الأوريم والتميم: من وسائط القرار الإلهي في إسرائيل القديمة
فهل تلك الادوات التي كان تستخدم بفترة من الفترات تعبِّر عن ممارسة سحرية أو خرافية كما يرى بعض المشككين؟
ولماذا توقف استعمالهما لاحقا.
بحث ودراسة:Patricia Michael
المقدمة
يُعدّ موضوع الأُورِيمَ وَالتُّمِّيم من أكثر القضايا إثارةً للبحث في دراسات العهد القديم، نظرًا لما يحيط بهذه الأدوات من غموض من جهة، وارتباطها المباشر بالكهنوت اللاوي وإعلان مشيئة الله لشعبه من جهة أخرى. فالأسفار المقدسة تقدّم شواهد واضحة على وجود الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ بوصفهما وسيلة إلهية للاستعلان وطلب الإرشاد الإلهي في القضايا المهمة التي تتطلب معرفة مشيئة الله، سواء تعلقت بقيادة الأمة الإسرائيلية وقراراتها المصيرية، أو بأمور تخص أفرادًا وجماعات ضمن إطار العهد، ولا سيما في الفترة التي سبقت اكتمال الإعلان الكتابي.
وقد أثارت طبيعة الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ وآلية عملهما نقاشًا واسعًا بين علماء العهد القديم، بسبب غياب وصف كتابي مباشر لشكلها أو للطريقة التفصيلية التي كان يُستخدم بها، مما أدى إلى ظهور عدد من التفسيرات التاريخية واللغوية واللاهوتية. ومع ذلك، بقيت وظيفتهما الأساسية بوصفهما وسيلة مقدسة لطلب إعلان الله وإرشاده محل اتفاق عام بين الباحثين.
لم يكن استخدام الأُورِيمَ وَالتُّمِّيم إذن تعبيرًا عن ممارسة سحرية أو خرافية كما يرى بعض النقاد، بل كان جزءًا من التدبير الإلهي الذي أقامه الله ضمن اطار العهد، ليؤكد أن الله هو المرجع الأعلى في قيادة شعبه وتوجيهه، فقد وُضع الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ في صدرة القضاء الخاصة برئيس الكهنة، ليكونا مرتبطين بحضوره أمام الرب، ووسيلة كهنوتية يُطلب بها مشيئة الله في القضايا التي تحتاج إلى استعلان إلهي. فكان من يحتاج إلى معرفة مشيئة الرب في أمر مهم يتوجه إلى رئيس الكهنة، الذي كان يستعلم أمام الرب بواسطة الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ، فيُعلن الله إرشاده وفق تدبيره الإلهي.
ومن هنا، فإن دراسة الأُورِيمَ وَالتُّمِّيم لا تسهم فقط في فهم البنية الكهنوتية والدينية لإسرائيل القديمة، بل تكشف أيضًا عن جانب مهم من طبيعة الإعلان الإلهي في العهد القديم، وكيف استخدم الله الوسائط التي عيّنها لإرشاد شعبه وإعلان حكمه في مراحل معينة من تاريخ العهد.
تعريف الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ وخلفيتهما الكتابية
يُعتبر الأوريم والتميم من الوسائل الكهنوتية الفريدة والموثَّقة كتابيًا، والتي استُخدمت لمعرفة مشيئة الله في العهد القديم، خصوصًا في القضايا ذات الأهمية المصيرية. وَيُرَجَّح أنهما كانا شيئين صغيرين أو ربما حجرين، وكانا يحفظان في صدرة رئيس الكهنة (خر 28: 30؛ لا 8: 8 ) وكان رئيس الكهنة يستخدم الأوريم والتميم في معرفة إرادة الله في الأمور الكهنوتية أو السياسة القومية او القضايا المصيرية (عدد 27: 21؛ 1 صم 28: 6؛ عز 2: 63؛ نحم 7: 65) وقد وردت في الترجمتين السبعينية واليونانية، والفولجاتا اللاتينية إشارة إلى الاوريم والتميم في (1 صم 14: 41)، وقد أبطل استخدام هذين القرعتين المقدستين في أزمنة ما بين العهدين.
ورغم أن شكلها الدقيق ووظيفتها لم يُوضَّحا بالكامل في الأسفار المقدسة، إلا أن السجل الموحى به يقدّم دلائل واضحة على غايتها المقدسة، ومكانها ضمن ثياب رئيس الكهنة، وكذلك الفترة التاريخية التي استُخدمت فيها.
