هل أنكر الأنبياء في العهد القديم شريعة الذبائح التي أعطاها الله لموسى؟

بحث ودراسة : Patricia Michael

يعترض بعض النقاد على نصوص الأنبياء التي تتحدث عن الذبائح، وخاصة قول إرميا النبي:

«هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ: ضُمُّوا مُحْرَقَاتِكُمْ إِلَى ذَبَائِحِكُمْ وَكُلُوا لَحْمًا. لأَنِّي لَمْ أُكَلِّمْ آبَاءَكُمْ وَلَا أَوْصَيْتُهُمْ يَوْمَ أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ جِهَةِ مُحْرَقَةٍ وَذَبِيحَةٍ. بَلْ إِنَّمَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهَذَا الأَمْرِ قَائِلًا: اسْمَعُوا صَوْتِي فَأَكُونَ لَكُمْ إِلَهًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْبًا، وَسِيرُوا فِي كُلِّ الطَّرِيقِ الَّذِي أُوصِيكُمْ بِهِ لِيُحْسَنَ إِلَيْكُمْ» . (إرميا 7: 21-23).

ويستند بعض النقاد أيضًا إلى نصوص أخرى من الأنبياء، مثل عاموس (5: 21-25)، وميخا (6: 6-8)، وإشعياء (1: 11-15)، ويزعمون أن هذه النصوص تدل على أن الأنبياء لم يعترفوا بشرعية نظام الذبائح، أو أنهم لم يكونوا على معرفة بالتشريعات الخاصة بها الواردة في أسفار موسى. ومن ثم يرون أن أقوال الأنبياء تتعارض مع ما ورد في الناموس بشأن المحرقات والذبائح.

ويستدلون بهذه النصوص على أن أقوال الأنبياء تتعارض مع التشريعات الموسوية الخاصة بالمحرقات والذبائح، ويقولون: لو كانت شريعة الذبائح معروفة لدى الأنبياء بوصفها جزءًا من الناموس، لما قال إرميا: «لأني لم أكلم آباءكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحة»، ولما وردت في أسفار عاموس وإشعياء وميخا عبارات تعلن رفض الله للذبائح والتقدمات.

وعليه، فإن الإشكال الذي يطرحونه هو: هل كان الأنبياء ينكرون شريعة الذبائح التي وردت في الناموس، أم أن كلماتهم كانت تحمل معنى آخر مرتبطًا برفض العبادة الشكلية المنفصلة عن الطاعة؟

الــــرد :

هذا الاستنتاج يقوم على قراءة مبتورة للنصوص، ويتجاهل السياق التاريخي والأدبي الذي وردت فيه، كما يتجاهل الأسلوب البلاغي الذي اعتاد الأنبياء استخدامه في خطابهم.

قبل مناقشة أقوال الأنبياء، ينبغي التأكيد أن أسفار موسى نفسها تقدم نظام الذبائح باعتباره جزءًا من العبادة التي أقامها الله مع إسرائيل. فقد أمر الرب موسى قائلاً: « 24 مَذْبَحًا مِنْ تُرَابٍ تَصْنَعُ لِي وَتَذْبَحُ عَلَيْهِ مُحْرَقَاتِكَ وَذَبَائِحَ سَلاَمَتِكَ، غَنَمَكَ وَبَقَرَكَ. فِي كُلِّ الأَمَاكِنِ الَّتِي فِيهَا أَصْنَعُ لاسْمِي ذِكْرًا آتِي إِلَيْكَ وَأُبَارِكُكَ. » (خروج 20: 24).

ثم جاءت شرائع الذبائح بتفصيلها في سفر اللاويين، حيث نُظمت المحرقة وذبيحة السلامة وذبيحة الخطية وذبيحة الإثم (لاويين 1-7). لذلك فإن أي تفسير لعبارات الأنبياء يجب أن يأخذ في الاعتبار وجود هذا التشريع، لا أن يفترض تعارضًا بين النصوص.

