منهجيات التعامل مع صعوبات الكتاب المقدس: التفسير التحليلي للنص (Exegesis)
من منهجيات التعامل مع صعوبات الكتاب المقدس التي يقترحها غليسون آرتشر(Gleason L. Archer) : فهم النص في سياقه اللغوي والتاريخي والأدبي من خلال التفسير التحليلي الدقيق (Exegesis)، قبل افتراض وجود خطأ أو تناقض.
الفكرة الأساسية
المقصود من كلام غليسون آرتشر هنا هو وضع منهج للتعامل مع صعوبات الكتاب المقدس، وتتمثل الفكرة الأساسية في مبدأ بسيط، لكنه بالغ الأهمية:
لا تبدأ بافتراض أن النص أخطأ، بل ابدأ بمحاولة فهم النص كما قصده كاتبه وفي سياقه الأصلي.
فالتفسير الصحيح لا يكون بمجرد قراءة الآية ثم إعطائها معنى يتوافق مع رأينا المسبق، وإنما يتطلب تطبيق منهج التفسير التحليلي للنص (Exegesis) ؛ أي أن نسأل أولًا:
ماذا كان الكاتب يقصد بهذه الكلمات عندما كتبها، وكيف كان ينبغي أن يفهمها القارئ الأصلي؟
كيف نصل إلى المعنى المقصود؟
ولهذا يقترح آرتشر مجموعة من الخطوات التي تساعد على الوصول إلى المعنى المقصود للنص، ومن أهمها:
دراسة الكلمات الأساسية الواردة في النص.
الرجوع إلى المعاجم العبرية واليونانية لتحديد دلالات الكلمات، مع مراعاة السياق الذي وردت فيه.
دراسة كيفية استخدام الكلمة نفسها في المواضع الموازية، وعدم افتراض أن للكلمة معنى واحدًا ثابتًا في جميع السياقات.
الانتباه إلى التعبيرات الاصطلاحية والتراكيب اللغوية، إذ قد تحمل الكلمة أو العبارة معنى خاصًا عندما تأتي ضمن تركيب محدد.
مقارنة استعمال المصطلح أو التعبير في مواضع أخرى من الكتاب المقدس، مع مراعاة اختلاف السياقات وعدم اقتطاع المعنى من موضع إلى آخر بصورة آلية.
وبذلك لا يُبنى تفسير النص على الانطباع الشخصي أو على معنى معجمي مجرد، بل على دراسة النص في سياقه، ولغته، وبنيته الأدبية، وطريقة استعمال ألفاظه.
التفسير التحليلي للنص أم إسقاط الأفكار عليه؟
هنا يظهر الفرق المنهجي المهم بين Exegesis وEisegesis:
Exegesis
التفسير التحليلي للنص أو استخراج المعنى من النص؛ أي محاولة الوصول إلى المعنى الذي قصده الكاتب من خلال دراسة اللغة والسياق والبنية الأدبية.
Eisegesis
إسقاط المعنى على النص أو إدخال معنى إلى النص؛ أي تحميل النص فكرة مسبقة، ثم محاولة جعله يقول ما يتوافق معها، حتى لو لم يكن هذا المعنى هو الذي تفرضه قرائن السياق.وهذا المنهج فيه خلل منهجي جوهري؛ لأنه يقلب اتجاه التفسير: فبدل أن يُستخرج المعنى من النص، يُحمَّل النص معنى مسبقًا، ثم تُنتقى من ألفاظه وقرائنه ما يخدم النتيجة المراد إثباتها.
وبعبارة أكثر مباشرة:
فالمعنى من مصطلح Exegesis هو التفسير التحليلي للنص:
أي أن نبدأ من النص ونسأل: ماذا أراد الكاتب أن يقول؟
أما Eisegesis فتعني إسقاط الأفكار على النص:
أي أن نبدأ من فكرة مسبقة ثم نسأل: كيف يمكن أن أجعل النص يقول ما أريد إثباته؟وهذا المنهج فيه خلل منهجي جوهري
وهذا الفرق ليس مجرد تمييز اصطلاحي، بل هو مبدأ أساسي في التعامل المنهجي مع النصوص الصعبة؛ لأن الباحث لا ينبغي أن يبدأ بالنتيجة التي يريد إثباتها، ثم يبحث عن معنى يمكن أن يخدمها، بل يبدأ بالنص نفسه، ويدرس لغته وسياقه وبنيته واستعمال ألفاظه، ثم يصل إلى المعنى الذي تسمح به قرائن النص في سياقه.
قاعدة منهجية في التعامل مع الشبهات
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة مهمة في التعامل مع ما يُطرح باعتباره «تناقضًا» أو «خطأً» في الكتاب المقدس:
لا يجوز حل مشكلة ظاهرية في النص بإعطائه معنى لم يقصده كاتبه؛ بل يجب أولًا تحديد معنى النص في سياقه اللغوي والتاريخي والأدبي، قبل إصدار الحكم عليه.
وهذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن وجود صعوبة في النص لا يعني تلقائيًا وجود خطأ في النص.
فقد تكون الصعوبة ناتجة عن سوء فهم السياق، أو دلالة كلمة معينة، أو أسلوب أدبي، أو تعبير اصطلاحي، أو اختلاف في طريقة عرض الحدث، أو افتراض مسبق لدى القارئ.
لذلك، فإن وجود سؤال أو إشكال في فهم النص لا يبرر القفز مباشرةً إلى استنتاج وجود تناقض؛ بل ينبغي أولًا فحص النص نفسه، وتحديد ما يقوله فعلًا، وما الذي كان يقصده كاتبه ضمن سياقه الأصلي.
وعليه، فإن السؤال المنهجي لا ينبغي أن يكون: «كيف أثبت أن النص أخطأ؟» بل: «ماذا يقول النص فعلًا، وماذا كان يقصد كاتبه عندما كتبه؟»
وهنا يبدأ التفسير الحقيقي للنص.
ليكون للبركة