فالأوريم والتميم لم يكونا بقايا ممارسات خرافية أو أدوات سحرية كما ألمح النقاد الليبراليون أحيانًا وغيرهم من المشككين، بل يجب فهمهما ضمن نظام الله المختار للوساطة الكهنوتية . لقد كانت هذه أدوات مقدسة منحها الله في العهد القديم لقيادة شعبه في فترة لم يكن فيها الوحي المكتوب مكتملًا بعد، وكانت القرارات الإلهية ضرورية لتوجيه الأمة بوضوح وسلطان.
وقد أثارت طبيعة الأوريم والتميم وكيفية عملهما اهتمام الباحثين قديمًا وحديثًا، بسبب غياب أي وصف كتابي مباشر لطبيعتهما أو للمادة التي صُنعا منها أو للطريقة التي كان الله يعلن بها جوابه من خلالهما. ولذلك ظهرت تفسيرات متعددة في الدراسات الكتابية، إلا أن جميعها تتفق على أن مصدر الإعلان كان الله نفسه، وأن الأوريم والتميم لم يكونا يمتلكان أي قوة ذاتية، بل كانا وسيلة اختارها الله لإعلان مشيئته في مرحلة محددة من تاريخ الخلاص.
ويسعى هذا البحث إلى دراسة الأوريم والتميم في ضوء النصوص الكتابية، مع الاستفادة من الدراسات اللغوية والتاريخية واللاهوتية، لبيان معناهما ووظيفتهما في نظام العهد القديم، ومناقشة أبرز الآراء المتعلقة بطبيعتهما وكيفية استخدامهما، ثم تتبع أسباب توقف استعمالهما لاحقا.
الأُورِيمَ وَالتُّمِّيم: المصطلح العبري ودلالته
المصطلحان العبريان אוּרִים (ʾÛrîm، أوريم) و תֻּמִּים (Tummîm، تميم) هما التسمية الكتابية للأداة المرتبطة بطلب حكم الله ومشيئته في العهد القديم. ويرتبط مصطلح الأوريم في الغالب بالجذر العبري אוֹר (ʾôr) الذي يعني "النور"، بينما يرتبط التُّمِّيم بالجذر العبري תּמם (tmm) الدال على الكمال والتمام والاستقامة.
وعليه تُترجم العبارة عادة إلى "الأنوار والكمالات"، رغم أن الأسفار المقدسة لا تقدّم شرحًا اشتقاقيًا مباشرًا لمعنى المصطلحين أو كيفية تكوينهما. لكن الغرض اللاهوتي واضح: فقد ارتبطا بوظيفة إعلان الحكم والمشيئة الالهية، بحيث يكون القرار الصادر متوافقًا مع معيار الله البار في الحق والعدل.
وبمعنى أشمل، تبدو وظيفتهما اللاهوتية واضحة في النصوص الكتابية، إذ كانا الوسيلة التي عيّنها الله لإعلان حكمه في القضايا التي تحتاج إلى استعلان إلهي، بحيث يكون الحكم الصادر متوافقًا مع عدله وإرادته، لا نابعًا من قوة كامنة في الأداة نفسها، بل من الله الذي يعلن مشيئته من خلالها.
وعليه، تُترجم العبارة تقليديًا إلى "الأنوار والكمالات"، استنادًا إلى الدلالة اللغوية للمصطلحين في العبرية.
وتنوّعت تفسيرات الأوريم والتميم عبر التقليدين اليهودي والمسيحي. فمن الناحية اللغوية، استقر الرأي التقليدي على ترجمة المصطلحين بـ "الأنوار والكمالات". أما في التفسير الآبائي الرمزي، فقد رأى بعض آباء الكنيسة فيهما رمزًا إلى "الإعلان والحقيقة". ومن أبرز من تبنّى هذا التفسير القديس كيرلس الإسكندري، الذي لم يقصد تقديم ترجمة لغوية للمصطلحين، بل تفسيرًا رمزيًا يربطهما بالمسيح، باعتباره الإعلان الكامل للآب والحق الإلهي الذي أتمّ ما كانت ترمز إليه أدوات العهد القديم.
ومن ناحية أخرى، قدّم بعض الدارسين تفسيرًا وظيفيًا للمصطلحين، فرأوا أنهما يشيران إلى "البراءة والإدانة" أو "القبول والرفض"، انطلاقًا من دورهما في استعلان الجواب الإلهي عند عرض القضايا أمام الله، سواء في المسائل القضائية أو في طلب الإرشاد الإلهي.
