هل كانت قيامة المسيح مجرد امتداد لقصص أخنوخ وإيليا؟

بحث ودراسة : Patricia Michael

قراءة دفاعية في رد N. T. Wright على محاولات تفسير قيامة المسيح في ضوء قصص الصعود إلى السماء في العهد القديم

مقدمة:

هل تكفي المقارنة بين قصص الصعود والقيامة لإثبات أن قصة القيامة نشأت من تقاليد سابقة؟

من الاعتراضات التي تظهر أحيانًا في النقاش حول قيامة السيد المسيح أن المسيحية لم تقدم تصورًا جديدًا عندما أعلنت أن يسوع قام من الموت وصعد إلى السماء، بل إن هذا الإعلان يمكن تفسيره في ضوء قصص يهودية سابقة عن شخصيات ارتبطت بالأخذ إلى السماء، وعلى رأسها أخنوخ وإيليا.

وتقوم هذه الفرضية على افتراض أن وجود مثل هذه القصص في البيئة اليهودية السابقة للمسيحية يوفر خلفية يمكن من خلالها تفسير ظهور الإيمان المسيحي بقيامة يسوع وتمجيده. وبناءً على ذلك، يُنظر إلى الرواية المسيحية باعتبارها إعادة صياغة لنمط ديني كان معروفًا من قبل، بحيث يصبح يسوع، وفق هذا التفسير، امتدادًا لشخصيات سبق أن ارتبط مصيرها بالسماء.

غير أن الانتقال من وجود تقاليد سابقة إلى القول بأنها تفسر نشأة الإيمان المسيحي بالقيامة يحتاج إلى إثبات أكثر من مجرد وضع الروايات جنبًا إلى جنب. فالسؤال التاريخي لا يتعلق بوجود قصص عن أخنوخ وإيليا فحسب، بل بما إذا كانت هذه القصص تقدم بالفعل النموذج الذي يفسر الإعلان المسيحي عن قيامة يسوع. وهنا يظهر الفارق الأساسي: فأخنوخ وإيليا لم يموتا ثم يقوما من الموت، بينما يقوم الإعلان المسيحي عن يسوع على موته ودفنه ثم قيامته من الموت. ولذلك فإن مجرد الإشارة إلى قصص سابقة عن الأخذ إلى السماء لا تثبت، في حد ذاتها، أن الإيمان المسيحي بالقيامة نشأ منها أو أنه يمثل امتدادًا لها.

رد N. T. Wright على فرضية David Bryan

وهنا تأتي أهمية N. T. Wright في مقالته “Resurrecting Old Arguments: Responding to Four Essays”، المنشورة أصلًا في Journal for the Study of the Historical Jesus سنة 2005، حيث يناقش فرضية David Bryan التي تجعل قصص أخنوخ وإيليا وغيرهما جزءًا من الخلفية التي يمكن أن تفسر ظهور الإيمان المسيحي بقيامة يسوع وتمجيده.

وتكمن أهمية ردّ Wright في أنه لا يكتفي بمقارنة الروايات، بل يفحص مفهوم القيامة نفسه في سياقه اليهودي والمسيحي المبكر، متسائلًا عمّا إذا كانت قصص الأخذ إلى السماء، مثل قصتي أخنوخ وإيليا، يمكن أن توفر نموذجًا يفسّر نشأة الإيمان بقيامة يسوع، أم أن مفهوم القيامة في اليهودية والمسيحية المبكرة يختلف جوهريًا عن مجرد انتقال شخص إلى السماء.

والجواب الذي يقدمه Wright هو أن المقارنة لا تفسر الظاهرة التي يُفترض أن تفسرها؛ لأن أخنوخ وإيليا لم يموتا ثم يقوما من الموت. أما يسوع، في الإعلان المسيحي ، فقد مات ودُفن ثم أُعلن أنه قام من الموت. ولذلك فإن إدراج الحالات الثلاث تحت عنوان واحد لمجرد ارتباطها بالسماء يتجاهل الفارق الذي يقوم عليه مفهوم القيامة نفسه.

