-كيفية فهم العبارات والاوصاف البشرية (Anthropomorphisms) في نصوص الكتاب المقدس لتوصيل حقائق عن الله بحسب القديس غريغوريوس النزينزي

Patricia Michael

التمييز بين اللغة المجازية والحقائق اللاهوتية.

يقول القديس غريغوريوس النزينزي : لقد ورد في الكتابات الالهية ان الله " يستيقظ" ويغضب" وينام" ويمشي" وانه جالس على الكاروبيم، فهل اخضع لذلك كله في الحقيقة؟ هل بلغك يوما ان الله جسم؟ انها اشياء لا توجد الا في المخيلة ، فقد استعرنا ما لنا لندلل بعض الدلالات على ما لله .

هذا الاقتباس عن القديس غريغوريوس النزينزي وفيه يعكس منهج التفسير الرمزي والتأويلي للكتاب المقدس، وهو منهج كان شائعًا بين آباء الكنيسة، خاصة عند مواجهة الأوصاف البشرية (Anthropomorphisms) لله. يعتمد هذا النهج على فهم هذه الأوصاف لا بوصفها تعبيرًا حرفيًا عن طبيعة الله، بل بوصفها وسائل بلاغية تساعد الإنسان على استيعاب أمور إلهية لا يمكن للعقل البشري أن يدركها مباشرة.

تحليل النص:

الأوصاف البشرية لله في الكتاب المقدس

القديس غريغوريوس يشير إلى أمثلة مثل "يستيقظ"، "يغضب"، "ينام"، "يمشي"، و"يجلس على الكاروبيم"، وهي تعبيرات وردت في النصوص المقدسة، لكنها لا تعني أن لله جسدًا أو أنه يخضع لتغيرات بشرية.

التأكيد على الطبيعة غير المادية لله

يتساءل غريغوريوس بلهجة نقدية: "هل بلغك يومًا أن الله جسم؟" مما يعكس رفضًا واضحًا لأي تصور حرفي عن الله بصفات جسدية. وهذا يتسق مع اللاهوت المسيحي التقليدي الذي ينص على أن الله روح (يوحنا 4 : 24).

يوضح القديس غريغوريوس أن هذه الأوصاف هي استعارات مأخوذة من التجربة الإنسانية، بهدف توصيل مفاهيم إلهية بطريقة يفهمها البشر، أي أن الكتاب المقدس يستخدم لغة بشرية لتوصيل حقائق عن الله.

هذا الطرح يتماشى مع الجدل اللاهوتي في القرن الرابع الميلادي، حيث كان هناك تفاعل مع الفكر الوثني والفلسفي الذي قد يتهم المسيحية بأنها تنسب لله صفات غير لائقة أو أنه يشبه الآلهة الوثنية التي تتصف بصفات بشرية. كان رد غريغوريوس، وغيره من الآباء، يتمثل في التأكيد على أن هذه الأوصاف رمزية وليست تعبيرًا عن طبيعة الله الفعلية .

تحليل قول القديس غريغوريوس النزينزي في سياق الدفاعيات المسيحية

1. السياق الدفاعي: مواجهة التشبيه والتجسيم

القديس غريغوريوس النزينزي، كأحد أبرز آباء الكنيسة في القرن الرابع، كان يواجه قضايا لاهوتية معقدة، منها سوء الفهم المتعلق بصفات الله في الكتاب المقدس. في هذا السياق، كان هناك تياران رئيسيان في الجدل اللاهوتي:

الاتجاه الحرفي المتشدد: الذي يقرأ أوصاف الله في الكتاب المقدس بشكل حرفي، مما يؤدي إلى أفكار تجسيمية وتشبيهية لله.

الاتجاه الفلسفي التأويلي: الذي يرفض أي فهم حرفي لهذه الأوصاف، محاولًا التوفيق بين النصوص المقدسة والفلسفة الهيلينية.

