«وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَأَيْضًا يَأْتِي فِي مَجْدِهِ لِيَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، الَّذِي لَيْسَ لِمُلْكِهِ انْقِضَاءٌ»
من قانون الإيمان المسيحي والمرجعية الكتابية
بحث ودراسة: Patricia Michael
تُعَدُّ العبارة الواردة في قانون الإيمان المسيحي: «وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَأَيْضًا يَأْتِي فِي مَجْدِهِ لِيَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، الَّذِي لَيْسَ لِمُلْكِهِ انْقِضَاءٌ»، من العبارات التي تلخّص في صياغة موجزة مجموعة من الحقائق الجوهرية المتعلقة بالمسيح: جلوسه عن يمين الآب، ومجيئه الثاني في المجد، وسلطانه في الدينونة، وملكوته الأبدي. ولا تأتي هذه العبارات بوصفها تأملات لاهوتية منفصلة عن الشهادة الكتابية، بل تعبّر عن حقائق يمتد أساسها في نصوص متعددة من الكتاب المقدس، وتتداخل في رسم صورة متكاملة للمسيح الملك والديّان.
وتكشف المرجعية الكتابية لهذه العبارات عن تسلسل لاهوتي واضح؛ فالمسيح الذي صعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب هو نفسه الذي سيأتي في المجد للدينونة، وهو نفسه صاحب السلطان والملكوت الأبدي الذي «لَيْسَ لِمُلْكِهِ انْقِضَاءٌ». ويظهر هذا التسلسل منذ إعلان المزمور: «قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ» (مز 110: 1)، ثم في رؤية دانيال لابن الإنسان الذي أُعْطِيَ «سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا»، وأن «سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ» (دا 7: 13–14). ويبلغ هذا الإعلان كماله في شهادة العهد الجديد عن المسيح القائم، الجالس عن يمين الآب، والذي سيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، والذي لا يزول ملكوته ولا يكون لملكه انقضاء.
ومن ثم، فإن دراسة هذه العبارات لا تقتصر على شرح ألفاظ قانون الإيمان، بل تهدف إلى تتبّع أصولها في الإعلان الكتابي، وبيان كيفية ترابط الشهادات الخاصة بمجد المسيح وسلطانه ومجيئه ودينونته وملكوته. فالمرجعية الكتابية هنا لا تقدّم نصوصًا متفرقة، وإنما تكشف عن وحدة الشهادة الكتابية لشخص المسيح وعمله ومجده وملكوته الأبدي.
وسنتناول كل عبارة في ضوء النصوص الكتابية المرتبطة بها، لنرى كيف يعلن الكتاب المقدس أن المسيح جلس عن يمين الآب، وأنه سيأتي في المجد ليدين الأحياء والأموات، وأن ملكوته ليس ملكوتًا زمنيًا يزول، بل ملكوت أبدي «لَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ» (لو 1: 33).
وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ
قد يتساءل البعض: إذا كانت عبارة «وجلس عن يمين أبيه» واردة في قانون الإيمان، فأين نجدها في الكتاب المقدس؟
الجواب أن قانون الإيمان لا يضع هنا تعليمًا من عنده، بل يصوغ في عبارة مختصرة ما تشهد له نصوص العهد الجديد. وأوضح نص في ذلك هو قول الإنجيل: «ثُمَّ إِنَّ الرَّبَّ بَعْدَمَا كَلَّمَهُمْ، رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اللهِ» (مر 16: 19). كما يقول الرسول بولس إن المسيح «أَقْعَدَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ» (أف 1: 20)، ويقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: «جَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ العَظَمَةِ فِي السَّمَاوَاتِ» (عب 8: 1).
أما صياغة «عن يمين أبيه» في قانون الإيمان، فهي ليست اقتباسًا حرفيًا من آية واحدة، بل صياغة عقائدية تلخص شهادة كتابية واضحة تتكرر في مواضع متعددة. فالقانون لا يشترط أن تكون كل عبارة فيه نسخة حرفية من آية واحدة، وإنما أن يكون مضمونها مؤسسًا على شهادة الكتاب المقدس.
بل إن هذه الشهادة ترجع أيضًا إلى النبوة الواضحة في مزمور 110: «قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ» (مز 110: 1)، وهو النص الذي طبقه العهد الجديد على المسيح مرارًا.
وتتكرر هذه الشهادة في قول المسيح نفسه: «مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ القُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ» (مت 26: 64)، وفي قول الرسول بولس عن المسيح الذي «هُوَ أَيْضًا عَنْ يَمِينِ اللهِ» (رو 8: 34)، وفي قول الرسول بطرس إن المسيح «هُوَ فِي يَمِينِ اللهِ، إِذْ قَدْ مَضَى إِلَى السَّمَاءِ» (1بط 3: 22).
ويرتبط هذا الجلوس أيضًا بعمله الخلاصي، إذ «احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ» (عب 12: 2). وقد أعلن المسيح نفسه أمام رئيس الكهنة: «مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ القُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ» (مت 26: 64)، وهو ما رآه القديس اسطفانوس أيضًا: «وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ» (أع 7: 55). وترجع هذه الشهادة إلى ما ورد في المزمور: «قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ» (مز 110: 1).