ومن هنا تنطلق حجته المركزية: إذا كان الحدث مجرد أخذ إلى السماء أو تمجيد سماوي، فهناك بالفعل نصوص سابقة تتحدث عن هذا النوع من الظواهر؛ أما إذا كان الحديث عن شخص مات ثم قام من الموت، فنحن أمام مفهوم مختلف يحتاج إلى تفسير مستقل. وبالتالي، لا يكفي إثبات وجود قصص سابقة عن الصعود إلى السماء لإثبات أن قيامة يسوع نشأت منها أو أنها مجرد امتداد لها.

أولًا: أخنوخ وإيليا في النصوص الكتابية؟

ينطلق الطرح الذي يناقشه N. T. Wright من حقيقة كتابية واضحة، وهي أن الكتاب المقدس نفسه يقدّم نموذجين بارزين لشخصيتين ارتبط مصيرهما بالأخذ الإلهي والصعود إلى السماء. فعن اخنوخ يقول سفر التكوين: «وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ» (تكوين 5: 24).

وعن ايليا يذكر سفر الملوك الثاني: « وَفِيمَا هُمَا يَسِيرَانِ وَيَتَكَلَّمَانِ إِذَا مَرْكَبَةٌ مِنْ نَارٍ وَخَيْلٌ مِنْ نَارٍ فَصَلَتْ بَيْنَهُمَا، فَصَعِدَ إِيلِيَّا فِي الْعَاصِفَةِ إِلَى السَّمَاءِ. » (2 ملوك 2: 11).

وإلى جانب هذين النصين الكتابيين، تطورت في الأدب اليهودي اللاحق تقاليد وقصص إضافية حول أخنوخ وإيليا، تناولت مكانتهما السماوية وطبيعة وجودهما بعد أخذهما. ومن هنا تنشأ الفرضية التي يناقشها Wright: إذا كان الإطار الكتابي واليهودي يعرف بالفعل أشخاصًا ارتبط مصيرهم بالأخذ الإلهي والصعود إلى السماء، فهل يمكن أن يكون الإيمان المسيحي بيسوع قد نشأ ضمن هذا النمط نفسه، بحيث فُهمت خبرة التلاميذ بيسوع بعد موته بوصفها نوعًا من الرفع أو التمجيد السماوي، ثم صيغت لاحقًا بلغة القيامة؟

وبعبارة أدق، هل تمثل قيامة يسوع استمرارًا لنمط أخنوخ وإيليا، أم أن مفهوم القيامة في الحالة المسيحية يختلف عنهما اختلافًا جوهريًا؟ وهنا تحديدًا يضع Wright المسألة أمام اختبار تاريخي ولاهوتي حاسم: هل يمكن مساواة شخص أُخذ إلى السماء دون أن يمر بالموت، بشخص مات فعلًا ثم أُعلن أنه قام من الموت؟

ثانيًا: المشكلة الأساسية في المقارنة

يقرّ N. T. Wright أولًا بأنه كان ينبغي له أن يمنح التقاليد المتعلقة بأخنوخ وإيليا وغيرهما مساحة أوسع في دراسته، لكنه يرفض في الوقت نفسه أن تكون هذه الشخصيات مفتاحًا لتفسير نشأة الإيمان المسيحي بقيامة يسوع. والسبب الذي يستند إليه هنا جوهري في تحديد طبيعة المقارنة نفسها: أخنوخ وإيليا، بحسب الروايات الكتابية والتقاليد المرتبطة بهما، لم يموتا ثم يقوما من الموت. وهذه ليست ملاحظة تفصيلية يمكن تجاوزها، بل تمس صميم مفهوم «القيامة» ذاته.

