقل إلى المصادر الأولية أو الدراسات المتخصصة عندما تتجاوز المسألة نطاق التفسير.

وهكذا لا يصبح الهدف أن نقول: «التفسير الفلاني قال ذلك، إذن انتهت الشبهة»، بل أن نقول: «رجعنا إلى الدراسات التفسيرية المتخصصة، وفهمنا طبيعة المشكلة، واطلعنا على الأدلة التي قدمها الباحثون، ثم استخدمنا هذه الأدلة في بناء الرد».

وهذا هو الاستخدام الصحيح للتفاسير في الدفاع عن الإيمان: ليست سلطة نحتج بها بدلًا من الدليل، وليست بديلًا عن البحث المتخصص، وإنما هي واحدة من أهم الأدوات التي تتيح للمدافع أن يصل إلى المعرفة المتخصصة، ويفهمها، ويعرف متى تكفيه ومتى يحتاج إلى التعمق أكثر.

التفسير جسر بين النص والدراسات المتخصصة

يمكن تشبيه التفسير المتخصص بالجسر الذي يصل القارئ بالنطاق الواسع من الدراسات الكتابية. فالدارس المتخصص يستطيع أن يقرأ النص العبري أو اليوناني، ويقارن القراءات المخطوطية، ويدرس استعمال الكلمات في الأدب القديم، ويبحث في الخلفية التاريخية، ثم يوازن بين التفسيرات المختلفة. أما القارئ غير المتخصص فقد لا يمتلك هذه المهارات كلها.

لكن هذا لا يعني أنه محروم من نتائج هذا البحث.

فالتفسير الجيد ينقل إلى القارئ جزءًا كبيرًا من هذا العمل العلمي في صورة منظمة ومشروحة. وقد يبين له معنى كلمة في اللغة الأصلية، أو يشرح تركيبًا نحويًا، أو يعرض اختلافًا في قراءة مخطوطية، أو يناقش خلفية تاريخية، أو يقارن بين عدة تفسيرات للفقرة، ثم يبين الأسباب التي جعلت المؤلف يميل إلى تفسير معين.

ولهذا فإن التفسير يمثل بالنسبة إلى المدافع غير المتخصص بوابة إلى البحث العلمي.

وهنا ينبغي أن ننتبه إلى الفرق بين أمرين. نحن لا نقول إن قراءة التفسير تجعل الشخص متخصصًا في اليونانية أو العبرية، ولا نقول إن التفسير يغني عن دراسة المخطوطات أو النقد النصي أو المصادر التاريخية. وإنما نقول إن التفسير يسمح للباحث بأن يستفيد من عمل المتخصصين في هذه المجالات، وأن يعرف ما الذي توصلوا إليه، ولماذا توصلوا إليه، وما الأدلة التي استندوا إليها.

لماذا التفاسير مهمة جدًا في الرد على الشبهات؟

تكمن أهمية التفسير في الدفاع عن الإيمان في أن الشبهة كثيرًا ما تقدم للقارئ قراءة واحدة للنص وكأنها القراءة الوحيدة الممكنة.

قد يقول صاحب الشبهة إن كلمة معينة تعني معنى محددًا، ثم يبني على ذلك استنتاجًا كاملًا. وقد يقول إن النص يتحدث عن حدث تاريخي بطريقة معينة، أو إن العبارة يجب أن تُفهم حرفيًا، أو إن اختلافًا بين نصين يمثل تناقضًا.

لكن عندما نرجع إلى تفسير متخصص، قد نكتشف أن المسألة أكثر تعقيدًا بكثير مما قدمته الشبهة.

قد تكون الكلمة لها أكثر من معنى بحسب السياق. وقد يكون التركيب اللغوي قابلًا لأكثر من تحليل. وقد تكون الفقرة جزءًا من بناء أدبي أوسع. وقد يكون للنص خلفية تاريخية تغير طريقة فهمه. وقد يكون ما يبدو تناقضًا عند القراءة السريعة ناتجًا عن اختلاف في زاوية السرد أو الغرض الأدبي.