وعلى الرغم من تنوع هذه التفسيرات، فإنها تلتقي في حقيقة واحدة، وهي أن الأوريم والتميم لم يكونا مصدرًا للقوة أو المعرفة في ذاتهما، بل الوسيلة التي عيّنها الله لإعلان حكمه ومشيئته لشعبه، بحيث يكون القرار الصادر معبّرًا عن عدله وإرادته، لا نابعًا من قوة كامنة في الأداة نفسها، بل من الله الذي يعلن مشيئته من خلالها.
بهذه الصياغة يزول التكرار، ويصبح التسلسل منطقيًا: المعنى اللغوي → التفسير الآبائي (مع ذكر كيرلس) → التفسير الوظيفي → الخلاصة اللاهوتية. كما أن الإشارة إلى كيرلس دقيقة؛ إذ توضح أنه كان يقدّم تفسيرًا رمزيًا لا ترجمةً لغوية للمصطلحين.
موضعهما في ثياب رئيس الكهنة
بحسب خروج 28: 30 أمر الله في العهد القديم موسى قائلاً:"وَتَجْعَلُ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ لِتَكُونَ عَلَى قَلْبِ هَارُونَ عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ. فَيَحْمِلُ هَارُونُ قَضَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قَلْبِهِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا." (خر 28: 30).
ويذكر سفر اللاويين أن موسى جعل الصدرة عليه، ووضع في الصدرة الأوريم والتميم. "وَوَضَعَ عَلَيْهِ الصُّدْرَةَ وَجَعَلَ فِي الصُّدْرَةِ الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ." (لا 8: 8 ).
الصدرة، أو ما يُعرف بـ«صدرة القضاء»، كانت قطعة مربعة تُطوى لتكوّن جيبًا أو كيسًا، وتُثبت على الأفود، وهو الرداء الكهنوتي لرئيس الكهنة. ويستعمل النص العبري حرف الجر בְּ (bə-) في قوله: «في الصدرة»، وهو حرف جر يتسع لمعانٍ منها: «في» و«داخل»، ويُحدَّد معناه من السياق. وعند مقارنته بخروج 25:16، حيث أُمِر موسى أن يضع لوحي الشهادة داخل التابوت، ومع الأخذ في الاعتبار أن الصدرة كانت مطوية تكوّن جيبًا، يتضح أن الأوريم والتميم كانا يُوضعان داخل طيّة الصدرة أو جيبها، لا مثبتين على سطحها الخارجي.
أما الأحجار الاثنا عشر المثبتة في الصدرة فكانت تمثّل أسباط إسرائيل الاثني عشر (خروج 28: 17-21)، في حين كان الأوريم والتميم عنصرين مستقلين، أُضيفا بعد إتمام الصدرة وارتدائها، ما ينفي القول إنهما نفس الأحجار.
ومن اللافت أيضًا أن سفر الخروج يصف بالتفصيل صناعة جميع أجزاء ثياب رئيس الكهنة (خر 28–29)، لكنه لا يذكر إطلاقًا كيفية صناعة الأوريم والتميم أو المادة التي صُنعا منها. وهذا الصمت اللاهوتي لافت للنظر، إذ يوحي بأن التركيز لم يكن على طبيعتهما المادية، بل على وظيفتهما باعتبارهما وسيلة للإعلان عن مشيئة الله.
ولذلك يصفهما سفر التثنية بأنهما يخصان الرب نفسه: «تُمِّيمُكَ وَأُورِيمُكَ» (تثنية 33: 8)، في إشارة إلى أن سلطتهما وفاعليتهما لا تنبعان من خصائصهما المادية، بل من ارتباطهما بالله الذي كان يعلن مشيئته من خلالهما.
ويُلاحظ أيضًا أن أول ذكر للأوريم والتميم في خروج 28: 30 يرد في النص العبري مسبوقًا بأداة التعريف (הָאוּרִים וְהַתֻּמִּים)، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى اقتراح أنهما كانا معروفين بالفعل لدى بني إسرائيل عند إعطاء الشريعة، دون أن يكون النص معنيًا ببيان أصلهما أو كيفية صنعهما. ولا يمكن الجزم بصحة هذا الاستنتاج، إلا أنه ينسجم مع الصمت الملحوظ في النصوص الكتابية بشأن مادتهما أو طريقة صنعهما، ويؤكد أن اهتمام الوحي انصبّ على وظيفتهما في إعلان مشيئة الله أكثر من انشغاله بوصفهما المادي.