فهناك فرق أساسي بين الحديث عن شخص أخذه الله إلى السماء دون أن يمر بالموت، وبين الحديث عن شخص مات فعلًا ثم عاد إلى الحياة من الموت. وقد ترتبط كلتا الحالتين بالسماء أو بالحضور الإلهي، لكن ذلك لا يجعل الحدثين من النوع نفسه؛ فالصعود أو الأخذ الإلهي لا يساوي القيامة من الموت.

ولهذا يستند Wright إلى ملاحظة مهمة قدمها David Bryan نفسه، وهي أن لغة «القيامة» لم تُستخدم في وصف أخنوخ وإيليا تحديدًا لأنهما، في هذه الروايات، لم يكونا قد ماتا أصلًا. ومن هنا يتضح الفارق: إذا لم يحدث الموت أولًا، فلا يمكن أن نتحدث عن قيامة من الموت بالمعنى الذي يحمله هذا المفهوم في سياقه اليهودي والمسيحي.

فالقيامة ليست مجرد صعود من الأرض إلى السماء، ولا مجرد انتقال إلى وجود سماوي، ولا مجرد تمجيد لشخصية استثنائية؛ بل تفترض، في جوهر مفهومها، الموت أولًا ثم الحياة بعد الموت. ولذلك يرى Wright أن مجرد وجود قصص سابقة عن أشخاص أُخذوا إلى السماء لا يوفر تفسيرًا كافيًا لظهور الإيمان المسيحي بقيامة يسوع، لأن وجود الصعود في تلك القصص لا يفسر الحدث الجوهري الذي تعلنه المسيحية: موت يسوع ثم قيامته من الموت.

ثالثًا: أخنوخ وإيليا ليسا نموذجًا لقيامة يسوع

يتضح الفارق بصورة أكبر عندما نقارن البنية السردية لكل حالة. ففي قصة اخوخ نجد إنسانًا يعيش حياته ثم «يأخذه» الله، وفي قصة ايليا نجد إنسانًا حيًا يُرفع إلى السماء؛ أي إن نقطة الانطلاق في كلتا الروايتين هي الحياة ثم الأخذ أو الصعود، دون أن يسبق ذلك موت ثم عودة إلى الحياة.

أما في الإيمان المسيحي بقيامة يسوع، فالبنية مختلفة جذريًا: موت حقيقي، ثم دفن، ثم قيامة من الموت إلى حياة جديدة، ثم تمجيد وصعود. ولذلك لا يرى Wright أن التشابه في عنصر الصعود السماوي يكفي لجعل أخنوخ وإيليا نموذجًا تفسيريًا لقيامة يسوع، لأن الفارق هنا ليس في التفاصيل الثانوية، بل في الحدث الذي يحدد معنى «القيامة» نفسه.

ومن هذا المنطلق يرفض Wright محاولة David Bryan جعل أخنوخ وإيليا جزءًا من الخلفية التي يمكن أن تفسر قول بولس إن المسيح « وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ،» (1 كورنثوس 15: 4).

فالمشكلة في هذه الفرضية أن الشخصيات التي يُستشهد بها لا تقدّم، في الروايات المتعلقة بها، نموذجًا لشخص مات ثم قام في اليوم الثالث؛ فأخنوخ لم يمت ثم قام، وإيليا لم يمت ثم قام. ومن ثم، فإن مجرد وجود تقاليد تتحدث عن انتقال هاتين الشخصيتين إلى السماء لا يفسر كيف أصبح إعلان المسيحيين أن يسوع مات ثم قام من الموت أمرًا محوريًا في الإيمان المسيحي. فالاستناد إلى هذه الشخصيات لتفسير قيامة يسوع يخلط بين ظاهرتين مختلفتين في بنيتهما الأساسية: الأخذ الإلهي لشخص حي، والقيامة الإلهية لشخص مات بالفعل.

رابعًا: «القيامة» ليست مجرد «الحياة بعد الموت»

نصل هنا إلى إحدى النقاط المركزية في حجة N. T. Wright، وهي ضرورة التمييز بين مفاهيم قد تبدو متقاربة في الخطاب الحديث، لكنها لم تكن تعني الشيء نفسه في الفكر اليهودي القديم: الحياة بعد الموت، والوجود السماوي، والقيامة.

