الوحدة التاريخية-الفدائية للكتاب المقدس
دراسة في طرح مايكل ج. كروجر حول قانون العهد الجديد
عند دراسة قانون العهد الجديد، لا تقتصر المسألة على السؤال عن مصدر سلطة هذه الكتب أو عن كيفية التعرف على الأسفار القانونية، بل تشمل أيضًا النظر إلى موقع هذه الكتب داخل القصة الكتابية الكبرى. وفي هذا السياق يلفت مايكل ج. كروجر الانتباه إلى نوع آخر من الوحدة بين الأسفار المقدسة، إلى جانب الوحدة العقائدية، وهو ما يسميه الوحدة التاريخية-الفدائية (historical-redemptive unity).
والمقصود بهذه الوحدة أن الأسفار المقدسة لا تقدم مجموعة من القصص المستقلة أو الموضوعات المتفرقة، وإنما تتحد في قصة خلاص واحدة شاملة تمتد من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا، وتصل إلى ذروتها في شخص يسوع المسيح. ولذلك فإن العهد الجديد لا يظهر باعتباره قصة جديدة منفصلة عن العهد القديم، بل باعتباره استمرارًا للقصة التي بدأها العهد القديم وبلوغًا لها إلى غايتها في المسيح.
يقول كروجر إن المسألة بالنسبة إلى المسيحيين الأوائل لم تكن فقط معرفة ما إذا كانت كتب العهد الجديد تتفق مع كتب العهد القديم في عقيدة معينة، رغم أهمية ذلك، وإنما أيضًا معرفة ما إذا كانت كتب العهد الجديد قد أكملت بالفعل القصة التي بدأها العهد القديم.
Michael J. Kruger, Canon Revisited: Establishing the Origins and Authority of the New Testament Books (Wheaton, IL: Crossway, 2012).
أولًا: القصة الكتابية ليست مجموعة من القصص المنفصلة
لفهم هذه الفكرة، يستشهد كروجر بالباحث N. T. Wright، الذي يوضح أن اليهود في تلك الفترة لم يتعاملوا مع التقاليد الكتابية باعتبارها نصوصًا منفصلة لا يجمعها إطار واحد، بل كانوا قادرين على تصور القصة ككل، وكانوا ينتظرون خاتمتها الصحيحة.
وهذه الشهادة مهمة بالنسبة إلى حجة كروجر؛ لأن العهد القديم لم يكن يُفهم باعتباره مجرد مجموعة من النصوص التي انتهت وظيفتها بمجرد كتابتها، بل باعتباره قصة لها اتجاه وغاية وانتظار لخاتمة.
ومن هنا يصبح السؤال المتعلق بالعهد الجديد أعمق من مجرد السؤال: هل يحتوي على تعاليم تتوافق مع العهد القديم؟
بل السؤال هو:
هل العهد الجديد هو التتمة الصحيحة للقصة التي بدأها العهد القديم؟
N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress Press, 1992), 218.
ويعود كروجر إلى Wright مرة أخرى ليؤكد أن تاريخ إسرائيل بلغ ذروته في يسوع. وبذلك لا يظهر المسيح في العهد الجديد باعتباره شخصية منفصلة عن التاريخ الكتابي السابق، بل باعتباره ذروة المسار التاريخي والفدائي الذي بدأ في العهد القديم.
أي أن العهد الجديد لا يبدأ من فراغ، بل يفترض وجود قصة سابقة ويتقدم بها نحو غايتها.
N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress Press, 1992), 401.
ثانيًا: العهد الجديد يحمل طابع «التتمة»
وهنا يستشهد كروجر بالباحث Robert L. Brawley، الذي يصف العهد الجديد بأنه يحمل طابع التتمة، وأنه يفترض استمرار القصة نفسها، بحيث تصبح قصة إسرائيل الوطنية، من خلال هذا الاستمرار، ذات نطاق عالمي.
Robert L. Brawley, “Canonical Coherence in Reading Israel’s Scriptures with a Sequel,” in The Biblical Canons, ed. Jean-Marie Auwers and Henk Jan de Jonge (Leuven: Leuven University Press, 2003), 629–630.
والنقطة الأساسية هنا أن العهد الجديد لا يقدم نفسه باعتباره قصة دينية مستقلة عن إسرائيل، بل باعتباره تتمة للقصة نفسها.
وبذلك فإن عالمية رسالة العهد الجديد لا تعني التخلي عن قصة إسرائيل، وإنما تعني امتداد القصة التي بدأت في إسرائيل إلى نطاق أوسع.