إن كلمات إرميا النبي وغيره من الأنبياء لا تعني أنهم كانوا يجهلون نظام الذبائح أو أنهم كانوا ينكرون الشرائع التي أعطاها الله لموسى، بل إن اعتراضهم كان موجهاً إلى إساءة استخدام الذبائح وتحويلها إلى ممارسة خارجية منفصلة عن الإيمان والطاعة.

ويظهر هذا بوضوح في سياق كلام ارميا نفسه; فهو لا يناقش أصل شريعة الذبائح، ولا ينكر أن الله أمر بها، وإنما يواجه شعباً ظن أن ممارسة الطقوس الدينية وحدها كافية لنيل رضا الله، حتى وإن اقترنت بالظلم والفساد وعبادة الأوثان. فَقَبْلَ هذه الآيات مباشرة يوبخ النبي الشعب قائلاً:

«لأَنَّكُمْ إِنْ أَصْلَحْتُمْ إِصْلَاحًا طُرُقَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ، إِنْ أَجْرَيْتُمْ عَدْلًا بَيْنَ الإِنْسَانِ وَصَاحِبِهِ، إِنْ لَمْ تَظْلِمُوا الْغَرِيبَ وَالْيَتِيمَ وَالأَرْمَلَةَ، وَلَمْ تَسْفِكُوا دَمًا زَكِيًّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَمْ تَسِيرُوا وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لأَذَائِكُمْ فَإِنِّي أُسْكِنُكُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فِي الأَرْضِ الَّتِي أَعْطَيْتُ لآبَائِكُمْ مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ ». (إرميا 7: 5-7).

ثم يكشف حقيقة حالهم:

«أَتَسْرِقُونَ وَتَقْتُلُونَ وَتَزْنُونَ وَتَحْلِفُونَ كَذِبًا وَتُبَخِّرُونَ لِلْبَعْلِ، وَتَسِيرُونَ وَرَاءَ آلِهَةٍ أُخْرَى لَمْ تَعْرِفُوهَا، ثُمَّ تَأْتُونَ وَتَقِفُونَ أَمَامِي فِي هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي دُعِيَ بِاسْمِي عَلَيْهِ وَتَقُولُونَ: قَدْ أُنْقِذْنَا. حَتَّى تَعْمَلُوا كُلَّ هَذِهِ الرَّجَاسَاتِ؟» (إرميا 7: 9-10).

إذن، فالمشكلة لم تكن في الذبائح في ذاتها، بل في الفصل بين العبادة الخارجية والحياة العملية. فقد كان الشعب يقدم الذبائح في الهيكل، وفي الوقت نفسه يعبد الأوثان ويمارس الظلم وسفك الدماء، حتى صار يظن أن الذبائح تمنحه حصانة من دينونة الله. ولذلك جاءت كلمات النبي لتفضح هذا الوهم، لا لتنكر شريعة الذبائح.

ومن هنا ينبغي فهم قوله: «لأَنِّي لَمْ أُكَلِّمْ آبَاءَكُمْ وَلَا أَوْصَيْتُهُمْ يَوْمَ أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ جِهَةِ مُحْرَقَةٍ وَذَبِيحَةٍ. بَلْ إِنَّمَا أَوْصَيْتُهُمْ بِهَذَا الأَمْرِ قَائِلًا: اسْمَعُوا صَوْتِي» (ارميا 7 : 22 - 23).

فهذا القول ليس نفياً تاريخياً لتشريع الذبائح، ولا إنكاراً لمشروعيتها، بل هو أسلوب نبوي معروف يُبرز أن قبول الذبائح مرتبط بتحقيق الغاية التي شُرعت من أجلها. فالذبائح كانت جزءًا أساسيًا من نظام العبادة الذي أقامه الله لشعبه، لكنها لم تُعطَ لتكون بديلاً عن سماع صوت الله والسير في وصاياه، بل لتُقدَّم في إطار عهد يقوم على الإيمان والطاعة والتوبة. لذلك فإن إرميا لا ينفي تشريع الذبائح، وإنما يرفض الاعتقاد بأن تقديمها وحده يكفي لنيل رضا الله مع الاستمرار في العصيان.