فالإيمان بأن الإنسان يستمر في الوجود بعد موته، أو أنه يكون مع الله في حالة سماوية، لا يعني بالضرورة أنه قد «قام من الموت». ولهذا يرفض Wright اختزال القيامة في مجرد الحياة بعد الموت أو الانتقال إلى حالة سماوية. فالقيامة، في المفهوم اليهودي والمسيحي الذي يناقشه، تفترض وقوع الموت أولًا، ثم تأتي بعده مرحلة القيامة بوصفها حياة ممجدة. ولذلك يمكن أن يتضمن التصور اليهودي مرحلتين متعاقبتين: الموت، ثم حالة بينية بعد الموت، ثم القيامة الجسدية المنتظرة.

ومن هنا فإن العثور في نص يهودي على حديث عن الخلود أو الحياة بعد الموت لا يكفي لإثبات أن النص يتحدث عن القيامة بالمعنى نفسه. فالوجود بعد الموت والقيامة ليسا مفهومين مترادفين، كما أن الانتقال إلى السماء أو التمجيد لا يساوي في ذاته القيامة من الموت.

وفي الإيمان المسيحي، لا تُفهم قيامة يسوع باعتبارها مجرد عودة إلى حياته الجسدية السابقة، بل بوصفها قيامة في جسد ممجَّد. ولذلك فإن اختزالها في مجرد «وجود سماوي» أو «تمجيد روحي» يحتاج إلى دليل تاريخي مستقل، ولا يكفي فيه الاستناد إلى تقاليد تتحدث عن أشخاص أُخذوا إلى السماء.

وهذا التمييز هو ما يجعل المقارنة بين يسوع وأخنوخ وإيليا محدودة بل ومستحيلة من الناحية التفسيرية؛ إذ إن السؤال ليس ما إذا كانت التقاليد اليهودية تعرف الحياة بعد الموت أو الأخذ إلى السماء، بل ما إذا كانت تقدم نموذجًا يفسر الإعلان المسيحي المحدد بأن يسوع مات، ثم قام من الموت.

خامسًا: اختلاف البنية بين الصعود والقيامة

تشترك روايات أخنوخ وإيليا والرواية المسيحية عن يسوع في عنصر الارتباط بالسماء، لكن هذا التشابه الجزئي لا يكفي لإثبات علاقة تاريخية أو تطورية بينها. فالمقارنة لا ينبغي أن تقتصر على عنصر مشترك، بل يجب أن تنظر إلى البنية الكاملة لكل رواية. ففي حالة أخنوخ، يذكر سفر التكوين أن الله «أخذه»، بينما يصف سفر الملوك الثاني صعود إيليا إلى السماء في العاصفة؛ ولا تقدم أي من الروايتين شخصية ماتت ثم عادت إلى الحياة. أما الرواية المسيحية فتسير في اتجاه مختلف: موت، ودفن، وقيامة، ثم تمجيد وصعود إلى السماء. ومن ثم، فإن الصعود في حالة يسوع يأتي بعد القيامة ولا يحل محلها.

وهذا الفارق يظهر بوضوح في الصياغة التي ينقلها بولس في 1 كورنثوس 15: 3–4: «أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ». فالتسلسل هنا ليس مجرد انتقال من الأرض إلى السماء، بل موت يسبقه دفن ثم قيامة. ولذلك فإن التقاليد المتعلقة بأخنوخ وإيليا قد تثبت وجود تصور يهودي سابق عن الأخذ أو الصعود السماوي، لكنها لا تفسر، بمجرد وجودها، لماذا أعلنت المسيحية أن يسوع مات ثم قام من الموت.

