🟪 هل كانت الأناجيل حقًا مجهولة المؤلف؟ من كتب الأناجيل حقًا؟ Dr. Brant Pitre

بحث ودراسة: Patricia Michael

هل كانت الأناجيل الأربعة في بدايتها كتبًا مجهولة المؤلف، ثم أُضيفت إليها أسماء متّى ومرقس ولوقا ويوحنا بعد مرور عقود، بهدف إضفاء سلطة رسولية عليها؟ أم أن هذه الفرضية لا تصمد أمام الأدلة التاريخية التي وصلتنا من المخطوطات ومن الكتابات المسيحية المبكرة؟

هذا هو السؤال الذي يتناوله الدكتور Brant Pitre في عرضه Who Really Wrote the Gospels?، من خلال فحص المسألة من منظور تاريخي، بعيدًا عن افتراض الإيمان المسبق، والاعتماد على نوعين رئيسيين من الأدلة: الدليل الداخلي المستمد من النصوص والمخطوطات، والدليل الخارجي المستمد من شهادات الكتّاب المسيحيين الأوائل الذين عاشوا قريبًا من عصر الرسل، أو عرفوا أشخاصًا كانت لهم صلة مباشرة بهم.

والسؤال هنا ليس مجرد: «ما الأسماء التي تحملها الأناجيل في نسخنا الحالية؟» بل السؤال الأهم تاريخيًا هو: هل توجد أي مرحلة يمكن إثباتها تاريخيًا كانت فيها هذه الأناجيل مجهولة المؤلف بالفعل؟

إذا كانت النظرية القائلة بمجهولية الأناجيل صحيحة، فمن الطبيعي أن نتوقع أن تترك لنا المخطوطات أو الشهادات القديمة أثرًا لهذه المرحلة: نسخًا بلا أسماء، أو اختلافًا مبكرًا حول هوية المؤلفين، أو نسبًا متباينة بين جماعات وكنائس مختلفة. لكن ماذا نجد عندما نعود إلى الأدلة القديمة نفسها؟

هنا تبدأ المسألة في اتخاذ منحى مختلف تمامًا؛ إذ إن فحص المخطوطات اليونانية الموجودة، ثم مقارنتها بالشهادات المسيحية المبكرة، يضع أمامنا سؤالًا أكثر دقة: هل افترض الباحثون مجهولية الأناجيل لأن الأدلة تثبتها فعلًا، أم لأنهم أعادوا بناء سيناريو تاريخي لا تترك لنا المصادر القديمة دليلًا مباشرًا عليه؟

فيما يلي نستعرض حجة بيتري كما يقدمها، بدءًا من المخطوطات والأدلة الداخلية، ثم ننتقل إلى الشهادات الخارجية، وصولًا إلى شهادة إيريناوس في القرن الثاني، لنختبر السؤال الأساسي: هل كانت الأناجيل الأربعة مجهولة المؤلف في أي وقت يمكن إثباته تاريخيًا؟

🟪 يقول الدكتور برانت:

عند تناولِ أيّ مسألةٍ تاريخية—من منظور البحث التاريخي العقلاني المجرّد بعيدًا عن افترضات الإيمان المسبقة—ينبغي أولًا تحديدُ مؤلفِي الكتبِ التي نبحث فيها، وفي هذه الحالة تحديدُ مؤلفِي الأسفارِ التي نطلق عليها «الأناجيل الأربعة». وتوجد طريقتان أساسيتان للتحقق من هوية مؤلف أيّ كتاب: الدليل الداخلي المستمد من السِّفْر ذاته، والدليل الخارجي المستمد من شهادات المعاصرين للمؤلف، أو مَن عرفوه، أو مَن كانوا على صلةٍ بأشخاصٍ عرفوه.

ولنأخذ كتابًا حديثًا على سبيل المثال: إذا أردنا معرفة مَن ألّف كتابًا معيّنًا، فالخطوة الأولى هي فتحه أو النظر إلى غلافه حيث يُدوَّن اسم المؤلف، وهـذا يمثّل دليلًا على نسبة الكتاب إليه. بيد أننا نعلم أن الكتب قد تطالها يد التزوير؛ فقد يصنّف شخصٌ كتابًا ثم ينسبه زورًا إلى غيره. ومن ثَمَّ، إذا قام أيّ سببٍ يستدعي الشك، فإننا نلجأ إلى الدليل الخارجي؛ أي بالرجوع إلى معاصري المؤلف، أو إلى مَن عرفوا أناسًا كانوا على صلةٍ به، وسؤالهم عما إذا كان هو بالفعل صاحب ذلك المصنَّف، تعزيزًا وتوثيقًا لنسبة الكتاب إليه.

فعلى سبيل المثال، لو سألتَ زوجتي: «هل ألّف برانت كتابًا في العام الماضي؟»، لأجابتك: «نعم»، ولَشهِدَت أيضًا بأن ذلك الكتاب كبّدها الكثير من المشاق بسبب سهرِي الطويل في صياغته وإعداده.

هذه هي السُّبل التي نتحقق بها من مؤلِّفي الكتب الحديثة، والمبدأ ذاته ينطبق على النصوص والكتب القديمة؛ إذ نبدأ بفحص الدليل الداخلي، ثم نتبعه بدراسة الدليل الخارجي. وبناءً على ذلك، فلننقل النظر الآن إلى الأدلة المتعلقة بالأناجيل.