ويظهر هذا المعنى بوضوح في إعلان الله عن الغاية من إقامة العهد مع إسرائيل عند إخراجهم من أرض مصر، إذ قال:

«وَأَتَّخِذُكُمْ لِي شَعْبًا، وَأَكُونُ لَكُمْ إِلَهًا. فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكُمُ الَّذِي يُخْرِجُكُمْ مِنْ تَحْتِ أَثْقَالِ الْمِصْرِيِّينَ» (خروج 6: 7).

وعند جبل سيناء أكد الله أن أساس العلاقة معه هو سماع صوته وحفظ عهده:

«فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي، وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ.وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً. هَذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُكَلِّمُ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ»(خروج 19: 5-6).

ثم بعد إعلان العهد وإعطاء الوصايا، جاءت الشرائع الخاصة بالمذبح والذبائح، حيث قال الرب:

«مَذْبَحًا مِنْ تُرَابٍ تَصْنَعُ لِي وَتَذْبَحُ عَلَيْهِ مُحْرَقَاتِكَ وَذَبَائِحَ سَلاَمَتِكَ، غَنَمَكَ وَبَقَرَكَ. فِي كُلِّ الأَمَاكِنِ الَّتِي فِيهَا أَصْنَعُ لاسْمِي ذِكْرًا آتِي إِلَيْكَ وَأُبَارِكُكَ»(خروج 20: 24).

ثم أعطى الله لموسى تفاصيل إقامة العبادة والكهنوت والذبائح، كما يظهر في الشرائع الواردة في سفر اللاويين، حيث نُظمت أنواع الذبائح المختلفة، مثل المحرقة وذبيحة السلامة وذبيحة الخطية وذبيحة الإثم.

وبذلك يتضح أن قول إرميا لا يمكن أن يُفهم على أنه إنكار لشريعة الذبائح أو جهل بها، لأن ذلك يتعارض مع نصوص التوراة نفسها، وإنما هو توبيخ لشعب فصل بين العبادة والسلوك، وظن أن تقديم الذبائح يكفي لنيل رضا الله مع الاستمرار في العصيان. فالمقصود ليس إلغاء الذبائح، بل رفض تقديمها بمعزل عن الإيمان والطاعة والتوبة. فالطاعة ليست بديلاً عن العبادة، بل هي الإطار الذي يجعل العبادة مقبولة أمام الله.

وعليه فإن( إرميا 7: 22-23) لا يمثل رفضًا لشريعة الذبائح ولا يمثل عدم معرفة الأنبياء بها، بل يكشف عن مبدأ كتابي ثابت: الله لا يقبل الطقس إذا انفصل عن الطاعة، ولا يسر بالذبائح التي تُقدَّم مع استمرار العصيان. فالذبائح كانت جزءًا من عهد الله مع إسرائيل، لكنها لم تكن بديلاً عن العلاقة الحية معه، بل كانت وسيلة للعبادة في إطار هذا العهد.

كما أن عاموس النبي نفسه يكشف عن معرفته بنظام العبادة والذبائح، إذ يستخدم مصطلحات مرتبطة بالطقوس التي كانت قائمة في إسرائيل، فيقول:

«هَلُمَّ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، وَأَذْنِبُوا إِلَى الْجِلْجَالِ، وَأَكْثِرُوا الذُّنُوبَ، وَأَحْضِرُوا كُلَّ صَبَاحٍ ذَبَائِحَكُمْ، وَكُلَّ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ عُشُورَكُمْ.وَأَوْقِدُوا مِنَ الْخَمِيرِ تَقْدِمَةَ شُكْرٍ، وَنَادُوا بِنَوَافِلَ وَسَمِّعُوا، لأَنَّكُمْ هَكَذَا أَحْبَبْتُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ» (عاموس 4: 4-5).