ولا يُفهم «يَمِينُ الآبِ» هنا بمعنى مكاني أو جسدي، لأن الله غير محدود بمكان او زمان ولا تحده الجهات. فاليمين في الاستخدام الكتابي يرمز إلى القوة والكرامة والمجد والسلطان، كما في قول المرنم: «يَمِينُ الرَّبِّ صَنَعَتْ قُوَّةً» (مز 118: 15)، وقول موسى: «يَمِينُكَ يَا رَبُّ تُحَطِّمُ العَدُوَّ» (خر 15: 6). لذلك فإن قول قانون الإيمان «وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ» يعني أن المسيح، بعد صعوده إلى السماء، استقر في المجد والقوة والكرامة والسلطان.
وهذا الجلوس لا يعني أن الابن بدأ حينئذٍ يمتلك المجد الإلهي، بل يعلن مجده الذي كان له قبل بدء العالم، كما قال هو نفسه: «وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ العَالَمِ» (يو 17: 5). فالجلوس عن يمين الآب يرتبط بإعلان هذا المجد بعد إتمام عمل الفداء، وبعد اتضاعه وآلامه بحسب الجسد، دون أن يعني ذلك أن لاهوته كان قد فارق مجده أو فقد شيئًا من كماله الإلهي.
ومن هنا يرتبط الجلوس عن يمين الآب مباشرة بما يلي في قانون الإيمان، إذ ينتقل الإعلان من جلوس المسيح عن يمين الآب إلى مجيئه في المجد للدينونة:
وَأَيْضًا يَأْتِي فِي مَجْدِهِ لِيَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ
بعد أن يعلن قانون الإيمان جلوس المسيح عن يمين الآب، ينتقل مباشرة إلى مجيئه الثاني، قائلًا: «وَأَيْضًا يَأْتِي فِي مَجْدِهِ لِيَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ». والمقصود أن المسيح يأتي في مجده الإلهي، لا في مجد جديد يُمنح له، بل في المجد الذي كان له عند الآب قبل كون العالم، كما قال في صلاته: «وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ العَالَمِ» (يو 17: 5).
ويؤكد المسيح أن مجيئه سيكون في مجد الآب نفسه، إذ يقول: «فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلَائِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ» (مت 16: 27). وهذا الإعلان يكشف أن مجد الابن ومجد الآب ليسا مجدين متعارضين أو منفصلين، بل انّ الابن والآب واحد في المجد الإلهي.
ويرتبط هذا المجيء ارتباطًا مباشرًا بالدينونة. ففي حديث المسيح عن مجيئه يقول: «وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ المَلَائِكَةِ القِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ» (مت 25: 31)، ثم يصف اجتماع الشعوب أمامه وتمييزه بين الأبرار والأشرار. ويؤكد سفر الرؤيا المعنى نفسه: «هَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي، لِأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ» (رؤ 22: 12).
وهذا المجيء يرتبط أيضًا بالقيامة العامة وانقضاء العالم، إذ يعلن المسيح: «تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي القُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ» (يو 5: 28–29). لذلك فعبارة «لِيَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ» تشمل الجميع: الأحياء الذين يكونون موجودين عند مجيئه، والأموات الذين يقومون للدينونة.
ويؤكد الرسول بولس أن الجميع سيقفون أمام المسيح للدينونة: «لأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نَظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ المَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا» (2كو 5: 10).
وهكذا يجمع قانون الإيمان في هذه العبارة بين ثلاثة أمور مترابطة: مجيء المسيح في المجد، والقيامة العامة والدينونة، ثم إعلان ملكوته الأبدي.
ومن هنا تأتي العبارة التالية: «الَّذِي لَيْسَ لِمُلْكِهِ انْقِضَاء».
تختم هذه العبارة ما يختص بالمسيح في هذه الجزئية في قانون الإيمان بالإعلان عن ملكوته الابدي وعدم انقضائه. وهذه الحقيقة سبق أن تنبأ عنها دانيال النبي في رؤيته لابن الإنسان، قائلًا: «سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ» (دا 7: 14). كما أعلن الملاك جبرائيل للعذراء مريم عند البشارة: «وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ» (لو 1: 33).
فملكوت المسيح ليس ملكوتًا أرضيًا محدودًا بزمن أو مرتبطًا بنظام عالمي زائل، بل هو ملكوت أبدي. ولهذا، عندما قال اللص للمسيح: «اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ» (لو 23: 42)، أجابه المسيح: «اليَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الفِرْدَوْسِ» (لو 23: 43). فالفردوس هو عربون الملكوت، والدخول إليه هو بداية التمتع بما أعده المسيح للمؤمنين في ملكوته الأبدي.
«وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أَبِيهِ، وَأَيْضًا يَأْتِي فِي مَجْدِهِ لِيَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، الَّذِي لَيْسَ لِمُلْكِهِ انْقِضَاءٌ»
وهكذا تكتمل الشهادة التي يعلنها قانون الإيمان عن الابن في هذه الجزئية: جلس عن يمين الآب، وسيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات، وليس لملكه انقضاء. وبذلك يختتم قانون الإيمان هذا الجزء بالإعلان عن مجد المسيح وسلطانه، مؤكدًا أن ملكوته ليس له انقضاء.
ليكون للبركة