«الناطق في الأنبياء»: الروح القدس والمرجعية الكتابية

Patricia Michael

قبل أن نتناول عبارة «الناطق في الأنبياء» الواردة في قانون الإيمان، ينبغي أن نتوقف أولًا عند موقعها داخل البنية الكاملة للإيمان المسيحي بالروح القدس؛ لأن هذه العبارة لا تأتي بوصفها إضافة عرضية إلى مجموعة من الصفات، ولا باعتبارها مجرد وصف للدور الذي أدّاه الروح القدس في مرحلة من مراحل التاريخ، بل تأتي في سياق اعتراف عقائدي متكامل يجمع بين هوية الروح القدس الإلهية، وعمله في الخلق والحياة، وعلاقته بالآب والابن، وعمله في تاريخ الإعلان الإلهي.

ما الداعي للبحث في تعليم الكتاب عن الروح القدس؟

قد يبدو البحث في الروح القدس مرتبطًا أساسًا بعقيدة الثالوث وبالإيمان بطبيعة الله فقط، غير أن الإيمان بالروح القدس لا يقتصر على بيان هويته وعلاقته بالآب والابن، بل يشمل أيضًا عمله في الوحي والنبوة وإعلان كلمة الله. وهذا هو ما تعبّر عنه بوضوح عبارة قانون الإيمان: «الناطق في الأنبياء». فالروح القدس ليس موضوعًا هامشيًا في الإيمان المسيحي، بل هو أحد أقانيم الثالوث القدوس، والكتاب المقدس لا يقدّمه بوصفه مجرد قوة إلهية، بل ينسب إليه فعل الوحي والاعلان ، ويربط عمله مباشرة بالأنبياء والرسل.

ومن هنا تكتسب عبارة «الناطق في الأنبياء» أهميتها العقائدية؛ فهي لا تتحدث عن عمل ثانوي أو هامشي للروح القدس، بل تشير إلى عمله بوصفه الفاعل الإلهي في الوحي، الذي تكلّم من خلال الأنبياء وأعلن كلمة الله. ولذلك فإن دراسة هذه العبارة في قانون الإيمان ليست دراسة لعبارة عقائدية معزولة، بل هي مدخل إلى فهم أوسع للعلاقة بين الروح القدس والنبوة والوحي والكتاب المقدس؛ وتحديدًا، كيف يقدّم الكتاب المقدس الروح القدس بوصفه الفاعل الإلهي في الوحي؟ وكيف يرتبط عمله في الأنبياء بفهم طبيعة الكتاب المقدس ومرجعيته بوصفه شاهدًا لإعلان الله؟

نقول في قانون الإيمان المسيحي:

«ونؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن يُسجد له ويُمجَّد، الناطق في الأنبياء».

وهذا الترتيب مهم لاهوتيًا؛ إذ ينتقل الاعتراف من مَن هو الروح القدس إلى عمل الروح القدس; فالروح القدس هو «الرب المحيي»، وهو منبثق من الآب، وهو مع الآب والابن موضع السجود والتمجيد؛ ثم يُذكر عمله في الأنبياء. وبذلك لا يُقدَّم فعل الروح القدس في الوحي منفصلًا عن هويته، بل يُقدَّم بوصفه فعلًا إلهيًا صادرًا عن الروح القدس نفسه.

ومن هنا تكتسب عبارة «الناطق في الأنبياء» أهميتها العقائدية. فالإيمان المسيحي لا يتحدث هنا عن قوة إلهية مجهولة تعمل في الخلفية، ولا عن تأثير روحي عام يجعل الإنسان أكثر حكمة أو إلهامًا، بل عن الروح القدس نفسه بوصفه الفاعل الإلهي في عملية الإعلان؛ أي أن الله لم يترك معرفته وإرادته للبحث البشري وحده، بل أعلن ذاته للإنسان، وكان الروح القدس فاعلًا في هذا الإعلان من خلال الأنبياء.

وهنا نصل إلى نقطة جوهرية كثيرًا ما تُغفل عند مناقشة عبارة «الناطق في الأنبياء»: العلاقة بين الروح القدس والكتاب المقدس ليست علاقة لاحقة بين إلهام غامض ونص مكتوب، بل هي جزء من فهم الكنيسة لطبيعة الوحي نفسه. فالكتاب المقدس، في الإيمان المسيحي، لا يُفهم بوصفه مجرد سجل بشري لتجارب دينية قديمة، ولا بوصفه مجموعة من التأملات التي صاغها الأنبياء اعتمادًا على قدراتهم الفكرية الخاصة، بل بوصفه شهادة عن إعلان الله الذي عمل الروح القدس في نقله من دائرة الإعلان الإلهي إلى الشهادة النبوية.