ثم يوضح النبي أن المشكلة ليست في نظام العبادة ذاته، بل في تقديم هذه الممارسات مع استمرار الشعب في العصيان، فيقول:

«بَغَضْتُ، كَرِهْتُ أَعْيَادَكُمْ، وَلَسْتُ أَلْتَذُّ بِاعْتِكَافَاتِكُمْ.إِنِّي إِذَا قَدَّمْتُمْ لِي مُحْرَقَاتِكُمْ وَتَقْدِمَاتِكُمْ لَا أَرْتَضِي، وَذَبَائِحَ السَّلاَمَةِ مِنْ مُسَمَّنَاتِكُمْ لَا أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا.أَبْعِدْ عَنِّي ضَجَّةَ أَغَانِيكَ، وَنَغْمَةَ رَبَابِكَ لَا أَسْمَعُ.وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ، وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ» (عاموس 5: 21-24).

وهذه النصوص لا تدل على أن عاموس كان ينكر شرعية الذبائح أو يجهل نظامها، بل على العكس، فهذه النصوص تؤكد على وجود هذا النظام ومعرفة الشعب به. لكن اعتراض النبي كان على استخدام العبادة الخارجية كغطاء لاستمرار الظلم والفساد، حيث أكدّ أن قبول الله للعبادة مرتبط بحياة البر والعدل إذ قال :

«وَلْيَجْرِ الْحَقُّ كَالْمِيَاهِ، وَالْبِرُّ كَنَهْرٍ دَائِمٍ» (عاموس 5: 24).

وهذا الأسلوب النبوي يتكرر في مواضع أخرى من الكتاب المقدس. فعندما يقول الرب على لسان هوشع:

«إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لَا ذَبِيحَةً، وَمَعْرِفَةَ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ مُحْرَقَاتٍ» (هوشع 6: 6)

فلا يمكن أن يكون المعنى المقصود من كتابات الأنبياء أن الله لم يُشَرِّعِ الذبائح، فهو الذي أعطاها لموسى بتفاصيلها، وإنما يوضح أن الرحمة ومعرفة الله والطاعة هي التي تعطي العبادة معناها الحقيقي، وأن الطقس المنفصل عن حياة التقوى لا يحقق الغاية التي شُرِّعَ من أجلها.

وفي هذا السياق نفسه، يوضح صموئيل النبي ماهية الذبيحة المقبولة التي تسر قلب الله، مؤكدًا أن قيمة الذبيحة لا تنفصل عن طاعة وصية الله والإصغاء إلى صوته، إذ يقول:

«فَقَالَ صَمُوئِيلُ: هَلْ مَسَرَّةُ الرَّبِّ بِالْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ كَمَا بِاسْتِمَاعِ صَوْتِ الرَّبِّ؟ هُوَذَا الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ، وَالإِصْغَاءُ أَفْضَلُ مِنْ شَحْمِ الْكِبَاش» (1 صموئيل 15: 22).

ولا يفهم من هذا أن صموئيل ينكر شريعة الذبائح، بل يبين أن الذبيحة لا تكون مقبولة أمام الله ولا تسر قلبه عندما تنفصل عن الطاعة، لأن العصيان يفرغ العبادة من معناها.

والفكرة نفسها تتكرر عند إشعياء، حيث يوضح أن الله لا يرفض الذبيحة التي شرعها، بل يرفض تقديمها من شعب يمارس الشر والظلم، فيقول:

«لِمَاذَا لِي كَثْرَةُ ذَبَائِحِكُمْ، يَقُولُ الرَّبُّ. اتَّخَمْتُ مِنْ مُحْرَقَاتِ كِبَاشٍ وَشَحْمِ مُسَمَّنَاتٍ، وَبِدَمِ عُجُولٍ وَخِرْفَانٍ وَتُيُوسٍ مَا أُسَرُّ» (إشعياء 1: 11).

ثم يوضح السبب بقوله:

« اِغْتَسِلُوا. تَنَقَّوْا. اعْزِلُوا شَرَّ أَفْعَالِكُمْ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيَّ. كُفُّوا عَنْ فِعْلِ الشَّرِّ.»(إشعياء 1: 16)

كما ويؤكد ميخا ان العبادة المقبولة مرتبطة بالحق والرحمة والسلوك المتواضع أمام الله، إذ يقول:

«قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ، وَمَاذَا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ، إِلاَّ أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا مَعَ إِلَهِكَ.» (ميخا 6: 6-8).

