شرح عبارة " حَسَبَ إِنْجِيلِي" كما هو مكتوب في الرسالة الى رومية 2 : 15 - 16 بحسب فكر اوريجينوس

Patricia Michael

لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ، 15 الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً، 16 فِي الْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ يَدِينُ اللهُ سَرَائِرَ النَّاسِ حَسَبَ إِنْجِيلِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. رومية 2 : 15-16

يُعلّق العلامة أوريجينوس على التعبير: "حسب إنجيلي" [16]، قائلًا: [الآن ليس لدينا عمل كتابي لبولس يدعى إنجيلًا، وإنما كل ما كرز به وما قاله هو الإنجيل، وما كرز به وما قاله كان أيضًا في حكم المكتوب؛ وما كتبه كان الإنجيل. وإن كان ما كتبه بولس إنجيلًا، فإن ما كتبه بطرس أيضًا هو إنجيل؛ وفي كلمة كل ما قيل أو كُتب ليُخلِّد معرفة حلول المسيح على الأرض، ويهيء لمجيئه الثاني أو ليقدّم ذلك كحقيقة قائمة في تلك النفوس التي تريد أن تتقبّل كلمة الله الواقف على الباب يقرع ويطلب أن يدخل فيها.]

يبدأ  أوريجينوس بتوضيح أن الرسول بولس لم يكتب عملاً منفصلاً يُدعى "إنجيلاً"، كما هو الحال مع الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، يوحنا)، لكنه يؤكد أن كل ما كرز به بولس هو إنجيل، لأن الإنجيل ليس مجرد كتاب مكتوب، بل هو الإعلان عن المسيح، سواء بالكلام أو بالكتابة.

بهذا المنظور، لا يقتصر معنى "الإنجيل" على النصوص الأربعة القانونية، بل يمتد إلى كل تعليم رسولي يشهد لحلول المسيح وعمله الفدائي. هذا الفهم يتماشى مع تعليم الكنيسة المبكر، حيث كان "الإنجيل" يعني البشارة بالخلاص في المسيح، سواء نُقلت شفوياً أو دُوّنت في الكتابات المقدسة.

ثم يتطرق في قوله حول العلاقة بين الشهادة الرسولية والإنجيل ويشير إلى أن كل ما كتبه بولس هو إنجيل، وما كتبه بطرس هو أيضًا إنجيل، لأن كليهما يقدّم شهادة مباشرة عن حقيقة المسيح. هذا الطرح يرسّخ مفهوم أن الإنجيل ليس محصورًا فقط في السرد التاريخي لحياة يسوع، بل يشمل أيضًا التفسير اللاهوتي لعمله الخلاصي، وهو ما نجده في رسائل الرسل.

ويُؤكّد أوريجينوس في تفسيره على أن النظر إلى الإنجيل لا ينبغي أن يقتصر على كونه نصًا مكتوبًا فحسب، بل يجب أن يُعتبر تجربة حية. وفي هذا السياق، يُقدّم بُعدًا روحيًا عميقًا حيث يشير إلى أن الإنجيل ليس فقط إعلانًا عن حلول المسيح في التاريخ أو سردًا لحياته الأرضية، بل يتجاوز ذلك ليشمل كل تعليم رسولي يهدف إلى إعلان المسيح وإعداد القلوب لاستقباله. وهو بذلك يُعبّر عن حقيقة قائمة في النفوس التي تتقبل كلمة الله. ويتناغم هذا مع قوله في الكتاب المقدس: "هَأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي." (رؤيا 3: 20)، مما يبيّن أن قبول الإنجيل لا يقتصر على القراءة أو الاستماع، بل هو استقبال شخصي للمسيح في القلب.

ولا يقتصر تفسير اوريجينوس على الدلالة الروحية فحسب بل يتضمن ايضا دلالة لاهوتية ودفاعية ، فمن خلال هذا التفسير يرد أوريجينوس على أي مفهوم ضيّق للإنجيل يقتصر على النصوص المكتوبة فقط، مؤكدًا أن كل ما نادى به الرسل يُعتبر إنجيلاً، سواء كان منطوقًا أم مكتوبًا. هذا الفهم يدعم التقليد الرسولي، حيث كانت الكنيسة الأولى تؤمن أن سلطة التعليم لم تكن فقط في النصوص، بل أيضًا في الإعلان الشفوي المنقول عبر الرسل وخلفائهم.

الخلاصة :

يُفسّر أوريجينوس عبارة "حسب إنجيلي" على أن الإنجيل ليس مجرد كتاب، بل هو كل ما كرز به الرسل وشهدوا للمسيح، سواء بالكلمة أو بالكتابة. ويربط الإنجيل بالتجربة الروحية الشخصية، حيث لا يكون مجرد رسالة مكتوبة، بل هو حضور المسيح الفاعل في النفوس التي تستقبله بالإيمان.

ليكون للبركة

Patricia Michael