لماذا تُعَدّ محاكمة بولس الرسول في أعمال الرسل 26 نقطةَ تحوّلٍ مهمة في السرد الكتابي؟
بحث ودراسة: Patricia Michael
مقدمة
ماذا يحدث عندما يقف رسولٌ مقيّد بالسلاسل أمام ملكٍ وحاكمٍ وأصحاب نفوذ، ثم تتحول المحاكمة من مناسبة للدفاع عن النفس إلى منبرٍ لإعلان الإنجيل؟
هذا هو المشهد اللافت الذي يضعه سفر أعمال الرسل أمامنا في الإصحاح السادس والعشرين. فبولس لا يقف أمام الملك أغريباس لمجرد تبرئة نفسه، ولا يجعل إنقاذ حياته غايته الأساسية، بل يستثمر فرصة محاكمته ليعلن الرسالة التي كانت سببًا في وصوله إلى السجن: يسوع المسيح، وقيامته من الأموات، والوعد الذي أعطاه الله للآباء وتمّ في المسيح.
والأكثر لفتًا للنظر أن بولس، وهو المتهم في ظاهر المشهد، يصبح هو الشاهد؛ والملك الذي جاء ليستمع إلى القضية يجد نفسه مستمعًا إلى شهادة الإنجيل. وهكذا يتحول ما يبدو ظاهريًا جلسةً لفحص قضية بولس إلى مشهد كرازي بالغ القوة في سرد لوقا، يصل فيه الإعلان عن المسيح إلى دوائر السلطة، وإلى الملك أغريباس، وإلى الوالي الروماني فستوس، وإلى جميع الحاضرين.
وهنا تظهر إحدى السمات المهمة في سرد سفر الأعمال: القيود لا تعطل الشهادة، والمحاكمة لا توقف الكرازة، بل يمكن أن تتحول نفسها إلى فرصة جديدة لإعلان المسيح. فبولس المقيّد يظل شاهدًا حرًا، لأن مهمته الرسولية لا تتحدد بظروفه الجسدية، بل بالدعوة التي تلقاها من الرب.
بل إن وقوف بولس أمام الملوك والولاة يأتي ضمن مسار أوسع في دعوته الرسولية؛ فقد أعلن الرب عنه منذ البداية: «لِأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ» (أعمال9 : 15). لذلك لا يظهر وصول بولس إلى هذه الدوائر السياسية في السرد باعتباره مجرد نتيجة عرضية لسلسلة من المحاكمات، بل يصبح أيضًا مجالًا تتحقق فيه دعوته إلى حمل اسم المسيح أمام الملوك.
ومن هنا، فإن أعمال الرسل 26 لا يقدم لنا مجرد تفاصيل عن محاكمة بولس، بل يضع أمامنا مشهدًا تتقاطع فيه الشهادة الرسولية، والوعد الإلهي، وقيامة المسيح، والإرسالية إلى الأمم، ووصول الإنجيل إلى أصحاب السلطة. فبولس لا يكتفي بالحديث عن نفسه أو عن ظروف اعتقاله، بل يعيد توجيه أنظار مستمعيه إلى المسيح وإلى حقيقة قيامته وإلى رجاء إسرائيل الذي يرى أنه تحقق فيه.
فما الذي يجعل هذا المشهد مختلفًا عن المحاكمات السابقة لبولس؟ ولماذا يولي لوقا هذا اللقاء أمام أغريباس هذه الأهمية؟
إن الإجابة لا تكمن في الجانب القضائي للمشهد فحسب، بل في الطريقة التي تتحول بها المحاكمة إلى مناسبة لإعلان المسيح، وفي اتساع دائرة الشهادة لتصل إلى الملوك والولاة، وفي ارتباط شهادة بولس بقيامة المسيح ووعود الله لإسرائيل، وبالإرسالية إلى الأمم.