وهنا لا يقدم لنا التفسير مجرد «جواب مضاد للشبهة»، بل يساعدنا على إعادة بناء السؤال نفسه بصورة صحيحة.

وهذه نقطة جوهرية في العمل الدفاعي؛ لأن بعض الشبهات لا تحتاج في البداية إلى جواب طويل بقدر ما تحتاج إلى تصحيح الافتراض الذي بنيت عليه.

التفسير يساعدنا على فهم السياق

من أكثر الأسباب التي تجعل الشبهات تبدو قوية اقتطاع النص من سياقه.

فالآية قد تبدو وكأنها تقول شيئًا معينًا إذا قرأنا جملة واحدة منها، لكنها قد تأخذ معنى مختلفًا عندما نقرأ الفقرة كاملة، أو السفر كله، أو نضعها في السياق التاريخي الذي نشأت فيه.

وهنا يقوم التفسير بدور مهم للغاية. فالمفسر لا يقرأ الآية منعزلة عن الكتاب الذي توجد فيه، بل يدرس موقعها داخل الوحدة الأدبية، وعلاقتها بما قبلها وما بعدها، وطبيعة الخطاب الذي تنتمي إليه.

وهذا مهم بصورة خاصة عند التعامل مع الشبهات التي تجمع آيات متفرقة ثم تقارن بينها دون مراعاة سياقها.

وقد يكون الرد في هذه الحالة ليس بإضافة آية جديدة، وإنما بإعادة الآية محل الشبهة إلى السياق الذي انتُزعت منه.

التفسير يساعدنا في القضايا اللغوية

هناك نوع آخر من الشبهات يقوم على اللغة الأصلية. وهنا قد يجد المدافع نفسه أمام كلمات يونانية أو عبرية لا يستطيع تحليلها بنفسه.

لكن التفسير الأكاديمي قد يناقش هذه الكلمات بالتفصيل، ويبين معناها في السياق، واستعمالاتها، والخيارات الترجمية الممكنة، وربما يعرض الخلاف بين الباحثين حولها.

وهذا يجعل التفسير أداة مهمة جدًا بالنسبة إلى المدافع الذي لا يتقن اللغة الأصلية.

فبدلًا من أن يقول:

«أنا لا أعرف اليونانية، ولذلك لا أستطيع الرد.»

يمكنه أن يقول:

«هذه المسألة لغوية، ولذلك رجعت إلى تفسير متخصص يناقش النص في لغته الأصلية، ثم درست الحجج التي يقدمها.»

وهذا ليس ضعفًا في المنهج، بل هو استخدام طبيعي للمعرفة المتخصصة.

فالإنسان لا يحتاج إلى أن يكون عالم لغويات حتى يستفيد من دراسة لغوية، كما أنه لا يحتاج إلى أن يكون عالم آثار حتى يستفيد من تقرير أثري متخصص.

التفسير يساعد في فهم الخلفية التاريخية والثقافية

الشبهات لا تتعلق دائمًا باللغة. أحيانًا تنشأ المشكلة من قراءة النص بعين القرن الحادي والعشرين.

لكن النصوص الكتابية نشأت في عوالم تاريخية واجتماعية مختلفة تمامًا عن عالمنا. ولذلك قد تكون هناك مصطلحات أو عادات أو مؤسسات أو ممارسات اجتماعية أو سياسية لا يفهمها القارئ الحديث بصورة صحيحة.

والتفسير المتخصص يستطيع أن يقدم الخلفية اللازمة لفهم النص.

وهنا يصبح التفسير أداة مهمة في الرد على الشبهات التاريخية والثقافية، لأنه يساعد المدافع على معرفة كيف كان يمكن أن يفهم النص في بيئته الأصلية، بدلًا من إسقاط مفاهيم حديثة عليه.

التفسير يساعد في فهم النوع الأدبي

ومن أهم المجالات التي يمكن أن تسهم فيها التفاسير دراسة النوع الأدبي.