وهذا أمر مهم في دراسة القانون؛ لأن العهد الجديد لا يبدو كإضافة عشوائية إلى مجموعة الأسفار السابقة، بل كمرحلة جديدة داخل التاريخ الفدائي نفسه.
ثالثًا: الأناجيل بوصفها استمرارًا للقصة الكتابية
ينتقل كروجر بعد ذلك إلى D. Moody Smith، الذي يناقش العلاقة بين الأناجيل ومفهوم الكتاب المقدس والقانون.
وفي دراسته الشهيرة When Did the Gospels Become Scripture?يناقش Smith السؤال المتعلق بمتى أصبحت الأناجيل تُعامل بوصفها «كتابًا مقدسًا»، ويضع المسألة ضمن العلاقة بين كتابة الأناجيل وبين تشكل قانون العهد الجديد.
وقد نُشرت الدراسة في Journal of Biblical Literature 119، العدد الأول، سنة 2000، الصفحات 3–20.
ويستفيد كروجر من Smith في التأكيد على أن الأناجيل يمكن فهمها باعتبارها استمرارًا للقصة الكتابية الواحدة المتعلقة بيسوع المسيح.
وهنا يجب الانتباه إلى أن المسألة ليست ببساطة أن الأناجيل تتحدث عن يسوع؛ فهناك كتابات أخرى نسبت أقوالًا إلى يسوع. وإنما السؤال الأهم هو:
هل يقدم الكتاب يسوع داخل القصة الكتابية التي بدأت في العهد القديم؟
D. Moody Smith, “When Did the Gospels Become Scripture?” Journal of Biblical Literature 119, no. 1 (2000): 8–9.
وهذا يقود كروجر إلى المقارنة مع إنجيل توما (المنحول).
فبحسب الشهادة التي ينقلها كروجر عن Smith، فإن توما ليس سردًا، ولا يمكن فهمه باعتباره استمرارًا للقصة الكتابية بالطريقة نفسها التي تتميز بها الأناجيل.
D. Moody Smith, “When Did the Gospels Become Scripture?” Journal of Biblical Literature 119, no. 1 (2000): 13.
ومن هنا تصبح البنية السردية للقصة الفدائية أحد العناصر المهمة في فهم الفرق بين الأناجيل القانونية وبين بعض الكتابات الأخرى التي ظهرت في البيئة المسيحية المبكرة.
رابعًا: لوقا واستمرار القصة الكتابية
ويستشهد كروجر كذلك بالباحث David E. Aune في سياق حديثه عن كتابات لوقا، حيث يرى أن لوقا يتعامل مع كتاباته باعتبارها استمرارًا للقصة الكتابية.
David E. Aune, “Luke 1:1–4: Historical or Scientific Prooimion?” in Paul, Luke and the Graeco-Roman World: Essays in Honour of Alexander J. M. Wedderburn, ed. A. Christopherson et al. (Sheffield: Sheffield Academic Press, 2002), 138.
وهذا يتفق بصورة واضحة مع الطريقة التي يبدأ بها لوقا إنجيله؛ فهو لا يقدم الأحداث باعتبارها قصة منفصلة عن التاريخ السابق، وإنما يضعها داخل سياق الأحداث التي سبقته، ثم يواصل السرد في سفر الأعمال.
وهذا يعزز الفكرة التي يريد كروجر إثباتها: أن كتابات العهد الجديد تستمر داخل السرد الكتابي السابق، ولا تظهر باعتبارها أدبًا دينيًا منفصلًا عنه.
خامسًا: الوحدة التاريخية-الفدائية تجعل العهدين كتابًا واحدًا
بعد عرض هذه الشهادات، يصل كروجر إلى نتيجة أساسية: أسفار العهد القديم والعهد الجديد ليست مجرد مجموعة من القصص التي تتناول موضوعات متنوعة، وإنما تتحد لتشكّل قصة خلاص شاملة واحدة.
وهذه الوحدة لا تلغي التنوع بين الأسفار، ولا تعني أن كل سفر يستخدم الأسلوب نفسه أو يتناول الموضوعات نفسها بالطريقة نفسها، وإنما تعني أن هذه الأسفار تتحرك داخل تاريخ خلاص واحد.
وهنا تصبح الوحدة التاريخية-الفدائية ذات أهمية مباشرة في موضوع قانون العهد الجديد؛ لأن الكتب القانونية ليست مجرد مجموعة من الوثائق التي جُمعت في مرحلة لاحقة، بل هي الكتب التي تقع داخل هذه القصة الكتابية الواحدة وتشارك في الإعلان عن غايتها.