ومن خلال تفاصيل هذا الإصحاح، يمكننا أن نتوقف عند عدة أبعاد رئيسية تكشف أهمية هذا المشهد في السرد الكتابي:
1. تصعيد الصراع مع السلطات الدينية والرومانية:
المحاكمة أمام الملك أغريباس:
في أعمال الرسل 26، نرى بولس يقدم دفاعه أمام الملك أغريباس والوالي فستوس. وهذه المحاكمة لا تقتصر على محاكمة محلية أمام السلطات اليهودية أو الرومانية كما في المراحل السابقة، بل تأخذ بعدًا أكثر أهمية؛ إذ يتم تقديم بولس أمام ملك له صلة مباشرة بالشؤون اليهودية وكان على دراية بمسائلهم وعاداتهم، وفي الوقت نفسه داخل الإطار السياسي للإدارة الرومانية.
ويُظهر هذا المشهد اتساع دائرة الصراع حول رسالة بولس؛ فالقضية لم تعد محصورة في خلاف بين بولس وبعض القيادات الدينية، وإنما أصبحت أمام سلطات سياسية وقضائية تستطيع أن تتخذ قرارًا بشأن مصيره. ومع ذلك، فإن لوقا يعرض المشهد بطريقة تجعل المحاكمة نفسها فرصة جديدة للشهادة بالمسيح.
التحدي المباشر للسلطة:
بولس كان قد واجه في مراحل سابقة القادة اليهود والجماعات المعارضة لكرازته، لكنه الآن يقف أمام شخصيات ذات مكانة سياسية وقضائية عالية. وهذا يعكس تحولًا مهمًا في مكانة شهادته داخل السرد؛ فبولس لم يعد يتحدث فقط إلى أفراد أو جماعات، بل أصبحت شهادته تصل إلى الملوك والولاة وأصحاب النفوذ.
وهذا يتفق مع ما سبق أن أعلنه الرب عن بولس: «لِأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ» (أع9 : 15). لذلك فإن وقوف بولس أمام أغريباس لا يُفهم فقط باعتباره نتيجة للاضطهاد، بل أيضًا باعتباره جزءًا من تحقيق دعوته الرسولية.
2. استعراض قوة شهادة بولس:
في هذه المحاكمة، يقدم بولس شهادته بصورة واضحة ومتكاملة. فهو يروي ما حدث له في طريقه إلى دمشق، وكيف ظهر له الرب يسوع المسيح ودعاه إلى أن يكون خادمًا وشاهدًا له (أع 26 : 12 - 18)، ويتحدث عن ماضيه في اضطهاد أتباع يسوع، ثم عن التحول الجذري الذي حدث في حياته نتيجة هذا الظهور والدعوة.
وهذا العرض الشخصي يمثل نقطة حاسمة؛ لأن بولس يوضح كيف انتقل من شخص كان يعادي أتباع المسيح إلى رسول يكرز بالمسيح أمام اليهود والأمم. ومن ثم فإن ما حدث له في طريق دمشق ليس مجرد قصة تحول شخصية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من شهادته الرسولية على حقيقة المسيح وعلى الرسالة التي أوكلها إليه.
ولا يكتفي بولس بالحديث عن التغيير الذي حدث في حياته، بل يربط شهادته بما سبق أن أعلنه الله في الأسفار المقدسة. ولذلك يقول إن ما ينادي به هو ما «تكلّم الأنبياء وموسى أنه عتيد أن يكون» (أع26 : 22). وهنا تظهر قوة شهادته؛ فهو لا يقدم الإيمان بالمسيح باعتباره رسالة دينية منفصلة عن تاريخ إسرائيل، بل باعتباره مرتبطًا بوعود الله وما أعلنه في الأسفار المقدسة.
3. المسؤولية الروحية والمشاركة في الكرازة:
شهادة بولس أمام الملك أغريباس تُظهر أنه لم يكن مجرد متهم يحاول الدفاع عن نفسه، بل كان يؤدي مسؤوليته الرسولية في إعلان رسالة المسيح. فقد أوضح أن الرب أرسله ليكون خادمًا وشاهدًا، وأن رسالته تشمل اليهود والأمم.