سادساً: «اليوم الثالث» ومشكلة النموذج المقترح

تزداد المشكلة وضوحًا في عبارة بولس: «وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ» (1 كورنثوس 15: 4). فإذا كانت قصص أخنوخ وإيليا هي الخلفية التي تفسر هذا الإعلان، فينبغي أن نستطيع تحديد الكيفية التي تفسر بها هذه القصص عناصر العبارة البولسية. غير أن أخنوخ وإيليا لا يقدمان نموذجًا لشخص مات ثم قام في اليوم الثالث؛ فهذه البنية غائبة عن قصتيهما أصلًا.

وهنا لا تكمن المشكلة في أن التقاليد السابقة لا تحتوي أي عنصر يمكن مقارنته بالمسيحية، بل في أنها لا تفسر العنصر الذي يحتاج إلى تفسير. فمجرد وجود شخصيات ارتبطت بالسماء لا يفسر لماذا أعلنت الجماعة المسيحية الأولى أن يسوع مات، ودُفن، ثم قام في اليوم الثالث. ولذلك فإن فرضية التأثر، إذا أريد لها أن تكون تفسيرًا تاريخيًا حقيقيًا، تحتاج إلى بيان كيفية الانتقال من نموذج الأخذ دون موت إلى نموذج الموت ثم القيامة، لا مجرد إثبات وجود النموذج الأول.

سابعاً: فرادة قيامة يسوع في الإيمان المسيحي

تزداد صعوبة فرضية مساواة يسوع بأخنوخ وإيليا عند النظر إلى المكانة التي تحتلها قيامته في الإيمان المسيحي . فالمسيحية لا تقدم يسوع باعتباره مجرد شخصية استثنائية نالت امتيازًا سماويًا، بل تربط قيامته بموضعه الفريد وبسيادته وبإخضاع أعدائه، وفي مقدمتهم الموت. ويظهر هذا بوضوح في استخدام التقليد المسيحي المبكر للمزمور الثامن، ولا سيما العبارة: «أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ» (مز 8 : 6). ويقدم كاتب الرسالة الى العبرانيين قراءة مسيحية صريحة لهذا النص، فيقول: « أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ». لأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ الْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ. عَلَى أَنَّنَا الآنَ لَسْنَا نَرَى الْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ»(عبرانيين 2 : 8 ) ، ثم يحدد الشخص المقصود بقوله: «يَسُوعَ، نَرَاهُ مُكَلَّلًا بِالْمَجْدِ وَالْكَرَامَةِ، مِنْ أَجْلِ أَلَمِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَذُوقَ بِنِعْمَةِ اللهِ الْمَوْتَ لأَجْلِ كُلِّ وَاحِدٍ» (عبرانيين 2 : 9). ثم يربط الكاتب بين هذا المسار وبين قصد الله الخلاصي، قائلًا: « لأَنَّهُ لاَقَ بِذَاكَ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ الْكُلُّ وَبِهِ الْكُلُّ، وَهُوَ آتٍ بِأَبْنَاءٍ كَثِيرِينَ إِلَى الْمَجْدِ، أَنْ يُكَمِّلَ رَئِيسَ خَلاَصِهِمْ بِالآلاَمِ.(عبرانيين 2 : 10)

وهكذا لا يظهر يسوع في هذا التفسير بوصفه مجرد شخص انتقل إلى السماء، بل بوصفه الذي مر بالموت ثم صار «مكللًا بالمجد والكرامة» في إطار سيادته على كل شيء.

ويتفق هذا الإطار مع ما يورده بولس في 1 كورنثوس 15، حيث يربط قيامة المسيح بانتصاره النهائي على الموت. فبعد حديثه عن قيامته يقول: «لأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَمْلِكَ حَتَّى يَضَعَ جَمِيعَ الأَعْدَاءِ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. آخِرُ عَدُوٍّ يُبْطَلُ هُوَ الْمَوْتُ» (1 كو 15 : 25–26). ثم يستعيد لغة المزمور الثامن مرة أخرى: «لأَنَّهُ أَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ» (1 كو 15 : 27). ولذلك فإن صورة المسيح في هذا السياق ليست صورة شخص صعد إلى السماء فحسب، وإنما صورة شخص مات وقام، ثم ارتبطت قيامته بملكه وانتصاره النهائي على الموت وإخضاع كل أعدائه.