ثم تنتقل بعد ذلك إلى رؤيا حزقيال النبي، حيث يكشف الله له في مشهد نبوي مدى انحراف الشعب عن العهد. ففي الإصحاح الثامن يرى حزقيال الرجاسات التي ارتُكبت داخل الهيكل، إذ دخلت عبادة الأوثان والممارسات الوثنية إلى مكان العبادة المخصص للرب؛ فرأى صورة الصنم عند مدخل الهيكل، ورأى الشيوخ يقدمون البخور للأصنام، والنساء يبكين على تموز وهو اسم مرتبط بعبادة وثنية قديمة ، والرجال يسجدون للشمس نحو الشرق (حزقيال 8: 3-16).

وهكذا لم يكن الأمر مجرد فساد أخلاقي أو إهمال للطقوس، بل كان خيانة مباشرة للعهد، إذ امتزجت عبادة الرب بعبادات غريبة. لذلك رأى حزقيال في الرؤيا ارتفاع مجد الرب تدريجيًا عن الهيكل، من فوق الكروبيم إلى عتبة البيت، ثم خروجه من المدينة، إعلانًا عن دينونة الله بسبب رجاسات الشعب (حزقيال 9: 3؛ 10: 18-19؛ 11: 22-23).

وهذه الرؤيا لا تمثل خروجًا عن شريعة موسى أو رفضًا لنظام الذبائح الذي شرّعه الله، بل تأتي منسجمة مع تحذيرات العهد نفسه. فقد سبق أن حذر موسى الشعب من أخطر أنواع الخيانة للعهد، وهي ترك عبادة الرب والاتجاه إلى آلهة أخرى، فقال:

«ذَبَحُوا لأَوْثَانٍ لَيْسَتِ اللهَ. لِآلِهَةٍ لَمْ يَعْرِفُوهَا، أَحْدَاثٍ قَدْ جَاءَتْ مِنْ قَرِيبٍ لَمْ يَرْهَبْهَا آبَاؤُكُمْ» (تثنية 32: 17).

هكذا يتضح أن توبيخ موسى وكشف حزقيال النبوي يسيران في الاتجاه نفسه؛ فكلاهما لا يعترض على شريعة الذبائح التي أعطاها الله، بل يواجهان انحراف الشعب عندما انفصلت العبادة عن الأمانة للعهد والطاعة لله. فالمشكلة لم تكن في الذبيحة باعتبارها جزءًا من نظام العبادة الذي أقامه الله، بل في تحويل العبادة إلى ممارسة خارجية منفصلة عن الإيمان الحقيقي بالله والالتزام بوصاياه.

إذن، فإن اعتراض الأنبياء لم يكن على وجود الذبائح، بل على تقديمها بطريقة تناقض الغاية التي شُرعت من أجلها؛ فقد كان الشعب يقدم القرابين بينما يستمر في الظلم والعصيان وعبادة الأوثان. لذلك أعلن الأنبياء أن العبادة المقبولة أمام الله لا تنفصل عن الطاعة والعدل والرحمة، لأن الطقس الذي يخلو من أمانة القلب وحياة البر يصبح مجرد ممارسة خارجية لا تُرضي الله.

معرفة الأنبياء بالإطار التشريعي الموسوي

لا يوجد مفسر جاد يفهم من هذه النصوص أن الأنبياء كانوا يرفضون الذبائح التي شرعها الله، وإنما كانوا يرفضون تحويلها إلى طقس شكلي منفصل عن الإيمان والطاعة والعدل.

بل إن الأنبياء أنفسهم يثبتون معرفتهم بنظام الذبائح والعبادة. فعاموس يتحدث عن المحرقات والتقدمات والأعياد والاعتكافات، وهذه كلها مصطلحات مرتبطة بنظام العبادة في إسرائيل، فهو لا ينكر وجودها، وإنما يعلن أن الله لا يقبلها عندما تُقدَّم من شعب يعيش في الظلم والفساد. وهذا يؤكد أن المشكلة لم تكن في معرفة نظام الذبائح أو رفضه، بل في إساءة استخدامه وتحويله إلى ممارسة خارجية منفصلة عن حياة الطاعة.