وَلكِنْ قُمْ وَقِفْ عَلَى رِجْلَيْكَ لأَنِّي لِهَذَا ظَهَرْتُ لَكَ، لأَنْتَخِبَكَ خَادِمًا وَشَاهِدًا بِمَا رَأَيْتَ وَبِمَا سَأَظْهَرُ لَكَ بِهِ،مُنْقِذًا إِيَّاكَ مِنَ الشَّعْبِ وَمِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ أَنَا الآنَ أُرْسِلُكَ إِلَيْهِمْ (أع 26 : 16 - 17)
ويظهر ذلك بوضوح في قوله إن المسيح أرسله إلى الأمم «لِتَفْتَحَ عُيُونَهُمْ كَيْ يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ، حَتَّى يَنَالُوا بِالإِيمَانِ بِي غُفْرَانَ الْخَطَايَا وَنَصِيبًا مَعَ الْمُقَدَّسِينَ.» (أع 26 : 18).
وهذا يضيف بُعدًا عالميًا للرسالة المسيحية، ويؤكد أن الكرازة لم تكن محصورة في حدود الشعب اليهودي، بل كانت تتجه إلى جميع الأمم. وفي الوقت نفسه، لا يقدم بولس رسالته إلى الأمم باعتبارها إلغاءً لشهادة إسرائيل، بل باعتبارها امتدادًا لقصد الله الخلاصي المعلن في الأسفار المقدسة.
كما يؤكد بولس أن هذه الرسالة لم تكن مجرد إعلان فكري عن المسيح، بل دعوة إلى التوبة والرجوع إلى الله. ولذلك يقول إنه كان يكرز بأن الناس «يتوبوا ويرجعوا إلى الله ويعملوا أعمالًا تليق بالتوبة» (أع 26 : 20).
4. التركيز على حقيقة القيامة:
القيامة في مركز الرسالة: في هذه المحاكمة، يضع بولس القيامة من الأموات في صميم إيمانه وكرازته. فهو لا يقدم القيامة باعتبارها فكرة منفصلة عن إيمان إسرائيل، بل يربطها بوعد الله وبما سبق أن أعلنه في الأسفار المقدسة.
ويظهر ذلك عندما يقول:
«لِمَاذَا يُحْسَبُ عِنْدَكُمْ أَمْرًا لَا يُصَدَّقُ إِنْ أَقَامَ اللهُ أَمْوَاتًا؟» (أع 26 : 8 ).
ثم يوضح أن المسيح تألم وقام من الأموات، وأن ما ينادي به يتفق مع ما تكلم به موسى والأنبياء (أع 26 : 22 - 23).
وهنا تظهر أهمية القيامة في شهادة بولس؛ فهي ليست مجرد معجزة منفصلة، بل جزء جوهري من الإعلان عن المسيح. فالذي تألم ومات هو نفسه الذي قام من الأموات، وقيامته هي أساس الشهادة الرسولية التي حملها بولس إلى اليهود والأمم.
القيامة وحقيقة الشهادة الرسولية: لا يقدم بولس إيمانه بالقيامة باعتباره اعتقادًا شخصيًا، بل باعتبارها حقيقة ترتبط مباشرة بالرسالة التي أُوكل إليه إعلانها. ولذلك يأتي اعتراض فستوس في لحظة إعلان بولس لهذه الرسالة، إذ قال له:
«إِنَّكَ تَهْذِي يَا بُولُسُ! كَثْرَةُ الْكُتُبِ تُحَوِّلُكَ إِلَى الْهَذَيَانِ!» (أع 26 : 24).
فيجيبه بولس مؤكدًا أن ما يقوله ليس هذيانًا، بل «كلام الصدق والصحو» (أع 26 : 25).
