قاعدة الإيمان (Rule of Faith – Regula Fidei) وعلاقتها بالأسفار المقدسة في الكنيسة الأولى: دراسة من كتابات مايكل جيه. كروجر (Michael J. Kruger)
بحث ودراسة: Patricia Michael
المقدمة
تُعَدّ قاعدة الإيمان (Regula Fidei – Rule of Faith) مصطلحًا شاع استخدامه في الأدب المسيحي المبكر منذ الربع الأخير من القرن الثاني الميلادي، حتى أصبح فهمه ضروريًا لتكوين تصور صحيح عن المفاهيم الايمانية في تلك الحقبة. وقد ظهرت صيغ متعددة متقاربة في المعنى، من بينها «قانون الحق» (Canon of Truth)، و«قاعدة الحق» (Regula Veritatis)، و«قاعدة الإيمان» (Regula Fidei).
وتشير هذه المصطلحات إلى معيار عقائدي محدد يعبّر عن المضمون الأساسي للإيمان المسيحي، ويُستخدم معيارًا للحكم على صحة التعليم والممارسة. وقد استُخدم المصطلح أيضًا بمعنى أوسع للدلالة على مجموع التعليم المسيحي الذي حافظت عليه الكنيسة ونقلته.
وتتمثل أهمية دراسة قاعدة الإيمان في علاقتها بالأسفار المقدسة في الكنيسة الأولى، وما تكشف عنه هذه العلاقة بشأن وحدة الرسالة الكتابية وترابط موضوعاتها. ومن هنا، تبرز مجموعة من التساؤلات: ما طبيعة العلاقة بين قاعدة الإيمان والأسفار المقدسة؟ وهل كانت قاعدة الإيمان تلخيصًا لمضمون الرسالة الكتابية، أم كان لها دور في توجيه فهم النصوص المقدسة وتفسيرها؟ وكيف تتصل هذه العلاقة بتاريخ تكوّن قانون أسفار العهد الجديد؟
تتناول هذه الدراسة العلاقة بين قاعدة الإيمان والأسفار المقدسة، بالاستناد إلى معالجة مايكل جيه. كروجر (Michael J. Kruger) في كتابه Canon Revisited: Establishing the Origins and Authority of the New Testament Books، وذلك بهدف بحث رؤيته لهذه العلاقة، وبيان مدى إسهامها في فهم الصلة بين الإيمان المسيحي والشهادة الكتابية في الكنيسة الأولى.
قاعدة الإيمان وعلاقتها بالأسفار المقدسة في معالجة مايكل جيه. كروجر
بعد التعريف بقاعدة الإيمان ودلالتها في الكتابات المسيحية المبكرة، ننتقل إلى دراسة علاقتها بالأسفار المقدسة من خلال معالجة مايكل جيه. كروجر (Michael J. Kruger) في كتابه Canon Revisited: Establishing the Origins and Authority of the New Testament Books.
يركز كروجر على دور قاعدة الإيمان في التعبير عن مضمون الإيمان الرسولي، وعلاقتها بالتقليد الذي تسلّمته الكنيسة الأولى، وكيف أسهمت في إبراز وحدة الرسالة الكتابية. ومن خلال هذه العلاقة، يبحث في الصلة بين التعليم الرسولي المتوارث والشهادة المكتوبة في أسفار العهد الجديد، ودور قاعدة الإيمان في فهم هذه الشهادة والتعامل مع الادعاءات المتعلقة بصحة التعليم المسيحي وسلطته.