النزينزي هنا يدافع عن العقيدة المسيحية ضد من يقرأ اوصاف الله في الكتاب المقدس بشكل حرفي حول مفهومي التشبيه(Anthropomorphism) والتجسيم (Corporealism)، مؤكدًا أن الله غير مادي، وأن أوصافه البشرية في الكتاب المقدس هي استعارات تهدف إلى توصيل مفاهيم روحية لا يجب أن تُفهم بشكل حرفي.

2. يمكن تقسيم دفاع النزينزي إلى ثلاثة محاور رئيسية عند الرد على الشبهات المتعلقة بأوصاف الله البشرية:

أولًا: تأويل الأوصاف البشرية وفقًا لمنطق اللغة والاستعارة

عندما يقول الكتاب المقدس إن الله "يستيقظ" (مزمور 78 : 65) أو "يندم" (تكوين 6:6)، فإن المقصود ليس أن الله يختبر مشاعر بشرية فعلية، بل هذه تعبيرات تنازلية (Accommodation) يستخدمها الوحي الإلهي لمساعدة الإنسان على فهم عمل الله في التاريخ.

هذه الفكرة تتماشى مع تفسير آباء الكنيسة مثل أوغسطينوس ويوحنا الذهبي الفم، الذين شددوا على أن الله لا يتغير، لكن الإنسان هو الذي يختبر أفعاله بطريقة تُوصف بلغة بشرية.

3. تطبيق الدفاعيات المسيحية على قضايا حديثة

ما زال هذا الموضوع محل جدل في الحوار بين المسيحية والتيارات الأخرى، مثل:

-الملحدين المعاصرين: الذين ينتقدون الكتاب المقدس بناءً على الأوصاف البشرية لله، معتبرين إياها دليلًا على أن فكرة الله هي مجرد إسقاط إنساني.

-الحوار مع الاديان الاخرى التي تحاول انتقادات للنظرة المسيحية عن الله عن غير دراسة او وعي او فهم للنصوص.

الرد على القراءات النقدية الحديثة: حيث يحاول بعض اللاهوتيين الحداثيين إعادة تفسير النصوص المسيحية من منظور فلسفي صرف، مما قد يؤدي إلى إنكار الطبيعة الجوهرية لله.

ثانيًا: الدفاع عن طبيعة الله غير المتغيرة

يقول النزينزي: "هل بلغك يومًا أن الله جسم؟"، مؤكدًا أن أي تصور لله بصفات بشرية حرفية يتناقض مع التعاليم المسيحية الجوهرية التي تصف الله بأنه "روح" (يوحنا4 : 24).

هذا يتعارض مع بعض الفرق التي تأثرت بالفكر اليهودي الحرفي أو التي حاولت فرض تصورات مادية عن الله.

ثالثًا: مقارنة الفكر المسيحي بالفكر الوثني والفلسفي

في زمن النزينزي، كانت المسيحية تواجه هجومًا مزدوجًا:

من الفلاسفة الوثنيين مثل الأفلاطونيين الجدد، الذين اتهموا المسيحيين بأنهم يعبدون إلهًا متغيرًا بسبب الأوصاف البشرية في الكتاب المقدس.

من الجماعات الغنوصية والهرطوقية، التي رفضت العهد القديم بحجة أنه يقدم تصورًا غير لائق عن الله.

النزينزي، في رده، يوضح أن الأوصاف البشرية في الكتاب المقدس ليست نقطة ضعف، بل على العكس، هي وسيلة إلهية لتوصيل الحقائق بطريقة يفهمها البشر، دون أن تعني أن الله متغير أو مادي.

خاتمة: النزينزي كمدافع عن الإيمان

يُظهر القديس غريغوريوس النزينزي في هذا الاقتباس أحد أهم أساليب الدفاعيات المسيحية: التمييز بين اللغة المجازية والحقائق اللاهوتية. يمكننا أن نستفيد من هذا النهج في الحوارات المعاصرة، من خلال التأكيد على أن اللغة البشرية قاصرة عن وصف الله، ولذلك يستخدم الكتاب المقدس صورًا أدبية لمخاطبة الفهم البشري، دون أن تعني هذه الصور أن الله محدود بصفات بشرية.

ليكون للبركة

Patricia Michael