استخدام الأوريم والتميم في طلب المشيئة الإلهية
لم يكن استعمال الأوريم والتميم وسيلة عامة للإرشاد الشخصي في تفاصيل الحياة اليومية، كما لم يكن شكلًا من أشكال السحر أو العرافة بقصد الكشف عن أمور خفية، بل كان وسيلة مقدسة عيّنها الله ضمن تدبير العهد القديم لطلب إعلانه وحكمه في القضايا التي تستوجب استعلانًا إلهيًا. ولذلك ارتبط استخدامهما بالقضايا المهمة التي تمس قيادة الشعب وحياة جماعة العهد، وبالمسائل التي تتطلب حكمًا إلهيًا رسميًا، سواء تعلقت بالأمة الإسرائيلية، أو بجماعة العهد، أو بحالات خاصة تستدعي إعلان مشيئة الله.
ويظهر ذلك بوضوح في النص التشريعي الخاص بثياب رئيس الكهنة في سفر الخروج:
"وَتَجْعَلُ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ الأُورِيمَ وَالتُّمِّيمَ لِتَكُونَ عَلَى قَلْبِ هَارُونَ عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ. فَيَحْمِلُ هَارُونُ قَضَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قَلْبِهِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا."(خروج 28: 30)
ويشير هذا النص إلى ارتباط الأوريم والتميم بالوظيفة الكهنوتية لرئيس الكهنة، الذي كان يحمل «قضاء بني إسرائيل» أمام الرب، أي يتقدم أمامه طالبًا حكمه وإعلانه في القضايا التي تحتاج إلى استعلان إلهي. ولم يكن استخدام الأوريم والتميم منفصلًا عن الحضور أمام الرب، بل كان يتم من خلال الوساطة الكهنوتية التي أقامها الله ضمن إطار العهد.
ويتضح هذا الدور بصورة أكبر في سفر العدد عند تعيين يشوع خلفًا لموسى، حيث أمر الرب بأن يقف أمام ألعازار الكاهن لكي يُطلب له الحكم الإلهي بواسطة الأوريم:
"فَيَقِفَ أَمَامَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ فَيَسْأَلُ لَهُ بِقَضَاءِ الأُورِيمِ أَمَامَ الرَّبِّ. حَسَبَ قَوْلِهِ يَخْرُجُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِهِ يَدْخُلُونَ، هُوَ وَكُلُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ، كُلُّ الْجَمَاعَةِ."(عدد 27: 21)
ويؤكد هذا النص أن الأوريم والتميم ارتبطا بصورة خاصة بالقيادة وتوجيه الشعب في القرارات المهمة، حيث كان القائد يحتاج إلى إستعلان إلهي في الأمور التي تؤثر في جماعة العهد بأكملها.
كما يذكر سفر صموئيل الأول الأوريم صراحة ضمن وسائل الإعلان الإلهي المعروفة في تلك الفترة، إذ يقول:
"فَسَأَلَ شَاوُلُ مِنَ الرَّبِّ فَلَمْ يُجِبْهُ الرَّبُّ لاَ بِالأَحْلاَمِ وَلاَ بِالأُورِيمِ وَلاَ بِالأَنْبِيَاءِ."(1 صموئيل 28: 6)
ويظهر من هذا النص أن الأوريم كانت إحدى وسائل الإعلان الإلهي المعروفة في تلك الفترة، إلى جانب الأحلام والأنبياء. كما يؤكد النص أن مصدر الإعلان لم يكن الأداة ذاتها، بل الله الذي كان يستخدم الوسيلة التي اختارها لإعلان إرادته.
ويرى عدد من دارسي العهد القديم أن العبارات الواردة في الأسفار التاريخية مثل "سأل الرب" أو "استعلم من الرب" قد تكون مرتبطة أحيانًا باستخدام وسائل الإعلان الإلهي المتاحة في ذلك العصر، ومنها الأوريم والتميم، خاصة عندما لا يذكر النص وسيلة أخرى مثل الأحلام أو الأنبياء (قضاة 1: 1؛ 1 صموئيل 22: 10؛ 2 صموئيل 2: 1). إلا أن هذا يبقى استنتاجًا تفسيريًا يعتمد على سياق النصوص، وليس تصريحًا مباشرًا في جميع الحالات.