كان التقليد الرسولي يؤدي دورًا محوريًا في تشكيل المعيار العقائدي للمسيحيين الأوائل. وقد عُرف هذا التقليد بمسميّات واصطلاحات متعددة، من بينها :
قاعدة الإيمان: Rule of Faith – Regula Fidei
قانون الحق: Canon of Truth – ὁ κανὼν τῆς ἀληθείας
قانون الكنيسة: Ecclesiastical Canon – ὁ κανὼν τῆς ἐκκλησίας
وتكشف كتابات عدد من الآباء، منهم ديونيسيوس أسقف كورنثوس، وهيبوليتوس، وإيريناوس، وإكليمنضس الإسكندري، وترتليان، وأوريجانوس، عن أهمية هذه القاعدة في مواجهة الهرطقات. وقد اكتسبت فاعليتها من كونها تُنقل شفهيًا، وموجزة نسبيًا، ومنتشرة على نطاق واسع بين الكنائس، الأمر الذي جعلها وسيلة عملية لنقل التعليم الرسولي والمحافظة عليه.
ومع ذلك، يميّز مايكل جيه. كروجر بين قاعدة الإيمان والتصورات اللاحقة للتقليد الكنسي. ففي مواجهة الهراطقة، لم يقدّم إيريناوس القاعدة باعتبارها تعليمًا أنشأته الكنيسة من عندها، بل بوصفها تقليدًا تسلّمته من الرسل، وتقوم الكنيسة بحفظه ونقله. وفي هذا السياق، يحيل إيريناوس خصومه إلى التقليد الرسولي المحفوظ في الكنائس من خلال تعاقب الأساقفة. ومن ثم، فإن وظيفة الكنيسة، وفق هذا التصور، هي المحافظة على الوديعة الرسولية، لا إنشاء مضمون عقائدي جديد مستقل عنها.
وبناءً على ذلك، لا يفهم كروجر قاعدة الإيمان باعتبارها مصدرًا مستقلًا يضيف تعاليم جديدة إلى الأسفار المقدسة، ولا باعتبارها تقليدًا منفصلًا عنها. بل هي ملخص للرسالة الكتابية، وتعبير عن البنية التي تربط موضوعات الأسفار المقدسة بعضها ببعض. ويعبّر إيريناوس عن هذه الوظيفة بوصف القاعدة بأنها «ترتيب وربط الأسفار المقدسة». وبهذا المعنى، لم تكن القاعدة مجرد مجموعة من العبارات العقائدية المنفصلة، بل كانت إطارًا يوضح وحدة الرسالة الكتابية، ولا سيما العلاقة بين العهد القديم وعمل الفداء الذي تحقق في المسيح.
ويستشهد كروجر بتوضيح كريستوفر سيتز (Christopher Seitz) لهذه النقطة، إذ يرى أن قاعدة الإيمان لدى آباء الكنيسة الأوائل تربط الإنجيل بالشهادة الموثوقة لأسفار إسرائيل، التي فُهمت في ضوء مجيء المسيح بوصفها العهد الأول والشهادة التأسيسية. ويتوافق ذلك مع ما ينقله عن إكليمنضس الإسكندري، الذي يصف القانون الكنسي بأنه توافق وانسجام الشريعة والأنبياء مع العهد الذي أُعلن عند مجيء الرب. وهكذا، تؤدي قاعدة الإيمان دورًا تفسيريًا يبرز وحدة الشهادة الكتابية وصلتها بالمسيح، بدلًا من التعامل مع العهد القديم باعتباره منفصلًا عن الرسالة الإنجيلية.
ويمكن فهم قاعدة الإيمان كذلك باعتبارها ملخصًا للرسالة التي تتضمنها كتابات العهد الجديد. ويشير كروجر إلى وجود علاقة متبادلة بين القاعدة وهذه الكتابات: فمن ناحية، أسهمت قاعدة الإيمان في التعامل مع بعض الكتب التي كان الاعتراف بسلطتها موضع نقاش؛ ومن ناحية أخرى، تشكّلت القاعدة نفسها في ضوء الكتب التي كانت الكنيسة تستخدمها منذ وقت مبكر. ويرتبط ذلك بفهم كتب العهد الجديد بوصفها التجسيد المكتوب للتقليد الرسولي الشفهي. فإذا كانت قاعدة الإيمان تلخص هذا التقليد، فإنها تلخص، من هذه الناحية، الرسالة التي تشهد لها كتابات العهد الجديد أيضًا.
