منظومة الشهادة للمسيح في إنجيل يوحنا: سبع شهادات بارزة تؤكد هويّة السيد المسيح.
بحث ودراسة : Patricia Michael
يحتل مفهوم الشهادة مكانة بارزة في إنجيل يوحنا، حتى يمكن اعتباره أحد المفاتيح الأدبية واللاهوتية لفهم الطريقة التي يقدم بها الإنجيلي شخصية يسوع وهويته. فبدلًا من أن يعتمد يوحنا على تصريح منفرد لإثبات من هو المسيح، نجده يبني انجيله بصورة تدريجية من خلال مجموعة متكاملة من الشهادات، بحيث تتضافر شهادة الإنسان مع شهادة الأعمال، وشهادة الآب مع شهادة المسيح عن نفسه، وشهادة الكتب المقدسة مع شهادة الروح القدس وشهادة التلاميذ. ومن خلال هذا التراكم يصبح القارئ أمام قضية لا تقوم على شاهد واحد، وإنما أمام منظومة واسعة من الشهادات التي تقود في النهاية إلى الهدف الذي يعلنه الإنجيل بوضوح: أن يؤمن القارئ بيسوع المسيح.
وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ.(يوحنا 20 : 31)
ويظهر هذا التركيز منذ بداية الإنجيل، ولا سيما في شهادة يوحنا المعمدان. فالمعمدان لا يظهر في الرواية بوصفه مجرد شخصية يمهّد لظهور يسوع، وإنما بوصفه شاهدًا على هويته.
يقول يوحنا المعمدان: «وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هذَا هُوَ ابْنُ اللهِ» (يوحنا 1: 34).
كما يشهد له قائلًا: «هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!» (يوحنا 1: 29).
وهكذا تبدأ الرواية اليوحناوية بشهادة شخصية تاريخية عاصرت يسوع وشاهدت ظهوره، وتقدم عنه شهادة تتجاوز مجرد الاعتراف بوجوده أو كونه معلّمًا دينيًا؛ فهو «ابن الله» و«حمل الله».
غير أن يوحنا لا يترك القارئ أمام شهادة المعمدان وحدها، بل ينتقل إلى نوع آخر من الشهادة، وهي شهادة أعمال المسيح نفسها.
ففي حديث يسوع مع اليهود يقول: «أَمَّا أَنَا فلِي فَشَهَادَةٌ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا، لِأَنَّ الأَعْمَالَ الَّتِي أَعْطَانِي الْآبُ لِأُكَمِّلَهَا، هذِهِ الأَعْمَالُ نَفْسُهَا الَّتِي أَعْمَلُهَا هِيَ تَشْهَدُ لِي أَنَّ الْآبَ أَرْسَلَنِي» (يوحنا5 : 36).
وهنا تتضح إحدى السمات المميزة لإنجيل يوحنا، وهي تقديم أعمال يسوع باعتبارها آيات تشير إلى هويته. فالمعجزات في السرد اليوحناوي ليست مجرد أحداث خارقة تضاف إلى القصة، بل تؤدي وظيفة دلالية؛ إنها تشير إلى شخص السيد المسيح التي تؤكد الوهيته وإلى علاقته بالآب وإلى طبيعة وطبيعة رسالته. ولذلك تصبح أعماله نفسها جزءًا من الشهادة المقدمة للقارئ.
ثم ترتفع الشهادة إلى مستوى آخر عندما يتحدث يوحنا عن شهادة الآب. يقول يسوع:«وَالآبُ نَفْسُهُ الَّذِي أَرْسَلَنِي يَشْهَدُ لِي» (يوحنا 5 : 37)
ويؤكد في موضع آخر: «أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي» (يوحنا 8 : 18 ).
وهنا لا يقدم يوحنا شهادة المسيح باعتبارها صوتًا منفصلًا عن شهادة الآب، بل يضعهما في علاقة متكاملة؛ فالذي يتكلم عن نفسه هو الابن الذي أرسله الآب، والآب نفسه يشهد له. وبذلك تصبح هوية يسوع مرتبطة منذ البداية بعلاقته الفريدة بالآب وبالإرسال الإلهي الذي يحدد رسالته.
وفي هذا السياق تظهر أيضًا شهادة المسيح عن نفسه.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن الاعتماد على شهادة يسوع عن ذاته يخلق إشكالية، خصوصًا في ضوء اعتراض محاوريه: 13 فَقَالَ لَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: «أَنْتَ تَشْهَدُ لِنَفْسِكَ. شَهَادَتُكَ لَيْسَتْ حَقًّا».(يوحنا 8 : 13).