وبناءً على هذه الشواهد، يتضح أن الأوريم والتميم كانا وسيلة مقدسة اختارها الله ضمن تدبير العهد القديم للاستعلان الإلهي وطلب حكمه في القضايا التي تحتاج إلى إرشاده. فلم يكونا قائمين على قوة ذاتية أو طقوس غامضة، بل كان دورهما مرتبطًا بحضور الرب والوساطة الكهنوتية، حيث كان الله نفسه هو مصدر الإعلان، وكانت الأداة مجرد وسيلة يستخدمها وفق تدبيره الإلهي.
وهكذا ينبغي فهم الأوريم والتميم في سياقهما الكتابي الصحيح: ليسا أدوات سحرية أو وسائل عرافة، بل علامة على قيادة الله لشعبه في العهد القديم، حيث كان يعلن مشيئته من خلال الوسائط التي عيّنها.
هل كانتا "قرعة"؟
يبدو أن الأوريم والتميم كانا وسيلة لطلب الحكم الإلهي، وقد تشابها من بعض الجوانب مع القرعة المقدسة المستخدمة في بعض المواضع الكتابية (مثل يشوع 7 ويونان 1)، إلا أنه لا يوجد في النصوص ما يثبت أنهما كانا مجرد قرعة بالمعنى المعتاد. وقد ارتبط استخدامهما بإعلان حكم الله في القضايا التي تحتاج إلى قرار إلهي، وربما تضمنت بعض الحالات إجابات محددة، لكن طبيعة هذه الإجابات وآلية ظهورها لا يشرحها النص الكتابي.
ورغم غياب وصف شكلي محدّد للأوريم والتميم في النصوص الكتابية، اقترح بعض الباحثين أنهما ربما كانا حجرين أو عنصرين ماديين يُستخدمان في طلب الحكم الإلهي، مثل افتراض أن أحدهما كان فاتحًا والآخر غامقًا، أو أنهما ربما تضمّنا ثلاثة احتمالات: "نعم"، و"لا"، و"لا جواب". غير أن هذه التصورات تبقى مجرد فرضيات لا يمكن إثباتها من النص الكتابي، ولا حاجة إليها لفهم الوظيفة الأساسية للأوريم والتميم. فالأهم في الرواية الكتابية أنهما كانا وسيلة مقدسة يعلن الله بواسطتها مشيئته وحكمه.
لا يقدّم الكتاب المقدس وصفًا صريحًا للطريقة التي كان الله يعلن بها جوابه بواسطة الأوريم والتميم، ولذلك ظهرت عدة تفسيرات حول كيفية عملهما، دون أن يحظى أيٌّ منها بإجماع كامل.
ومع اختلاف هذه التفسيرات، فإنها تتفق على حقيقة أساسية، وهي أن مصدر الإعلان لم يكن الأوريم والتميم في ذاتهما، بل الله وحده. فلم تكن هذه الأدوات تمتلك قوة ذاتية أو سحرية، بل كانت وسيلة مقدسة استخدمها الله ضمن تدبير العهد القديم لإعلان مشيئته وحكمه.
-الآراء التقليدية القديمة: يتفق يوسيفوس مع التلمود في القول بأن الأوريم والتميم the Urim and the Thummim كانا هما والأحجار الكريمة على الصدرة شيئاً واحداً، ويقول يوسيفوس إن الأحجار كانت تتلألأ عند حلول الشكينة عند تقديم الذبيحة، أو عندما كان الجيش يتقدم إلى معركة، فيقول: "أعلن الله مسبقاً بواسطة الاثني عشر حجراً في الصدرة التي يعلقها رئيس الكهنة على صدرة، متى ينتصرون في المعركة، لأن ضوءاً باهراً كان يتألق منها قبل أن يبدأ الجيش في المسير، فيشعر كل الشعب بوجود الله معهم لمساعدتهم" (تاريخ يوسيفوس - المجلد الثالث 8: 9).