لذلك يوضح كروجر أن العلاقة بين قاعدة الإيمان وكتب العهد الجديد لم تكن علاقة أحادية الاتجاه؛ فقد استُخدمت قاعدة الإيمان معيارًا لفهم مدى توافق التعليم الوارد في هذه الكتب مع الإيمان الرسولي، وفي المقابل، أسهمت الكتب المقدسة في توضيح مضمون قاعدة الإيمان وإبراز أساسها الكتابي. وبذلك، فإن العلاقة بينهما تقوم على الترابط والتفاعل: فقاعدة الإيمان تعبّر عن جوهر الإيمان الذي تسلّمته الكنيسة، بينما تقدّم كتب العهد الجديد الشهادة المكتوبة التي يُستند إليها في فهم هذا الإيمان وتفسيره.
ويؤكد كروجر أن إيريناوس لم يتعامل مع قاعدة الإيمان بوصفها تقليدًا قابلًا للتغيير أو التطور إلى مضمون عقائدي مختلف. فقد شدد إيريناوس على أن الكنيسة تحفظ الكرازة والإيمان اللذين تسلّمتهما، وأن الذين يتولون رئاسة الكنائس لا يعلنون تعليمًا آخر. ويستعين كروجر بتفسير جون بير (John Behr)، الذي يوضح أن التقليد عند إيريناوس ليس تقليدًا حيًا بمعنى أنه ينمو أو يتغير أو يتحول إلى شيء آخر. ويظهر هذا الموقف في مقابلة إيريناوس بين الإيمان الرسولي المحفوظ ودعاوى الهراطقة، مثل فالنتينوس وماركيون وسيرينوس، الذين ارتبطت تعاليمهم بما اعتبره إيريناوس انحرافًا عن الوديعة الرسولية. وبالنسبة إليه، ينبغي للكنيسة أن ترجع إلى الشهادة الرسولية الأصلية، المحفوظة في الأسفار المقدسة والمعبّر عنها في قاعدة الإيمان، لا أن تستبدل بها تعليمًا جديدًا.
وأخيرًا، يستخلص كروجر من استخدام الآباء الأوائل لقاعدة الإيمان دلالة مهمة بشأن فهمهم لوحدة الأسفار المقدسة. فلم ينظروا إليها بوصفها مجموعة غير مترابطة من الأفكار اللاهوتية، بل بوصفها رواية متكاملة تتضمن موضوعات مترابطة يمكن تلخيصها والتعبير عنها في صيغة عقائدية موجزة. ومن هنا، أسهمت قاعدة الإيمان في توفير إطار لقراءة الأسفار المقدسة وتفسيرها، من خلال إبراز الانسجام بين أجزائها. غير أن هذا الانسجام لم يُفهم باعتباره بناءً اصطناعيًا فُرض على النصوص من الخارج، بل باعتباره انسجامًا قائمًا في الرسالة الكتابية نفسها، أمكن للقاعدة أن تلخصه وتوضحه.
وبذلك، يرى كروجر أن قاعدة الإيمان كانت أداة لحفظ التعليم الرسولي، وتلخيص الرسالة الكتابية، وإبراز وحدتها، كما أدت دورًا في مواجهة التفسيرات الهرطوقية وفي فهم العلاقة بين التقليد الرسولي الشفهي وكتب العهد الجديد. ويرتبط هذا كله باقتناع الآباء الأوائل بأن الأسفار المقدسة تحمل رسالة متماسكة يمكن التعبير عن مضمونها في صيغة إيمانية جامعة.
Michael J. Kruger, Canon Revisited: Establishing the Origins and Authority of the New Testament Books،
Theodor Zahn, “Regula Fidei,” in The New Schaff-Herzog Encyclopedia of Religious Knowledge, vol. IX.
ليكون للبركة
Patricia Michael