إلا أن يوحنا لا يتجاهل هذا الاعتراض، بل يجعله جزءًا من الحوار نفسه.
أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌ، لأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَا تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ آتِي وَلَا إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ.( يوحنا 8: 14)
ثم يضيف: «أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي، وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي» (يوحنا 8 : 18). ومن ثم فشهادة يسوع عن نفسه لا تُعرض في الإنجيل باعتبارها الدليل الوحيد، وإنما تأتي ضمن شبكة أوسع من الشهادات التي تؤيدها وتتكامل معها.
ومن أهم عناصر هذه المنظومة أيضًا شهادة الكتب المقدسة.يقول يسوع: «فَتِّشُوا الْكُتُبَ، لِأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً. وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي» (يوحنا 5 : 39). وفي موضع آخر يقول: «لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لِأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي» (يوحنا 5 : 46).
وهنا تصبح الكتب المقدسة نفسها شاهدًا للمسيح. فالقضية بالنسبة إلى يوحنا ليست ظهور يسوع في فراغ تاريخي أو ديني، بل ظهوره داخل قصة الكتاب المقدس وتاريخ إسرائيل. ولذلك يعود الإنجيل مرارًا إلى الناموس وموسى وإبراهيم والرموز الكتابية ليبين أن يسوع لا يُفهم بمعزل عن هذه القصة، بل يُقدَّم باعتباره مركزًا لها وموضوعًا لشهادتها.
ولا تتوقف الشهادة عند الكتاب أو عند الأحداث الماضية، بل تستمر في الحاضر من خلال شهادة الروح القدس.
يقول يسوع لتلاميذه: «وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ... فَهُوَ يَشْهَدُ لِي» (يوحنا 15 : 26).
ثم يضيف: «ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ» (يوحنا 16 : 14).
وهنا تأخذ الشهادة بُعدًا جديدًا؛ فالشهادة للمسيح لا تنتهي بانتهاء خدمته الأرضية، وإنما تستمر من خلال الروح القدس الذي يذكّر التلاميذ بما علّمهم المسيح، ويقودهم إلى فهم أعمق لما أعلنه عن ذاته، ويعلن لهم ما يتعلق به، ويُمكّنهم من الشهادة له. ولذلك فإن الشهادة في إنجيل يوحنا ليست مجرد سجل لأحداث الماضي، وإنما حركة مستمرة تمتد من الآب والابن إلى الروح القدس، ثم إلى جماعة التلاميذ والكنيسة الممتدة عبر التاريخ. ومن هذا المنظور، لا يقتصر عمل الروح القدس على المرحلة الرسولية الأولى، بل يستمر في عمله في الكنيسة وشهادتها للمسيح حتى اليوم، إذ يواصل إرشاد المؤمنين إلى الحق، وتعميق فهمهم لشخص المسيح وتعليمه، وتمكينهم من إعلان المسيح والشهادة لعمله أمام العالم. وهكذا تظل الشهادة للمسيح فعلًا حيًا ومستمرًا، وإعلانًا متجددًا لحضوره وعمله في حياة الكنيسة والمؤمنين.
ومن هنا ننتقل إلى شهادة التلاميذ، التي تمثل الامتداد التاريخي المباشر لهذه الشهادة؛ فالتلاميذ، بوصفهم شهودًا عايشوا يسوع ورافقوه، ينقلون إلى الآخرين ما رأوه وسمعوه واختبروه معه، لتنتقل الشهادة من المسيح إلى تلاميذه، ومنهم إلى الجماعة المؤمنة، ثم إلى الأجيال المتعاقبة.
يقول يسوع لهم: «وَأَنْتُمْ أَيْضًا تَشْهَدُونَ لِي، لِأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ» (يوحنا 15 : 27).
وهذه العبارة مهمة للغاية، لأنها تربط شهادة التلاميذ بكونهم كانوا مع يسوع منذ بداية خدمته. فشهادتهم ليست مجرد تأمل لاهوتي متأخر، وإنما مرتبطة بعلاقة مباشرة بالأحداث والشخص الذي يشهدون له.
ويؤكد يوحنا هذا المبدأ بصورة واضحة في نهاية رواية الصلب عندما يقول: «وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ أَيْضًا» (يوحنا 19 : 35).