ويقول التلمود تفسيراً لذلك، إن إرادة الله كانت تعلن بإضاءة حروف معينة، ولكي تكون الحروف الهجائية كاملة، كانت تضاف إلى أسماء الأسباط، أسماء الآباء: إبراهيم وإسحق ويعقوب، والعبارة العبرية "شبهتي يشورون". ويقول أحد العلماء المتأخرين إن الحروف كانت تتحرك من مكانها لتكوين الكلمات. ومن العجب أن يصف التلمود القواعد والمبادئ لاستشارة الأوريم والتميم رغم عدم وجودهما، فيقول: لاستشارة الأوريم والتميم رغم عدم وجودهما، ويجب أن يكون السؤال مرتبطاً بالصالح العام، ويجب أن يواجه الكاهن "الشكينة" (أي متوجها إلى الغرب)، ولا يسأل إلا سؤالاً واحداً في المرة الواحدة، وهكذا.
ومن الصعب أن نقول ما مدى ما يوجد من التقليد القديم في الرأي القائل بأن الأوريم والتميم وأحجار الصدرة كانت شيئاً واحداً، ولعدم وجود أدلة أخرى، فليس من السهل أن نرفض آراء اليهود عن الهيكل الثاني لتأييد رأينا، لأننا لا نعلم بالضبط معنى كلمة "هوشن" العبرية، التي يترجمها أعداء الرأي القديم إلى "جراب" أو "كيس" على غير أساس. ومن الناحية الأخرى كانت نظرية التطابق بينها وبين حجارة الصدرة منتشرة جدا حتى إن فيلو يميل في كتابه "الملكية" إلى هذا الرأي، مع أنه في كتابه "حياة موسى" يبدو أنه كان يرى فيهما رمزين صغيرين يمثلان النور والحق مطرزين على نسيج "الهوشن" أو معلقين حول رقبة رئيس الكهنة مثل الرمز المصري للعدالة. ويقول رأي قديم آخر إن الأوريم والتميم كانا يتكونان من كتابة تحوي "الاسم الأقدس".
- الآراء النقدية الحديثة: وأكثر الآراء قبولًا اليوم هو أن الأوريم والتميم كانا قطعتين مقدستين تدل إحداهما على الإيجاب أو الرضا أو التأييد، وتدل الأخرى على الإجابة بالسلب أو عدم التأييد. والسند الأساسي لهذا الرأي، ليس في النص الماسوري بل في صياغة فلهازون ودرايفر لما جاء في صموئيل الأول (1 صم 14: 41) على أساس الترجمة السبعينية: "إذا كان الخطأ فيّ أو في يوناثان ابني، فأجب بالأوريم، وإذا كان في شعبي إسرائيل فأجب بالتميم" ويرون أن العبارة التالية "ألقوا بيني وبين يوناثان ابني" (1 صم 14: 42) تؤيد موضوع إلقاء قرعة، فلعل اسمي شاول ويوناثان كتب كل منهما على قطعة، وأخذت إحداهما فكان عليها اسم يوناثان. ولقد بذلت محاولات كثيرة لتأييد الرأي بأن الأوريم والتميم كانا نوعا من القرعة المقدسة على أساس العادات المشابهة بين الشعوب الأخرى .
ويجب أن نذكر أنه مهما بدت نظرية القرعة قوية، إلا أنها تتعارض لا مع التقليد فحسب، بل أيضاً مع المعطيات الكتابية، لأن الذين لا يميلون إلى الاستناد كثيراً على الأجزاء التي تربط الأوريم والتميم بثياب رئيس الكهنة (خر 28: 30؛ لا 8: 8)، لا توجد أمامهم صعوبة في الفصل بين الاثنين بالرغم من تلك الحقيقة، وهي أنه في الخدمة الكهنوتية، كان الأمر اللازم -كما هو مبين في هذه الأجزاء التاريخية التي يستندون إليها- هو الأفود. وحتى إذا اعتبرنا أنهما كانا حجري قرعة، الأول مكتوب عليه "أوريم"، والآخر تميم"، فمن الصعب الوصول إلى معني ما جاء في صموئيل الأول (1 صم 14: 37؛ 28: 6) من أن الرب لم يجب شاول في ذلك اليوم، إلا إذا افترضنا وجود قطعة ثالثة بلا اسم. وهنا صعوبة أخطر في أن الإجابات المنسوبة إلى الأوريم والتميم، لم تكن على الدوام "نعم" أو "لا" (انظر قض 1: 2؛ 20: 18؛ 1 صم 22: 10؛ 2 صم 5: 23؛ 21: 1) حتى إذا استبعدنا المرات التي كان يختار فيها أفراد من بين كل إسرائيل (مثل حادث اكتشاف عخان متلبساً بجريمته، والاختيار بين شاول ويوناثان).