وهكذا يبرز لوقا التباين بين شهادة بولس الواثقة بالمسيح القائم من الأموات وبين من رأى هذه الرسالة أمرًا غير معقول أو لا يمكن تصديقه؛ ومع ذلك لم يتراجع بولس عن شهادته، بل ظل يعلن قيامة المسيح بثبات حتى وهو يقف مقيّدًا أمام الملك والوالي والحاضرين.
5. التأكيد على الإرسالية العالمية للمسيحية:
الرسالة إلى الأمم: في هذه المحاكمة، يتحدث بولس بوضوح عن الدعوة التي تلقاها من المسيح ليكون خادمًا وشاهدًا، موضحًا أن رسالته تمتد إلى اليهود والأمم. فهو يشرح لأغريباس أن المسيح أرسله إلى الأمم لكي «يَرْجِعُوا مِنْ ظُلُمَاتٍ إِلَى نُورٍ، وَمِنْ سُلْطَانِ الشَّيْطَانِ إِلَى اللهِ» (أع 26 : 16–18).
وتؤكد هذه الشهادة البعد العالمي للإنجيل، وهو أحد المحاور الأساسية في سفر الأعمال. فالرسالة التي بدأت في أورشليم لم تبقَ محصورة في حدودها، بل امتدت إلى اليهودية والسامرة ثم إلى الأمم، وصولًا إلى دوائر السلطة. ومن ثم فإن امتداد الإنجيل إلى الأمم لا يظهر في سرد لوقا باعتباره خروجًا عن قصد الله لإسرائيل، بل امتدادًا للخطة الخلاصية التي أعلنها الله في الأسفار المقدسة.
ومن هنا يمكن فهم وقوف بولس أمام أغريباس في ضوء كلمات المسيح في بداية السفر: «وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الْأَرْضِ» (أع 1 : 8 ). فوجود بولس أمام الملك يمثّل مرحلة متقدمة في هذا المسار؛ إذ لم تعد الشهادة بالمسيح تصل إلى مدن وشعوب مختلفة فحسب، بل أصبحت تصل أيضًا إلى دوائر الحكم والسلطة.
الدعوة إلى التوبة والتحول الروحي: لم تكن رسالة بولس إلى الأمم مجرد نقل معلومات عن المسيح، بل كانت إعلانًا للخلاص يتضمن دعوة صريحة إلى التوبة والرجوع إلى الله. ولذلك يوضح أنه كان يدعو الناس إلى أن «يَتُوبُوا وَيَرْجِعُوا إِلَى اللهِ وَيَعْمَلُوا أَعْمَالًا تَلِيقُ بِالتَّوْبَةِ» (أع 26: 20).
ومن ثم فإن الانتقال من الظلمة إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، لا يشير إلى مجرد انتقال فكري أو اعتناق معتقد جديد، بل إلى تحول شامل في علاقة الإنسان بالله وفي حياته وسلوكه. وهكذا تجمع الكرازة الرسولية في هذا المشهد بين الإعلان عن المسيح، والدعوة إلى التوبة، والرجوع إلى الله، والحياة التي تليق بالإيمان.
6. اختبار شخصية الملك أغريباس وفهمه للرسالة المسيحية:
من قضية بولس إلى الاستماع أمام الملك أغريباس:
قبل أن يبدأ بولس دفاعه في أعمال الرسل 26، يقدّم فستوس خلفية عن القضية أمام أغريباس والحاضرين. ويوضح أن الاتهامات الموجّهة إلى بولس لم تكن تتعلق بجريمة جنائية واضحة، بل بمسائل مرتبطة بالدين اليهودي وبشخص يسوع، الذي كان بولس يؤكد أنه حيّ بعد موته. ولذلك يقول فستوس: «وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ لَهُ مَسَائِلُ مِنْ جِهَةِ دِينِهِمْ، وَمِنْ جِهَةِ وَاحِدٍ اسْمُهُ يَسُوعُ، مَيْتٍ، كَانَ بُولُسُ يَقُولُ إِنَّهُ حَيٌّ» (أع25 : 19).