فالكتاب المقدس يضم التاريخ، والشعر، والحكمة، والنبوءة، والأمثال، والخطابات، والرسائل، والرؤى، وغيرها من الأشكال الأدبية.

ولذلك لا يمكن أن نفترض أن كل جملة في الكتاب المقدس يجب أن تُقرأ بالطريقة نفسها.

وقد تنشأ بعض الشبهات عندما يُعامل نص شعري باعتباره تقريرًا علميًا، أو نص نبوي باعتباره وصفًا صحفيًا، أو مثل باعتباره رواية تاريخية حرفية، أو لغة أدبية مكثفة باعتبارها تقريرًا تقنيًا.

والتفسير المتخصص يساعدنا على التعرف إلى طبيعة النص ووظيفته الأدبية، وبالتالي يمنعنا من بناء اعتراض على قراءة لا تتفق أصلًا مع نوع النص.

التفسير يكشف أن كثيرًا من الشبهات ليست جديدة

هناك فائدة أخرى مهمة جدًا للتفاسير في العمل الدفاعي، وهي أنها تضع المدافع أمام تاريخ طويل من النقاش العلمي حول النصوص الصعبة.

فقد تبدو شبهة معينة جديدة عندما تظهر في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها قد تكون في الحقيقة مسألة ناقشها المفسرون والباحثون منذ عقود.

وعندما يفتح المدافع تفسيرًا أكاديميًا جيدًا، قد يجد أن المشكلة التي قُدمت له باعتبارها «اكتشافًا خطيرًا» لها تاريخ طويل في الدراسات الكتابية، وأن هناك أكثر من تفسير لها، وأن الباحثين يعرفونها ويناقشونها ويختلفون في بعض تفاصيلها.

وهذا يغير طريقة تعامل المدافع مع الشبهة.

فبدلًا من أن يبدأ من الصفر، يستطيع أن يستفيد من التراكم العلمي السابق.

التفسير لا يقتصر على إعطائنا النتيجة؛ بل يقدم لنا الحجة

وهنا ربما تكمن أهم قيمة للتفسير بالنسبة إلى العمل الدفاعي.

فلو كان التفسير مجرد كتاب يقول لنا: «الآية تعني كذا»، لكانت فائدته محدودة جدًا في الحوار العلمي.

لكن التفسير الأكاديمي الجيد لا يكتفي عادة بإعلان النتيجة، بل يناقش أسبابها. وقد يعرض القراءات المختلفة، ويذكر الحجج المؤيدة والمعارضة، ويشرح لماذا يفضل تفسيرًا على آخر.

وهذا بالضبط ما يحتاج إليه المدافع.

فهو لا يريد فقط أن يعرف ماذا يقول الباحث، بل يريد أن يعرف لماذا يقول ذلك.

وهنا يتحول التفسير إلى مادة يمكن استخدامها في بناء الحجة نفسها.

ولكن هل يكفي أن نقول: «التفسير يقول ذلك»؟

بالتأكيد لا.

وهذه نقطة ينبغي أن تكون واضحة جدًا في أي مقال يتناول المنهج الدفاعي.

ليس من المنهج العلمي أن نرد على شبهة بقولنا:

«المفسر فلان يقول إن هذا ليس تناقضًا.»

ثم نعتبر القضية منتهية.

لأننا بذلك ننتقل من الاحتجاج بالنص إلى الاحتجاج بسلطة الشخص.

الأصح أن نستخدم التفسير لمعرفة الحجة التي يقدمها الباحث، ثم نعرضها ونناقشها.

فبدلًا من القول:

«التفسير الفلاني يقول إن الكلمة لا تعني هذا.»

نقول:

«يرى الباحث الفلاني أن هذه الكلمة لا تحمل المعنى الذي تفترضه الشبهة في هذا السياق، ويستند في ذلك إلى استعمالها اللغوي والسياق الذي وردت فيه، كما يناقش تفسيرات أخرى للعبارة.»

الفرق بين العبارتين كبير جدًا.

في الأولى نحن نطلب من القارئ أن يثق بالباحث.

أما في الثانية فنحن نقدم للقارئ حجة يمكن فحصها ومناقشتها.

