في مقارنة بين آدم الأول والمسيح (آدم الثاني ) بحسب القديس ايرينيؤس
يشرح القديس ايرينئوس في مقارنة بين آدم والمسيح، امتدادا لما قدمه لنا القديس بولس الرسول في رسائله . فالمسيح هو آدم الثاني ، قمة وتاج البشرية منذ آدم الاول، وقد اتخذ البشرية كلها جسدا له واستجمعها من جديد في نفسه وخلصها . وهكذا فان ميلاده وموته يستعيدان - بطريقة ما - تاريخ آدم والبشرية.
وهكذا صار الكلمة جسدا ، حتى تبطل الخطية تماما بواسطة هذا الجسد نفسه الذي سبق ان ملكت فيه الخطية، لذلك اخذ الرب لتجسده نفس الشكل الاول حتى يشترك في المعركة عن اسلافه ويغلب في آدم ما صرنا نحن مغلوبين منه في آدم .
يقول القديس ايرينيؤس
لأن الجميع اقتيدوا الى الموت بسبب عصيان ابونا الاول آدم، فكان مناسبا وضروريا ان يَبْطل نير الموت بواسطة طاعة ذاك. الذي صار انسانا من اجلنا. وبسبب ان الموت ساد على الجسد. كان من الضروري ان يهزت الموت بواسطة الجسد ويخلّص الانسان من سطوته. وهكذا صار الكلمة جسدا لكي بواسطة الجسد الذي استعبدته الخطية، يخلّصنا المسيح من الخطية كي لا نعود نستعبد من الخطية. لذلك اخذ ربنا جسدا شبيها بجسد أبينا الاول ، لكي بجهاده - عوضا عن ابوينا الاولين - ينتصر على ذاك الذي في آدح جرحنا جرحا مميتا .
يعكس هذا النص فهمًا لاهوتيًا مسيحيًا تقليديًا للفداء، يقوم على العلاقة بين آدم والمسيح، وهو موضوع مركزي في كتابات الآباء الرسوليين والآباء المدافعين، مثل إيريناوس وأثناسيوس الرسولي وغيرهما .
1- يتبنى النص مفهوم الرأسين:
آدم باعتباره رأس البشرية الأولى، والذي أدخل العصيان والموت إلى العالم.
المسيح باعتباره آدم الثاني، الذي جلب الطاعة والحياة الأبدية.حيث يضع بولس الرسول مقارنة بين آدم الأول والمسيح كآدم الثاني الذي يحقق الفداء من خلال طاعته. هذا المفهوم مستوحى من :رومية 5: 12-19"مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ. فَإِنَّهُ حَتَّى النَّامُوسِ كَانَتِ الْخَطِيَّةُ فِي الْعَالَمِ. عَلَى أَنَّ الْخَطِيَّةَ لاَ تُحْسَبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ نَامُوسٌ. لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ، الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي. وَلكِنْ لَيْسَ كَالْخَطِيَّةِ هكَذَا أَيْضًا الْهِبَةُ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا نِعْمَةُ اللهِ، وَالْعَطِيَّةُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي بِالإِنْسَانِ الْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، قَدِ ازْدَادَتْ لِلْكَثِيرِينَ! وَلَيْسَ كَمَا بِوَاحِدٍ قَدْ أَخْطَأَ هكَذَا الْعَطِيَّةُ. لأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ وَاحِدٍ لِلدَّيْنُونَةِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَمِنْ جَرَّى خَطَايَا كَثِيرَةٍ لِلتَّبْرِيرِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ بِالْوَاحِدِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ، سَيَمْلِكُونَ فِي الْحَيَاةِ بِالْوَاحِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ! فَإِذًا كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ، هكَذَا بِبِرّ وَاحِدٍ صَارَتِ الْهِبَةُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، لِتَبْرِيرِ الْحَيَاةِ. لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا." (رو 5: 12-19).
و1 كورنثوس 15: 21-22، حيث يضع بولس الرسول مقارنة بين آدم الأول والمسيح كآدم الثاني الذي يحقق الفداء من خلال طاعته.
"فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ." (1 كو 15: 21-22).
2. مفهوم الفداء والتجسد
يؤكد النص أن الفداء لا يمكن أن يتم إلا من خلال الجسد، لأن الموت تسلط على الطبيعة البشرية، وبالتالي، كان لا بد أن يتم الخلاص عبر اتحاد الكلمة بالجسد. هذا يتماشى مع فكر أثناسيوس الرسولي في كتابه "تجسد الكلمة"، حيث يقول:"إذ كان ضرورياً أن يُقهر الموت في الجسد، كان ينبغي أن يتخذ الكلمة جسداً قابلاً للموت لكي يتمكن من هزيمة الموت فيه."
هذا الطرح يعكس رفضًا لأي تصور للخلاص الذي لا يتضمن التجسد، كما نجده في بعض التيارات الغنوصية التي أنكرت أن المسيح اتخذ جسدًا حقيقيًا.
3. العلاقة بين الطاعة والعصيان
يبرز النص العلاقة بين طاعة المسيح وعصيان آدم، وهو تأكيد على أن الخلاص لا يتم فقط بالموت على الصليب، بل أيضًا من خلال حياة المسيح الكاملة وطاعته للآب. هذه الفكرة تتجلى في كتابات الآباء، خاصة في لاهوت إيريناوس، حيث يقول:"لقد صار المسيح ما نحن عليه، لكي نصير نحن ما هو عليه."وبالتالي، فإن المسيح يعكس آدم:آدم عصى فأدخل الموت إلى العالم.المسيح أطاع حتى الموت، فألغى سلطان الموت.
ليكون للبركة
من كتاب دراسات في آباء الكنيسة