ويشرح فستوس كذلك أنه لم يكن يرى بوضوح كيفية معالجة هذه المسألة، ولذلك عرضها على أغريباس، قائلًا:
«وَإِذْ كُنْتُ مُرْتَابًا فِي الْبَحْثِ عَنْ هذِهِ الْمَسْأَلَةِ، قُلْتُ: أَلَعَلَّكُمْ تَأْتُونَ مَعِي إِلَى أُورُشَلِيمَ وَهُنَاكَ تُحَاكَمُونَ مِنْ جِهَةِ هذِهِ الْأُمُورِ؟» (أع 25 : 20).
ثم يوضح أن بولس، بعد أن رفع دعواه إلى قيصر، ظل قيد الاحتجاز انتظارًا لإرساله إلى قيصر (أع 25 : 21)
وبهذا نفهم سبب وجود أغريباس في المشهد؛ ففستوس، بوصفه الوالي الروماني المسؤول عن قضية بولس، كان بحاجة إلى فهم طبيعة المسألة التي أثارها المدّعون اليهود، بينما كان أغريباس، بحكم معرفته بالمسائل اليهودية، حاضرًا للاستماع إلى القضية.
وبينما كان فستوس يستعد لإرسال بولس إلى قيصر، أوضح حاجته إلى معرفة ما يمكن أن يكتبه عن قضيته، فقال: «وَإِلَى أَغْرِيبَاسَ الْمَلِكِ... لَيْسَ لِي شَيْءٌ يَقِينٌ أَكْتُبُ عَنْهُ إِلَى سَيِّدِي» (أع 25 : 26). ومن هنا جاء حضور أغريباس للاستماع إلى القضية وفهم طبيعة الاتهامات.
وهنا يبدأ التحول الحقيقي في المشهد. فبعد أن عرض فستوس القضية باعتبارها مسألة تتعلق بيسوع وبقول بولس إنه حيّ، يُمنح بولس الفرصة ليتحدث بنفسه. ولا يقدم بولس دفاعًا قانونيًا يقتصر على تفنيد الاتهامات، بل يستعرض مسار حياته، ولقاءه بالمسيح القائم في طريق دمشق، والدعوة التي تلقاها، ثم يربط كرازته بما سبق أن أعلنه موسى والأنبياء.
وعندما يصل بولس في حديثه إلى الأنبياء، يوجّه كلامه مباشرة إلى أغريباس قائلًا: «أَيُّهَا الْمَلِكُ أَغْرِيبَاسُ، أَتُؤْمِنُ بِالْأَنْبِيَاءِ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكَ تُؤْمِنُ» (أع 26 : 27).
ثم يرد أغريباس: «بِقَلِيلٍ تُقْنِعُنِي أَنْ أَصِيرَ مَسِيحِيًّا» (أع 26 : 28).
ويكشف هذا الحوار عن التحول اللافت في طبيعة المشهد؛ فالقضية التي بدأ فستوس بعرضها باعتبارها مسألة يهودية تتعلق بيسوع الذي يقول بولس إنه حيّ، تحولت إلى شهادة مباشرة بالمسيح وقيامته أمام الملك نفسه. وهكذا لم ينشغل بولس بمجرد تبرئة نفسه، بل استثمر فرصة المحاكمة ليعلن المسيح، رابطًا قيامته بالوعد الذي أعطاه الله للآباء وبما تكلم به موسى والأنبياء.
ومن هنا تظهر أهمية هذا المشهد في سياق المقال؛ فبولس، وهو المتهم في ظاهر القضية، يؤدي دوره كشاهد، بينما يتحول أغريباس من مستمع إلى القضية إلى مستمع مباشر لشهادة الإنجيل. وبذلك تتجاوز المحاكمة وظيفتها القضائية المباشرة، لتصبح منبرًا لإعلان المسيح أمام الملك والوالي والحاضرين.