ولا يقتصر كروجر على الحديث عن الوحدة التاريخية-الفدائية، بل يتحدث أيضًا عن الوحدة البنيوية (structural unity). فإذا كان العهد القديم والعهد الجديد يشكلان كتابًا واحدًا، فمن المتوقع أن تظهر هذه الوحدة ليس فقط في القصة المشتركة، بل أيضًا في البنية التي تربط الأسفار بعضها ببعض. ولذلك يرى كروجر أن الأسفار في العهد الجديد تتوافق بوصفها التتمة البنيوية للأسفار في العهد القديم.
سادسًا: المسيح هو مركز القصة الكتابية
وهنا ينتقل كروجر من الوحدة التاريخية-الفدائية إلى تمركز الكتب القانونية حول المسيح.
فالمسيحيون الأوائل لم يتعرفوا على الكتب القانونية فقط من خلال أصلها الرسولي، بل أيضًا من خلال طبيعتها التي تعلن المسيح وتمجده باعتباره الحل المنتظر لمشكلة الخطية والتمرد التي تظهر عبر القصة الكتابية.
ولهذا يستشهد كروجر بما تقرره وثيقة اعتراف وستمنستر للإيمان (Westminster Confession of Faith, 1.5) بشأن الطبيعة الإلهية للكتاب المقدس، إذ تشير إلى «الاكتشاف الكامل الذي يقدمه للطريق الوحيد لخلاص الإنسان»، وهو ما يربطه كروجر بكون المسيح محور الكتب القانونية.
لكن كروجر يضيف جانبًا آخر مهمًا: فالكتب القانونية ليست فقط كتبًا تتحدث عن المسيح، بل هي أيضًا كتب تأتي سلطتها الرسولية من المسيح.
ومن ثم يميز كروجر بين جانبين:
أصل رسولي ← من المسيح
مضمون إلهي ← يتحدث عن المسيح
وهذا هو أحد أهم مفاتيح حجته في هذا القسم.
سابعًا: المسيح هو العامل الموحِّد لجميع الكتب القانونية
لا يقتصر هذا الأمر على العهد الجديد، لأن العهد القديم نفسه يُفهم في ضوء شهادته للمسيح. ولهذا يشير كروجر إلى لوقا 24:44، حيث يربط المسيح نفسه بما هو مكتوب في ناموس موسى والأنبياء والمزامير.
ومن هنا يصل كروجر إلى عبارته المهمة جدًا:
«العامل الموحد لجميع الكتب القانونية هو يسوع المسيح. هو ما يجعل الكتاب المقدس كتابًا واحدًا».
Michael J. Kruger, Canon Revisited: Establishing the Origins and Authority of the New Testament Books (Wheaton, IL: Crossway, 2012).
وهذه العبارة تلخص الفكرة بأكملها: وحدة الكتاب ليست مجرد وحدة موضوعات، ولا مجرد اتفاق عقائدي بين مجموعة من المؤلفين، وإنما توجد وحدة تاريخية وفدائية ومسيحانية تربط أجزاء الكتاب بعضها ببعض.
الخلاصة
تكشف دراسة كروجر للوحدة التاريخية-الفدائية أن قانون العهد الجديد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجموعة من الكتب التي أضيفت لاحقًا إلى الكتاب المقدس، وإنما باعتباره استمرارًا للقصة الكتابية التي بدأت في العهد القديم.
فالعهد القديم يضع الأساس التاريخي والفدائي، وتاريخ إسرائيل يتحرك داخل وعود الله وعهوده وانتظار الخلاص، ثم يأتي المسيح بوصفه ذروة هذا التاريخ، ويأتي العهد الجديد ليعلن تحقق هذه القصة واستمرارها.
ومن هنا فإن الوحدة بين العهد القديم والعهد الجديد ليست مجرد تشابه في بعض الأفكار، بل وحدة قصة واتجاه وغاية.
وهذا هو السبب في أن كروجر ينتقل من الحديث عن الوحدة التاريخية-الفدائية إلى الحديث عن المسيح باعتباره مركز الكتب القانونية؛ فالكتب القانونية هي الكتب التي تنتمي إلى القصة الكتابية الواحدة، وتجد هذه القصة غايتها في المسيح.
وعلى هذا الأساس، فإن المسيح ليس مجرد أحد موضوعات الكتاب المقدس، بل هو العامل الموحِّد الذي يجعل الكتاب المقدس كتابًا واحدًا.
ليكون للبركة