المولود من الآب قبل كل الدهور: من قانون الإيمان المسيحي والمرجعية الكتابية

Patricia Michael

قبل أن نتناول عبارة «مَوْلُودٌ مِنَ الآبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ» الواردة في قانون الإيمان، ينبغي أن نتوقف أولًا عند موقعها داخل البنية الكاملة للإيمان المسيحي، إذ إنها تأتي في سياق الإعلان عن الابن وعلاقته الأزلية بالآب. وهذه العبارة لا تتحدث عن ميلاد الابن بحسب الجسد في بيت لحم، بل عن ولادته الأزلية من الآب، وهي حقيقة تجد أساسها في الشهادة الكتابية عن أزلية الابن ووجوده السابق للخليقة.

ولفهم دلالة هذه العبارة بصورة أدق، ننتقل إلى الشهادة الكتابية التي تكشف عن أزلية الابن وولادته الأزلية من الآب:

1. «المولود من الآب قبل كل الدهور»

عبارة «المولود من الآب قبل كل الدهور» لا تتحدث عن ميلاد المسيح بحسب الجسد في بيت لحم، بل عن ولادته الأزلية من الآب. ولذلك ينبغي التمييز بين ولادته الأزلية من الآب، وميلاده بحسب الجسد من العذراء مريم في الزمن.

فالابن لم يبدأ وجوده في الزمن، بل هو مولود من الآب قبل كل الدهور. أما ميلاده من العذراء مريم في بيت لحم، فهو دخوله التاريخ بحسب الجسد من خلال التجسد.

ومن هنا، ننتقل إلى الشهادة الكتابية التي تكشف عن أزلية الابن، ووجوده السابق للخليقة، ومجده مع الآب.

2. «قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ، أَنَا كَائِنٌ»

يقول المسيح لليهود:

«قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ، أَنَا كَائِنٌ»

(يوحنا 8: 58).

في هذا التعبير يلفت المسيح النظر إلى وجوده القائم قبل إبراهيم، ويضع وجوده في مقابل وجود إبراهيم الذي له بداية في الزمن. فهو لا يتحدث هنا عن مجرد أسبقية زمنية، بل يعلن عن وجود يتجاوز حدود الزمن، وفي ذلك تأكيد على ألوهيته وأزليته. ولذلك أثارت كلماته رد فعل اليهود، الذين فهموا منها ادعاءً يتجاوز مجرد كونه أسبق من إبراهيم. وهذا ينسجم مع الشهادة الكتابية عن أزلية الابن.

3. «أنا أصل وذرية داود»

مع أن المسيح يُدعى بحسب الجسد «ابْنَ إِبْرَاهِيمَ» و**«ابْنَ دَاوُدَ»**، فإنه يقول في سفر الرؤيا:

«أَنَا أَصْلُ وَذُرِّيَّةُ دَاوُدَ، كَوْكَبُ الصُّبْحِ الْمُنِيرُ»(رؤيا 22: 16).

فهو «ذُرِّيَّةُ دَاوُدَ» بحسب تجسده وناسوته، وفي الوقت نفسه هو «أَصْلُ دَاوُدَ» من جهة لاهوته، بما يكشف عن وجوده السابق لداود.

4. المجد الذي كان له قبل كون العالم

يقول المسيح في صلاته إلى الآب:

«وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الْآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ»(يوحنا 17: 5).

فالابن يتحدث عن مجد كان له «قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ»؛ أي إن وجوده ومجده لا يرتبطان بوجوده في ملء الزمان، بل يسبقان ذلك.

وهذا يتفق مع ما يعلنه إنجيل يوحنا في افتتاحيته عن الكلمة:

«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ»(يوحنا 1: 1).

5. الابن والخليقة

ثم يوضح إنجيل يوحنا:

«كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ»(يوحنا 1: 3).

ويقول أيضًا:

«كَانَ فِي الْعَالَمِ، وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ»(يوحنا 1: 10).

فإذا كان كل شيء قد صار به، فهذا يؤكد أسبقيته على الخليقة، وأنه كان موجودًا قبلها.

6. الابن هو الذي به عمل الله العالمين

يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين إن الله:

«كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ»(عبرانيين 1: 2).

فالابن هو الذي به عَمِلَ اللهُ العالَمين، مما يؤكد أزليته وأسبقيته على الخليقة.

7. «مَخَارِجُهُ مُنْذُ أَيَّامِ الْأَزَلِ»

وتجد هذه الحقيقة صدىً مهمًا في نبوة ميخا عن بيت لحم أفراتة:

«أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا، فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِيَ الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الْأَزَلِ»(ميخا 5: 2).

فالنبوة تجمع بين ميلاده الجسدي في بيت لحم، وبين الإشارة إلى أن «مَخَارِجَهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الْأَزَلِ».

فميلاده في بيت لحم يعلن دخوله التاريخ بحسب الجسد، أما القول إن مخارجه منذ أيام الأزل فيكشف أن وجوده سابقٌ لميلاده في بيت لحم أي ازليته؛ فالذي وُلد هناك بحسب الجسد هو الابن الأزلي، المولود من الآب قبل كل الدهور.

8. السلطان الأبدي لابن الإنسان

ويتوافق ذلك أيضًا مع رؤية دانيال النبي عن «مِثْلِ ابْنِ إِنْسَانٍ»، الذي أُعطي:

«سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا، لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ»(دانيال 7: 13–14).

وتكشف هذه الرؤية عن مُلكٍ أبدي وسلطان لا يزول.

الخلاصة

بعد أن استعرضنا الشهادة الكتابية التي تكشف عن أزلية الابن، ووجوده قبل إبراهيم، ومجده مع الآب قبل كون العالم، وأن كل شيء كان به، وبه عمل الله العالمين، يتضح أن ميلاده في بيت لحم لم يكن بداية وجوده، بل كان ميلاده بحسب الجسد في الزمن. فالذي وُلد من العذراء في بيت لحم هو نفسه الابن الأزلي، المولود من الآب قبل كل الدهور.

ومن هنا، لا تأتي عبارة قانون الإيمان: «مَوْلُودٌ مِنَ الآبِ قَبْلَ كُلِّ الدُّهُورِ» كتعليم منفصل عن الأسفار الكتابية، بل تؤكد وتلخّص ما تشهد به هذه النصوص عن أزلية الابن وولادته الأزلية من الآب.

#تفسيرات_الكتاب_المقدس

ليكون للبركة

Patricia Michael