وهذا يمثل خطوة متقدمة في المسار الذي يرسمه لوقا لشهادة بولس؛ فالقيود والمحاكمة لا توقفان رسالته، بل تصبحان وسيلة لبلوغ شهادته إلى دوائر الحكم والسلطة، بما ينسجم مع دعوة الرب له منذ البداية: «لِأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ» (أع 9 : 15).
7. الانطلاق نحو روما وتحقيق الوعد الإلهي
يصل السرد في هذا الأصحاح إلى استنتاج حاسم من الملك أغريباس والوالي فستوس بأن بولس لم يفعل شيئًا يستوجب الموت أو السلاسل؛ وهو ما يُبطل تمامًا التُّهم الموجهة إليه. وقد شكّل إقرار البراءة هذا الجسر الحقيقي الذي أتاح للرسالة الانطلاق من أورشليم والشرق إلى قلب الإمبراطورية (روما)؛ فبما أن بولس كان قد رفع دعواه سابقًا إلى قيصر، جاء هذا الحُكم العادل ليؤكد أن رحلته إلى العاصمة لم تكن مجرد مناورة قانونية أو استراتيجية للهروب، بل كانت إتمامًا دقيقًا للرؤيا الإلهية بأن يشهد للمسيح أمام الملوك والسلاطين.
الخلاصة:
محاكمة بولس في أعمال الرسل 26 تُعتبر نقطة تحول مهمة في السرد الإنجيلي لأنها تُظهر انتقال شهادة الإنجيل إلى مستوى جديد من الانتشار والمواجهة؛ فلم تعد الكرازة موجهة فقط إلى الجماهير والمجامع، بل أصبحت تُعلن أمام الملوك والولاة وأصحاب السلطة.
وفي هذا المشهد يجمع بولس بين عدة عناصر أساسية في الإيمان المسيحي: رجاء إسرائيل، ووعود الله للآباء، وشهادة الأنبياء، وقيامة المسيح، ودعوة اليهود والأمم إلى التوبة والرجوع إلى الله.
كما أن بولس لا يسمح لمحاكمته بأن تصبح نهاية لشهادته، بل يحولها إلى فرصة جديدة لإعلان المسيح والوصول بشهادته إلى أعلى مراكز السلطة، في مسار يقوده في النهاية إلى العاصمة روما.
وهكذا يظهر أحد الموضوعات الأساسية في سفر الأعمال: أن القيود والمحاكمات لا توقف انتشار كلمة الله، بل يمكن أن تتحول نفسها إلى منابر للشهادة، بل وأن تصبح جزءًا من الطريق الذي تمتد فيه الرسالة حتى تصل إلى روما .
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية أعمال الرسل 26 لا تكمن فقط في محاكمة بولس أو في مصيره الشخصي، بل في أن لوقا يقدم هذه المحاكمة باعتبارها مشهدًا تتقاطع فيه الشهادة الرسولية، وتحقيق الوعد، وقيامة المسيح، والإرسالية إلى الأمم، ووصول الإنجيل إلى الملوك والسلطات والعالم أجمع.
ولمزيد من الدراسات المتخصصة حول هذا الموضوع، يمكن الرجوع إلى المراجع الأكاديمية التالية:
Craig S. Keener, Acts: An Exegetical Commentary. Vol. 4: 24:1–28:31. Grand Rapids, MI: Baker Academic, 2015.
Ben Witherington III, The Acts of the Apostles: A Socio-Rhetorical Commentary. Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1998.
Joseph A. Fitzmyer, The Acts of the Apostles: A New Translation with Introduction and Commentary. Anchor Bible 31. New York: Doubleday, 1998.
C. K. Barrett, A Critical and Exegetical Commentary on the Acts of the Apostles. Vol. 2: Acts XV–XXVIII. Edinburgh: T&T Clark, 1998.
ليكون للبركة