ولهذا فإن عبارة «الناطق في الأنبياء» تفتح أمامنا سؤالًا أعمق من مجرد: ماذا قال الأنبياء؟ فهي تقود إلى سؤال: من الذي كان يتكلم من خلالهم؟ وكيف تفهم الكنيسة العلاقة بين الله المتكلم، والروح القدس الفاعل، والنبي الذي ينطق، والنص الذي وصل إلى الكنيسة بوصفه شاهدًا لهذا الإعلان؟

إن أهمية هذا السؤال تظهر بصورة خاصة عندما نتذكر أن كلمة «النبي» في التصور الكتابي لا تعني مجرد شخص يتنبأ بأحداث مستقبلية؛ فالنبي هو من يتلقى كلمة الله ويعلنها بأمانة إلى شعب الله. ومن ثم فإن الحديث عن الروح القدس «الناطق في الأنبياء» يتعلق بجوهر وظيفة النبي: أن يكون شاهدًا لإعلان إلهي لا مصدرًا ذاتيًا له.

وعليه، فإن العبارة الواردة في قانون الإيمان تحمل في داخلها ثلاث دوائر مترابطة: الروح القدس، والأنبياء، والوحي الإلهي. فالروح القدس هو الفاعل الإلهي، والأنبياء هم أدوات الشهادة والإعلان، والكتاب المقدس هو الشهادة المعيارية التي حفظت هذا الإعلان للكنيسة. ومن هنا تنشأ صلة مباشرة بين عقيدة الروح القدس وبين المرجعية الكتابية؛ لأن الاعتراف بأن الروح القدس «تكلم في الأنبياء» يعني أن الكتاب لا يُقرأ في الإيمان المسيحي باعتباره نصًا منفصلًا عن عمل الله، بل باعتباره مرتبطًا بتاريخ الإعلان الذي كان الروح القدس فاعلًا فيه.

وبهذا المعنى، فإن «الناطق في الأنبياء» ليست مجرد عبارة قديمة محفوظة في قانون الإيمان، بل هي مفتاح لاهوتي لفهم العلاقة بين الروح القدس والوحي والكتاب المقدس. فهي تربط بين أقنوم الروح القدس وعمله، وبين التاريخ النبوي والشهادة الكتابية، وبين الإيمان بالروح القدس والاعتراف بسلطة الكتاب المقدس.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا وضعت الكنيسة هذه العبارة في صلب اعترافها الإيماني: فالروح القدس الذي «يُسجد له ويُمجَّد» مع الآب والابن هو نفسه الذي «تكلم في الأنبياء»؛ أي إن عمله في الوحي ليس عمل قوة أدنى من عمل الله، ولا نشاطًا بشريًا مستقلًا عن الله، بل هو امتداد لعمل الله نفسه في إعلان ذاته وإرادته للبشر.

وعلى هذا الأساس، فإن دراسة عبارة «الناطق في الأنبياء» ينبغي ألا تبدأ من تعريف لغوي مجرد، بل من داخل هذا الإطار اللاهوتي: هوية الروح القدس أولًا، ثم عمله في الإعلان، ثم علاقته بالأنبياء، ثم انعكاس ذلك على طبيعة الكتاب المقدس ومرجعيته. وعندها يتضح أن العبارة لا تتحدث فقط عن أن الروح القدس «ساعد» الأنبياء على الكلام، بل تشير إلى حقيقة أعمق: أن الروح القدس كان فاعلًا إلهيًا في نقل إعلان الله من خلال الشهادة النبوية، وأن الكنيسة ربطت منذ وقت مبكر بين عمل الروح في الأنبياء وبين السلطة الإلهية للكتاب المقدس.

يقول الرسول بطرس بوضوح:

«لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (2بط 1: 21).

وهنا يضع بطرس الرسول أساسًا واضحًا لفهم النبوة والوحي: فالنبوة، في أصلها، ليست مبادرة بشرية، بل إعلان إلهي؛ إذ إن البشر يتكلمون، لكنهم يتكلمون وهم مسوقون من الروح القدس. فالروح القدس لا يلغي الإنسان ولا يمحو شخصيته، بل يعمل فيه ويقوده لكي ينطق بما أعلنه الله.

ولهذا نجد أن الرسل أنفسهم ينسبون أقوال الأنبياء مباشرة إلى الروح القدس.

فعندما تحدث الرسول بولس إلى اليهود قال:

«حَسَنًا كَلَّمَ الرُّوحُ الْقُدُسُ آبَاءَنَا بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ قَائِلًا...» (أع 28: 25).