دورهما في نظام العهد القديم
كان للأوريم والتميم دور في إظهار ارتباط قيادة شعب إسرائيل بالحكم الإلهي ضمن نظام العهد. فقد كان القادة يرجعون إلى إعلان الرب بواسطة الكاهن في القضايا المصيرية التي تخص جماعة العهد، كما يظهر في تعيين يشوع خلفًا لموسى:
"فَيَقِفَ أَمَامَ أَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ فَيَسْأَلُ لَهُ بِقَضَاءِ الأُورِيمِ أَمَامَ الرَّبِّ. حَسَبَ قَوْلِهِ يَخْرُجُونَ، وَحَسَبَ قَوْلِهِ يَدْخُلُونَ، هُوَ وَكُلُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ، كُلُّ الْجَمَاعَةِ»." (عد 27: 21).
وبذلك حالا دون انفراد القائد بالقرارات المصيرية، وأبرزا مركزية شريعة الله وضرورة الرجوع إلى الإعلان الإلهي من خلال الوساطة الكهنوتية التي أقامها الله ضمن نظام العهد.
كما يشير سفر التثنية إلى ارتباط الأوريم والتميم بسبط لاوي في قوله:«تُمِّيمُكَ وَأُورِيمُكَ لِرَجُلِكَ الصِّدِّيقِ» (سفر تثنية 33: 8 ) وهي عبارة تُفهم في سياق مدح أمانة واخلاص سبط لاوي للرب، ولا سيما في حادثة العجل الذهبي (خروج 32: 25-29). وهذا يوضح أن خدمة الأوريم والتميم ارتبطت بالدور الكهنوتي وأمانة من يقوم بهذه الخدمة أمام الله، ولم تكن مجرد امتياز قائم على الانتماء القبلي وحده.
توقف استعمالهما
لفهم توقف استعمال الأوريم والتميم، لا يكفي النظر إليهما كأداتين طقسيتين اختفتا بمرور الزمن، بل ينبغي وضعهما في سياق تطور الإعلان الإلهي داخل تاريخ إسرائيل. فقد كانتا جزءًا من النظام الكهنوتي في العهد القديم، حيث ارتبط طلب الحكم الإلهي بوسيلة محددة ضمن خدمة رئيس الكهنة. ومع التحولات الكبرى التي مر بها الشعب، ولا سيما السبي البابلي وسقوط الهيكل، بدأت بعض عناصر هذا النظام تفقد دورها تدريجيًا. ومن هنا، فإن غياب الأوريم والتميم لا يُفهم كحادث عرضي، بل كجزء من انتقال أوسع في طرق إعلان الله لمشيئته، حيث ازداد دور الكلمة الإلهية المكتوبة والخدمة النبوية في قيادة شعبه.
بعد دمار أورشليم والهيكل على يد البابليين سنة 587 ق.م، لا نجد في الأسفار المقدسة أي إشارة إلى استمرار استخدام الأوريم والتميم كوسيلة لاتخاذ القرار الإلهي. ويذكر سفر عزرا (عزرا 2: 63) وسفر نحميا (نحميا 7: 65) أن بعض الرجال الذين لم يستطيعوا إثبات نسبهم الكهنوتي مُنعوا من أكل التقدمة «حتى يقوم كاهن بالأوريم والتميم». وهذه العبارة لا تثبت وجود الأوريم والتميم في تلك الفترة، بل تشير إلى أن إمكانية الرجوع إليهما لم تكن متاحة آنذاك، إذ بقي الحكم مؤجلًا إلى حين ظهور وسيلة الإعلان المطلوبة.
ومن ثم، يعكس نص عزرا ونحميا واقعًا تاريخيًا يتمثل في غياب هذه الوسيلة بعد السبي، كما يؤكده عدم ورود أي ذكر لاحق لاستخدامها في الأسفار المقدسة. ويتوافق هذا الغياب مع التحول التدريجي في وسائط الإعلان الإلهي، حيث أخذت الكلمة المكتوبة والخدمة النبوية تحتلان مكانة متزايدة في نقل مشيئة الله لشعبه.
ومن الجدير بالملاحظة أن الكتاب المقدس لا يسجل استخدامًا مؤكدًا للأوريم والتميم في الفترات اللاحقة من تاريخ إسرائيل، رغم استمرار وجود الكهنوت والعبادة في الهيكل. ويرى بعض الباحثين أن هذا الصمت قد يشير إلى أن استعمالهما بدأ يتراجع قبل السبي، ثم اختفى لاحقًا، مع ازدياد أهمية دور الأنبياء في إعلان كلمة الله.