كما أن بعض النقاد الذين يقرّون بوجود صلات بين كتابات الأنبياء وسفر التثنية، يحاولون في الوقت نفسه فصل هذه المعرفة عن سفر اللاويين، مدّعين أن الأنبياء لم يكونوا على معرفة بالتشريعات الخاصة بالذبائح الواردة فيه. غير أن هذا الفصل لا يستند إلى أساس متين، لأن سفر التثنية ليس شريعة مستقلة عن بقية الشريعة الموسوية، بل هو إعادة عرض وتفسير للعهد والشريعة التي أُعطيت لإسرائيل قبل دخول أرض الموعد. ومن ثم، فإن الإقرار بمعرفة الأنبياء بسفر التثنية يدل على اطلاعهم على الإطار التشريعي العام للعهد، بما يتضمنه من مفاهيم العبادة والذبائح.

وبذلك يتبين أن نصوص الأنبياء لا تكشف عن جهل بشريعة الذبائح، بل تفترض وجودها ومعرفة الشعب بها، وإنما توجه نقدها إلى الانحراف عن الغاية التي من أجلها أُقيم نظام العبادة، إذ لا قيمة للطقس عندما ينفصل عن الإيمان والطاعة والتوبة.

كما ينبغي أن نضع في الاعتبار طبيعة الدور النبوي في إسرائيل؛ فالأنبياء لم يكونوا مشرّعين جددًا يستبدلون شريعة موسى بأخرى، بل كانوا أمناء على إعلان كلمة الله وتصحيح انحراف الشعب عن العهد. لذلك لم يكن من طبيعة رسالتهم انتقاء بعض عناصر الشريعة وقبول بعضها الآخر، أو إلغاء نظام شرّعه الله، بل كانت دعوتهم موجهة إلى إعادة الشعب إلى أمانة العهد بكل أبعاده. ومن ثم، فإن مواجهة الأنبياء للممارسات الدينية المنحرفة لا يمكن أن تُفهم باعتبارها رفضًا لشريعة الذبائح، بل باعتبارها دعوة إلى ممارسة العبادة وفق القصد الإلهي منها، حيث تجتمع الطقوس مع الإيمان والطاعة والعدل.

الخاتمة

يتضح من خلال دراسة نصوص الأنبياء في سياقها التاريخي والأدبي أن الادعاء بأن الأنبياء أنكروا شريعة الذبائح أو أنهم لم يكونوا يعرفون النظام الطقسي الوارد في أسفار موسى لا يصمد أمام القراءة الشاملة للنصوص الكتابية.

فعبارات إرميا وعاموس وإشعياء وميخا وغيرهم من الأنبياء لا تحمل رفضًا لمبدأ الذبيحة الذي شرّعه الله، بل جاءت في إطار مواجهة انحراف ديني وأخلاقي، حيث كان الشعب يمارس الطقوس الخارجية بينما يعيش في العصيان والظلم وعبادة الأوثان. فلم يكن اعتراض الأنبياء على وجود الذبائح، بل على تقديمها بطريقة منفصلة عن التوبة والطاعة، وكأن الطقس وحده يمكن أن يعوض عن الالتزام بعهد الله.

إن أسفار موسى نفسها تقدم نظام الذبائح باعتباره جزءًا من العبادة التي أقامها الله مع إسرائيل، ولذلك لا يمكن فهم كلمات الأنبياء على أنها إلغاء لهذا النظام أو إنكار لمشروعيته. فالذبائح كانت جزءًا من عهد الله مع شعبه، لكنها لم تُعطَ كبديل عن سماع صوته وحفظ وصاياه، بل كانت تعبيرًا عن علاقة عهد تقوم على الإيمان والطاعة والتوبة.

ومن هنا نفهم قول إرميا: «لأني لم أكلم آباءكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحة» ليس باعتباره نفيًا تاريخيًا لتشريع الذبائح، بل باعتباره أسلوبًا نبويًا يؤكد أن الله لا يقبل العبادة المنفصلة عن قلب خاضع له. فالذبيحة لا تحقق غايتها إلا عندما تُقدَّم في إطار حياة تقوم على الأمانة والطاعة لعهد الله.