واللافت هنا أن بولس لا يقول فقط إن إشعياء تكلم، بل ينسب الكلام إلى الروح القدس الذي تكلم بواسطة إشعياء. فالروح القدس هو مصدر الوحي، وإشعياء هو النبي الذي نطق بالكلمة، حاملًا هذا الإعلان الإلهي ومعلنًا إياه.

والأمر نفسه يظهر في كلام السيد المسيح عن داود. فعندما اقتبس من المزمور قال:

«لأَنَّ دَاوُدَ نَفْسَهُ قَالَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي...» (مر 12: 36).

وهكذا يوضح المسيح نفسه أن داود قال كلمات المزمور بالروح القدس. فالكلام خرج من فم داود، لكنه لم يكن مجرد تعبير بشري مستقل، بل كان داود يتكلم تحت عمل الروح القدس وقيادته.

ويؤكد الرسول بطرس المعنى ذاته عندما يتحدث عن النبوات المتعلقة بيهوذا الإسخريوطي، إذ يقول:

«كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ الَّذِي سَبَقَ الرُّوحُ الْقُدُسُ فَقَالَهُ بِفَمِ دَاوُدَ عَنْ يَهُوذَا» (أع 1: 16).

وهذه الآية من أوضح النصوص في التعبير عن حقيقة الوحي: الروح القدس قال، ولكنه قال بفم داود. فالروح القدس هو الذي أوحى بالكلام، وداود هو النبي الذي نطق به.

ومن هنا نفهم بصورة أدق معنى عبارة قانون الإيمان: «الناطق في الأنبياء».

فالمقصود ليس أن الروح القدس أعطى الأنبياء معلومات أو أفكارًا فحسب، ثم تركهم يتحدثون بمعزل عن عمله، بل إن الكتاب المقدس يقدمه باعتباره العامل الإلهي في النبوة، الذي قاد الأنبياء وساقهم لكي ينطقوا بما أعلنه الله. ولهذا فإن العبارة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بحقيقة الوحي الإلهي.

ولا يقتصر عمل الروح القدس في الإعلان على أنبياء العهد القديم، بل يمتد أيضًا إلى شهادة الرسل ورسالتهم. فقد قال السيد المسيح لتلاميذه:

«لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ، بَلِ الرُّوحُ الْقُدُسُ» (مر 13: 11).

كما قال لهم:

«وَأَمَّا الْمُعَزِّي، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ» (يو 14: 26).

ويشرح الرسول بولس هذا العمل بقوله:

«وَنَتَكَلَّمُ أَيْضًا بِهَا، لاَ بِأَقْوَالٍ تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ» (1كو 2: 13).

إذن، فالروح القدس هو الذي عمل في تاريخ الإعلان الإلهي، وتكلم بالأنبياء، وقاد الرسل في إعلان رسالة الله. ولذلك يمكن القول إن عبارة «الناطق في الأنبياء» تختصر جانبًا أساسيًا من العقيدة الكتابية الخاصة بالوحي: الله يعلن كلمته، والروح القدس يعمل في البشر ويقودهم لكي ينطقوا بهذا الإعلان ويحملوه إلى الآخرين.

ولهذا يقول الرسول بولس:

«كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ» (2تي 3: 16).

وإذا كان الكتاب المقدس موحًى به من الله، فإن الكتاب المقدس نفسه يوضح لنا كيف عمل هذا الوحي في الأنبياء والرسل: «مسوقين من الروح القدس»، و**«كلم الروح القدس بإشعياء»، و«قال الروح القدس بفم داود»**.

ومن هنا تحمل عبارة «الناطق في الأنبياء» بُعدين متلازمين:

أولًا: إعلان عن الوحي الإلهي، لأن الأنبياء تكلموا تحت قيادة الروح القدس وعمله.

ثانيًا: شهادة كتابية عن شخص الروح القدس ولاهوته، لأن الكتاب ينسب إليه أعمالًا إلهية: فهو يتكلم، ويقود، ويعلّم، ويوحي، ويعلن كلمة الله.

وهكذا، عندما نعترف في قانون الإيمان بأن الروح القدس هو «الناطق في الأنبياء»، فإننا نعلن أن تاريخ الوحي ليس مجرد تاريخ كلمات بشرية عن الله، بل هو تاريخ إعلان الله الذي نطق به بشر تحت قيادة وعمل الروح القدس. فالأنبياء هم الذين تكلموا بأفواههم، أما الروح القدس فكان يعمل فيهم ويقودهم لكي ينطقوا بما أعلنه الله.

#تفسيرات_الكتاب_المقدس

ليكون للبركة

Patricia Michael