وليس كل تفسير مناسبًا لكل شبهة

ومن المهم أيضًا ألا نتعامل مع جميع التفاسير على أنها متساوية.

فالتفاسير تختلف في أهدافها ومستوياتها ومناهجها. فهناك تفاسير وعظية وروحية، وهناك تفاسير رعوية، وهناك تفاسير أكاديمية تقنية، وهناك تفاسير تركز بدرجة كبيرة على اللغة والنقد النصي والتاريخ.

وتوضح الأدبيات الخاصة بالتفاسير نفسها أن التفاسير تختلف اختلافًا كبيرًا في أهدافها ومناهجها؛ فبعضها يركز بصورة كبيرة على المسائل النحوية والنقدية في النص الأصلي، بينما يركز بعضها الآخر على الجانب العملي أو التعبدي.

ولهذا، عندما تكون الشبهة متعلقة بمسألة لغوية دقيقة، ينبغي البحث عن تفسير يتعامل بجدية مع اللغة الأصلية. وإذا كانت المسألة تاريخية، فمن الأفضل اختيار تفسير يقدم خلفية تاريخية واسعة. وإذا كانت المشكلة نصية، فمن المفيد الرجوع إلى تفسير يناقش القراءات المخطوطية والنقد النصي.

وهنا نصل إلى مبدأ مهم: قيمة التفسير في الرد على الشبهة ترتبط بمدى ملاءمته للسؤال الذي نريد الإجابة عنه.

التفسير نقطة انطلاق، وليس دائمًا نقطة النهاية

ومع كل هذه الأهمية، ينبغي ألا نضع التفسير في مكان لا ينتمي إليه.

فالتفسير ليس بديلًا عن المخطوطة عندما يكون السؤال عن مخطوطة معينة، وليس بديلًا عن دراسة نقد نصي متخصصة عندما يكون السؤال عن تاريخ قراءة نصية، وليس بديلًا عن المصدر التاريخي أو الأثري عندما تكون القضية تاريخية أو أثرية.

لكن التفسير يمكن أن يكون نقطة الانطلاق الممتازة التي تخبرنا أولًا بطبيعة المشكلة، وما الذي قاله الباحثون عنها، وما المصادر التي ينبغي الرجوع إليها إذا احتجنا إلى مزيد من التعمق.

وهذا يجعل التفسير جزءًا من منهج بحث متدرج.

يبدأ المدافع بالنص والسياق، ثم يرجع إلى تفسير متخصص لفهم المشكلة، فإذا وجد أن المسألة لغوية ينتقل إلى المعاجم والدراسات اللغوية، وإذا كانت نصية ينتقل إلى النقد النصي والمخطوطات، وإذا كانت تاريخية ينتقل إلى الدراسات التاريخية والأثرية.

وبذلك لا يحاول المدافع أن يقوم بكل شيء بنفسه، ولا يكتفي في الوقت نفسه بنقل إجابة جاهزة.

المدافع لا يحتاج إلى أن يعرف كل شيء

وهنا نصل إلى الفكرة التي ينبغي أن تحمل المقال كله.

ليس مطلوبًا من المدافع أن يكون عالمًا في كل فروع الدراسات الكتابية حتى يستطيع الدفاع عن الكتاب المقدس.

ليس مطلوبًا منه أن يكون في الوقت نفسه عالم لغة يونانية، وعالم لغة عبرية، ومتخصصًا في النقد النصي، ومؤرخًا للعالم القديم، وعالم آثار، ومتخصصًا في الأدب القديم.

لكن المطلوب منه أن يتعلم كيف يبحث، وأين يبحث، وما المصدر المناسب للسؤال الذي أمامه.

والتفاسير الأكاديمية من أهم الأدوات التي تساعده في ذلك؛ لأنها تمنحه مدخلًا إلى عالم البحث المتخصص، وتساعده على فهم النص في سياقه، والتعرف على المشكلات التفسيرية، ومتابعة الحجج العلمية التي قدمها الباحثون.