ومن هنا يتضح الفارق الجوهري عن أخنوخ وإيليا. فالمسألة المسيحية ليست ببساطة أن يسوع صعد إلى السماء كما صعد إيليا أو أن الله أخذه كما أخذ أخنوخ، بل أن الشخص الذي مات مصلوبًا قام من الموت، ثم ارتبطت قيامته ومجده بسيادته ومكانته في قصد الله. ولذلك فإن وضع يسوع ضمن الفئة نفسها التي تضم شخصيات ارتبطت قصصها بالأخذ أو الصعود السماوي لا يفسر فرادة الإيمان المسيحي به؛ لأن القيامة في حالة يسوع ليست مجرد انتقال إلى العالم السماوي، بل هي الحدث الذي ارتبط بإعلان سيادته وبانتصاره على الموت وبإخضاع كل شيء تحت قدميه.

ثامناً: التشابه وحده لا يكفي بوصفه تفسيرًا تاريخيًا

من هنا تتضح النقطة الأساسية في ردّ N. T. Wright على David Bryan. فـWright يرفض مساواة الإيمان المسيحي بقيامة يسوع بقصص يهودية سابقة عن شخصيات ارتبطت بالصعود إلى السماء أو بالوجود السماوي، لأن هذه القصص لا تتطابق مع مفهوم «القيامة» في السياق اليهودي والمسيحي المبكر. فأخنوخ وإيليا، في الروايات التي يستند إليها هذا الطرح، لا يُقدَّمان بوصفهما شخصين ماتا ثم عادا إلى الحياة؛ ومن ثم فإن صعودهما إلى السماء يختلف عن القيامة بحسب المفهوم المسيحي. فالقيامة، في تصور Wright، لا تعني مجرد انتقال الإنسان إلى حالة سماوية أو استمرار وجوده بعد الموت، بل تفترض الموت أولًا، ثم عودة الشخص الميت إلى الحياة. ولذلك، فإن التشابه الظاهري بين هذه القصص لا يصمد أمام المقارنة من حيث المفهوم؛ إذ إن الصعود إلى السماء والقيامة من الموت يمثلان تصورين مختلفين، ولا يتطابق أحدهما مع الآخر بحسب المفهوم المسيحي للقيامة.

الخاتمة

وعليه، فإن مجرد وجود روايات سابقة عن شخصيات ارتبطت بالأخذ إلى السماء أو بالصعود إليها لا يكفي، من الناحية التاريخية واللاهوتية، لإثبات أن هذه الروايات كانت النموذج الذي نشأ منه الإيمان المسيحي بقيامة يسوع. فالتشابه في بعض عناصر الروايات لا يعني بالضرورة أنها تنتمي إلى المفهوم نفسه، ولا سيما عندما يختلف مضمونها الجوهري. وهذا هو الحال مع أخنوخ وإيليا؛ فالأخذ أو الصعود إلى السماء يختلف عن القيامة من الموت اختلافًا أساسيًا في المفهوم والمعنى. ومن ثم، فإن الاستناد إلى مجرد وجود شخصيات سابقة ارتبطت بالسماء لا يوفر أساسًا تاريخيًا ولا لاهوتيًا كافيًا لاعتبار هذه الروايات تفسيرًا لنشأة الإيمان المسيحي بقيامة يسوع.

Wright, N. T. “Resurrecting Old Arguments: Responding to Four Essays.” Journal for the Study of the Historical Jesus 3, no. 2 (2005): 209–231.

Wright, N. T. The Resurrection of the Son of God. Christian Origins and the Question of God 3. Minneapolis: Fortress Press, 2003.

ليكون للبركة

Patricia Michael