كما أن نصوص عاموس وإشعياء وهوشع وميخا وصموئيل تؤكد المبدأ نفسه؛ فهي لا ترفض العبادة التي شرّعها الله، بل تكشف أن العبادة تفقد معناها عندما تتحول إلى ممارسة شكلية منفصلة عن العدل والرحمة والتقوى.

وعليه، فإن القراءة الصحيحة لنصوص الأنبياء لا تكشف عن تعارض بين شريعة الذبائح في أسفار موسى وتعليم الأنبياء، بل تكشف عن انسجام بينهما. فأسفار موسى تقدم نظام العبادة الذي أقامه الله، بينما يواجه الأنبياء الانحراف في ممارسة هذا النظام عندما يتحول إلى غطاء للخطية والعصيان.

فالرسالة النبوية لم تكن إلغاء الذبيحة، بل استعادة معناها الحقيقي: أن تكون جزءًا من علاقة عهد حيّة بين الله وشعبه، تقوم على القداسة والطاعة والقلب المنسحق أمامه. فالعبادة المقبولة أمام الله ليست مجرد ممارسة خارجية، بل حياة يقدم فيها الإنسان نفسه لله بإيمان صادق وسلوك مستقيم.

للمزيد من الدراسة والتوسُّع في هذا الموضوع، يمكن الرجوع إلى المراجع التالية:

Brevard S. Childs. Old Testament Theology in a Canonical Context. Philadelphia: Fortress Press, 1985.

John Bright. Jeremiah: A New Translation with Introduction and Commentary. The Anchor Bible, Vol. 21. Garden City, NY: Doubleday, 1965.

Walter Brueggemann. A Commentary on Jeremiah: Exile and Homecoming. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1998.

Peter C. Craigie. The Book of Deuteronomy. The New International Commentary on the Old Testament. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1976.

Douglas Stuart. Hosea–Jonah. Word Biblical Commentary, Vol. 31. Dallas: Word Books, 1987.

Walter C. Kaiser Jr. Toward an Old Testament Theology. Grand Rapids, MI: Zondervan, 1978.

William L. Holladay. Jeremiah 1: A Commentary on the Book of the Prophet Jeremiah Chapters 1–25. Hermeneia. Minneapolis: Fortress Press, 1986.

Christopher J. H. Wright. Old Testament Ethics for the People of God. Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2004.

H. G. M. Williamson. The Book Called Isaiah: Deutero-Isaiah’s Role in Composition and Redaction. Oxford: Clarendon Press, 1994.

Gerhard von Rad. Old Testament Theology, Volume II: The Theology of Israel’s Prophetic Traditions. New York: Harper & Row, 1965.

Shalom M. Paul. Amos: A Commentary on the Book of Amos. Hermeneia. Minneapolis: Fortress Press, 1991.

Moshe Weinfeld. Deuteronomy and the Deuteronomic School. Oxford: Clarendon Press, 1972.

Jacob Milgrom. Leviticus 1–16: A New Translation with Introduction and Commentary. The Anchor Bible, Vol. 3. New York: Doubleday, 1991.

Gordon J. Wenham. The Book of Leviticus. The New International Commentary on the Old Testament. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1979.

أنطونيوس فكري. تفسير سفر عاموس. تفسير الكتاب المقدس. كنيسة القديسين.

أنطونيوس فكري. تفسير سفر حزقيال. تفسير الكتاب المقدس. كنيسة القديسين.

تادرس يعقوب ملطي. تفسير سفر حزقيال. ضمن سلسلة تفسير الكتاب المقدس. كنيسة مار جرجس سبورتنج.

تادرس يعقوب ملطي. تفسير سفر هوشع. ضمن سلسلة تفسير الكتاب المقدس. كنيسة مار جرجس سبورتنج.

تادرس يعقوب ملطي. تفسير أسفار العهد القديم. ضمن سلسلة تفسير الكتاب المقدس. كنيسة مار جرجس سبورتنج.

ليكون للبركة

Patricia Michael