وهكذا يمكن فهم توقف استعمال الأوريم والتميم باعتباره مرتبطًا بمرحلة محددة من تاريخ الإعلان الإلهي، حيث كانا جزءًا من تدبير العهد القديم، ثم تراجع دورهما مع انتقال التركيز بصورة أكبر إلى الكلمة الإلهية المعلنة والرسالة النبوية.
وبحسب يوسيفوس، كان استخدام الأوريم والتميم قد توقف قبل عصره بزمن طويل، ويربط ذلك بفترة يوحنا هيركانوس (Yohanan Hyrcanus – יוחנן הורקנוס – Ἰωάννης Ὑρκανός). أما المصادر التلمودية، فتذكر الأوريم والتميم ضمن الأمور التي لم تكن موجودة في الهيكل الثاني، إلى جانب عدد من العناصر المرتبطة بنظام العبادة والكهنوت في الهيكل الأول. ومن ثم، تتفق هذه المصادر في الإشارة إلى غياب الأوريم والتميم عن ممارسة العبادة في الهيكل الثاني، وإن اختلفت في طريقة عرض هذه المعلومة وتحديد زمن توقف استخدامها.
لم يكن الأوريم والتميم بقايا ممارسة دينية بدائية، بل كانا وسيلة مقدسة أقامها الله ضمن تدبير العهد القديم لقيادة شعبه وإعلان حكمه في مرحلة معينة من تاريخ الإعلان الإلهي. وكان حملهما في صدرة رئيس الكهنة علامة مستمرة على عناية الله وحضوره وسط إسرائيل، كما أن استخدامهما أكد أن القرارات المصيرية للشعب لم تكن تُبنى على الحكمة البشرية وحدها، بل على طلب مشيئة الله والإذعان لحكمه المعلن. لذلك لم يكونا مجرد أدوات طقسية مرتبطة بالعبادة الخارجية، بل كانا يشيران إلى مبدأ جوهري في علاقة الإنسان بالله، وهو أن الله هو مصدر الهداية والحكم، وأنه يعلن مشيئته من خلال الوسائط التي يعيّنها بحسب تدبيره.
لقد مثّل الأوريم والتميم علامة على حضور الله وإرشاده لشعبه في القضايا المصيرية، بحيث لا يُبنى مستقبل الجماعة على رأي البشر وحده، بل على طلب الإعلان الإلهي والرجوع إلى مشيئة الرب. ومن خلالهما ظهر أن قيادة شعب العهد لم تكن مستقلة عن سلطان الله، بل كانت مرتبطة بحكمه وإعلانه.
ومع أن العمل بالأوريم والتميم توقف في مرحلة لاحقة من تاريخ إسرائيل، ولا سيما بعد التحولات الكبرى التي مر بها الشعب بعد السبي البابلي، فإن غيابهما لا يُفهم على أنه مجرد اختفاء لأداة طقسية، بل باعتباره جزءًا من التطور التاريخي في وسائل الإعلان الإلهي. فقد أخذت الكلمة المكتوبة والخدمة النبوية تحتلان مكانة متزايدة في توجيه شعب الله وإعلان مشيئته.
وهكذا يكشف تاريخ الأوريم والتميم عن طبيعة الإعلان الإلهي في العهد القديم؛ فقد كانا وسيلة مقدسة مرتبطة بمرحلة محددة من تاريخ إسرائيل، أظهرت أن الله يقود شعبه ويعلن حكمه من خلال الوسائط التي يختارها. ومع توقف استعمالهما بقيت دلالتهما اللاهوتية قائمة، إذ يشهدان على حضور الله وسط شعبه وعلى مركزية طلب مشيئته في القرارات التي تمس حياة الجماعة.
كتاب دائرة المعارف الكتابية
Cornelius Van Dam, The Urim and Thummim: A Means of Revelation in Ancient Israel, Winona Lake, IN: Eisenbrauns, 1997.
Cyrus H. Gordon, “The Urim and Thummim: A New Suggestion,” Journal of Biblical Literature 73 (1954): 185–188.
“Urim and Thummim,” in The Anchor Bible Dictionary, ed. David Noel Freedman, New York: Doubleday, 1992.
ليكون للبركة