ولهذا يمكن القول إن المدافع الجيد ليس هو الذي يحفظ أكبر عدد من الإجابات، وإنما هو الذي يعرف كيف يصل إلى المعرفة التي يحتاج إليها.

فإذا واجه شبهة لغوية، عرف أن السؤال يحتاج إلى أدوات لغوية. وإذا واجه شبهة نصية، عرف أن عليه الرجوع إلى النقد النصي والمخطوطات. وإذا واجه شبهة تاريخية، عرف أنه يحتاج إلى البحث التاريخي والأثري. وإذا كان السؤال متعلقًا بفهم النص وسياقه، كان التفسير المتخصص من أهم الأماكن التي يبدأ منها.

الخلاصة

إن تفاسير الكتاب المقدس ليست مجرد كتب مساعدة للقارئ الذي يريد فهم معنى الآية، بل يمكن أن تكون أداة مهمة جدًا في العمل الدفاعي. فهي تتيح للمدافع غير المتخصص أن يستفيد من قدر هائل من البحث الذي قام به علماء متخصصون في اللغة والتاريخ والنقد النصي والدراسات الأدبية.

لكن الاستخدام الصحيح للتفسير لا يعني أن نستبدل البحث العلمي بعبارة «المفسر يقول». بل يعني أن نقرأ ما يقوله المفسر، ونفهم حجته، ونعرف الأدلة التي يعتمد عليها، ونقارن بين الآراء عندما تكون المسألة موضع نقاش، ثم ننتقل إلى المصادر الأولية أو الدراسات المتخصصة الأخرى عندما تستدعي الحاجة.

وبذلك يصبح التفسير جسرًا لا بديلًا، وأداة لا سلطة، ونقطة انطلاق لا نهاية البحث.

وهذه هي الطريقة التي يستطيع بها المدافع غير المتخصص أن يدخل إلى عالم البحث الكتابي بثقة: ليس لأنه يمتلك جميع الأدوات، وإنما لأنه يعرف كيف يستخدم المعرفة التي أنجزها المتخصصون، وكيف يختار المصدر المناسب، وكيف يحول نتائج البحث العلمي إلى حجة واضحة يمكن الدفاع عنها ومناقشتها.

للمزيد من الدراسات والتوسُّع في الموضوع يمكنكم الرجوع الى المراجع التالية

Fee, Gordon D. New Testament Exegesis: A Handbook for Students and Pastors. 3rd ed. Louisville, KY: Westminster John Knox Press, 2002.

Fee, Gordon D., and Douglas Stuart. How to Read the Bible for All Its Worth: A Guide to Understanding the Bible. 4th ed. Grand Rapids, MI: Zondervan, 2014.

Stuart, Douglas K. Old Testament Exegesis: A Handbook for Students and Pastors. 5th ed. Louisville, KY: Westminster John Knox Press, 2022.

Klein, William W., Craig L. Blomberg, and Robert L. Hubbard Jr. Introduction to Biblical Interpretation. 3rd ed. Grand Rapids, MI: Zondervan, 2017.

Osborne, Grant R. The Hermeneutical Spiral: A Comprehensive Introduction to Biblical Interpretation. 2nd ed. Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2006.

Hayes, John H., and Carl R. Holladay. Biblical Exegesis: A Beginner’s Handbook. 3rd ed. Louisville, KY: Westminster John Knox Press, 2007.

Longman III, Tremper. Old Testament Commentary Survey. 5th ed. Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2013.

Alexander, T. Desmond, and Brian S. Rosner, eds. New Dictionary of Biblical Theology. Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2000.

Brown, Raymond E. An Introduction to the New Testament. New York: Doubleday, 1997.

Keck, Leander E., ed. The New Interpreter’s Bible: A Commentary in Twelve Volumes. Nashville: Abingdon Press, 1994–2004.

Mays, James Luther, ed. HarperCollins Bible Commentary. Rev. ed. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2000.

Freedman, David Noel, ed. The Anchor Bible Dictionary. 6 vols. New York: Doubleday, 1992.

ليكون للبركة

Patricia Michael