وتكشف هذه الآية بوضوح عن وظيفة الشهادة في الإنجيل: أن تقود إلى الإيمان. فالشهادة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة يقدم بها يوحنا انجيله للقارئ حتى يصل إلى نتيجة محددة.
ولهذا نجد يوحنا في نهاية إنجيله يصرح صراحة بالهدف من كتابة هذه الشهادة كلها: «وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ» (يوحنا 20 : 31).
وهنا تتضح الصورة الكاملة. فالمعمدان يشهد، والأعمال تشهد، والآب يشهد، ويسوع يشهد عن نفسه، والكتب المقدسة تشهد، والروح القدس يشهد، والتلاميذ يشهدون. وهذه الشهادات ليست جُزرًا منفصلة، بل عناصر متداخلة داخل بناء واحد يقود القارئ إلى سؤال جوهري: من هو يسوع؟
ومن المنظور الأدبي واللاهوتي، يمكن النظر إلى هذا التراكم بوصفه أحد أبرز ملامح الطريقة التي يبني بها إنجيل يوحنا قضيته حول هوية المسيح.
فبدل أن يطلب من القارئ أن يقبل ادعاءً منفردًا، يقدم له سلسلة من الشهادات التي تأتي من مصادر مختلفة، وتلتقي في شخص واحد. ومن هنا تكتسب عبارة يوحنا في ختام الإنجيل معناها الكامل:
«لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ».
إن إنجيل يوحنا لا يقدم يسوع باعتباره شخصية تاريخية معزولة عن الشهادة المحيطة به، بل يضعه في مركز شبكة واسعة من الشهادات: شهادة بشرية، وشهادة بالأعمال، وشهادة الآب، وشهادة المسيح عن ذاته، وشهادة الكتب، وشهادة الروح القدس، وشهادة التلاميذ. وهذه الشهادات، على اختلاف مصادرها وأشكالها، لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتلاقى جميعها في شخص يسوع وتوجّه القارئ إلى اكتشاف هويته.
وبذلك يمكن القول إن «الشهادة» ليست مجرد موضوع ثانوي في إنجيل يوحنا، وإنما هي إحدى الآليات الأساسية التي يستخدمها الإنجيلي لبناء روايته وتوجيه القارئ نحو الحقيقة التي يريد إعلانها. فكل شهادة تضيف جانبًا من الصورة، وتؤكد جانبًا مما سبقها، حتى تتكامل الشهادات في تقديم يسوع أمام القارئ لا بوصفه مجرد شخصية تاريخية أو مجرد مسيح منتظر، بل بوصفه المسيح، ابن الله، والكلمة الذي كان في البدء، والذي صار جسدًا وحلَّ بين البشر. ومن خلال هذه الشهادات يتكشف أيضًا عمق علاقته بالآب، وأزليته، ومجيئه إلى العالم، وعمله في منح الحياة.
وهكذا لا تنتهي الشهادة عند إثبات أن يسوع هو المسيح، بل تقود إلى السؤال الأعمق الذي يضعه إنجيل يوحنا أمام القارئ: من هو يسوع حقًا؟ والإجابة التي يبنيها الإنجيل من خلال مجموع شهاداته هي أن يسوع هو المسيح ابن الله، والكلمة المتجسد الذي أعلن الآب وجاء إلى العالم. ولذلك فإن الغاية من هذه الشهادة ليست مجرد نقل معلومات عن يسوع أو إثبات أحداث من الماضي، وإنما دعوة القارئ إلى موقف شخصي منه: أن يؤمن بأن يسوع هو المسيح ابن الله، وأن تكون له، بهذا الإيمان، حياة باسمه.
ومن هنا تتضح الغاية النهائية من منظومة الشهادة في إنجيل يوحنا: فهي تبدأ بالشهادة ليسوع، وتتجه إلى الكشف عن هويته، وتنتهي بالدعوة إلى الإيمان به والحياة باسمه. فالشهادة ليست مجرد وسيلة لإثبات الحقيقة، بل هي الطريق الذي يقود القارئ من السماع إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى الحياة؛ حياة تنبع من معرفة يسوع المسيح وقبول الإعلان الذي يقدمه الإنجيل عنه بوصفه الكلمة المتجسد، ابن الله، والمسيح الذي جاء إلى العالم ليمنح الحياة.
تفسيرات الكتاب المقدس
ليكون للبركة