🟪 الدليل الداخلي: انعدام المخطوطات اليونانية مجهولة المؤلف

إن الدليل الداخلي المستمد من الأناجيل نفسها لافت للنظر. فإذا رجعنا إلى المخطوطات اليونانية القديمة وفحصنا ما تحتويه بالفعل، سنجد أمرًا مثيرًا للاهتمام.

يذكر الدكتور برانت بيتري أنه عندما كان طالبًا بمرحلة الدكتوراه في جامعة نوتردام، بدأ بدراسة هذه المسألة للمرة الأولى. وكان في ذلك الحين قد سلّم بالفرضية القائلة إن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة المؤلف. غير أنه، بحكم تدريبه الأكاديمي في اللغات اليونانية والعبرية والآرامية، أراد العودة إلى المخطوطات نفسها للوقوف على تلك النسخ المفترَضة المجهولة المؤلف.

وكم عدد النسخ المجهولة المؤلف التي وجدها؟

صفر تمامًا.

فبحسب عرضه، لا توجد مخطوطات يونانية مجهولة النسبة للأناجيل، مع أننا نمتلك مئات، بل آلاف المخطوطات للعهد الجديد. ولا توجد بينها، وفق ما يقدمه من أدلة، مخطوطة واحدة من الأناجيل مجهولة النسبة.

🟪 لماذا تنهار نظرية «مجهولية المؤلف»؟

وهناك مشكلات أخرى تكتنف هذه النظرية:

أولًا: لا توجد مخطوطات مجهولة المؤلف؛ فهي ببساطة غير موجودة، ولا يوجد أي دليل على أنها وُجدت في أي وقت مضى.

وثانيًا: إذا تأملنا الأمر لبرهة، سنجد أن فرضية كون الأناجيل مجهولة المؤلف في الأصل هي في الواقع نظريةٌ غير معقولة بالمرة. فوفقًا للنظرية السائدة، صُنِّفت الأناجيل في الأصل من دون أي عناوين، ثم جرى تداولها ونُسِخت يدويًا في المخطوطات عقدًا بعد عقد لما يقرب من مئة عام، حتى القرن الثاني، قبل أن يقول أحدهم: «لكي نمنح هذه الكتب سلطة، نحتاج إلى حيلة لنستند بها إلى الرسل، أي إلى أشخاص ذوي سلطة ومكانة».

وهكذا، وفقًا لهذه النظرية، أضاف النُّساخ عناوين الأناجيل بعد نحو قرن، رغبةً منهم في إضفاء سلطةٍ كانت الأناجيل في أشد الحاجة إليها.

غير أن المشكلة في ذلك هي أنه لو كان هذا هو ما حدث بالفعل:

أولًا: لكنا نتوقع رؤية بعض النسخ المجهولة المؤلف، لكننا لا نملك نسخةً واحدةً منها.

وثانيًا: لو كانت الأناجيل قد تداولت بالفعل لمئة عام قبل إضافة العناوين إليها، فكيف عرف جميع النُّساخ أن ينسبوها إلى ذات العناوين والأسماء بالضبط؟

لنفترض، على سبيل المثال، أن ناسخًا في إفريقيا وناسخًا آخر في إيطاليا في القرن الثاني الميلادي حصلا على هذه الوثيقة المجهولة المؤلف؛ فكيف لكليهما أن يعرف أن ينسبها إلى متّى؟ وكيف لكليهما أن يعرف أن ينسب الأخرى إلى لوقا؟ وكيف لكليهما أن يعرف أن ينسب الأخرى إلى يوحنا؟

إن ما كان يُتوقَّع حدوثه لو كانت هذه النصوص مجهولة المؤلف حقًا هو أن يقوم نُساخ مختلفون بنسبتها إلى أشخاص مختلفين.

ولذلك، فإن افتراض أن جميع المخطوطات التي تمتلكها أيدينا قد اتفقت جميعها—على سبيل المصادفة—في نسبتها إلى الأشخاص أنفسهم يطرح نظرية غير معقولة ولا تستقيم منطقيًا.

ويمكننا مقارنة ذلك بالدليل المستمد من كتاب آخر في العهد الجديد، وهو الرسالة إلى العبرانيين؛ فالرسالة إلى العبرانيين كانت مجهولة المؤلف بالفعل، إذ لا تحمل عنوانًا ولا تذكر اسمًا لمؤلفها داخل النص. وتخمّن ماذا حدث نتيجة لذلك في المخطوطات؟ نُسبت إلى أشخاص مختلفين؛ فنسبها بعضهم إلى بولس، ونسبها آخرون إلى لوقا، ونسبها بعضهم إلى تيطس، وقال آخرون إن تيطس كتبها لبولس. وبعبارة أخرى، دارت النقاشات والسجالات حول مؤلفها لأنها كانت كتابًا مجهول المؤلف حقًا.

أما بالنسبة للأناجيل، فلا يوجد أي نزاع من هذا النوع حولها.

🟪 لماذا لم يكن المزوِّرون ليختاروا مرقس أو لوقا أو متّى؟

أما المشكلة الثالثة والأخيرة فتتعلق بفرضية التزوير نفسها.

فإذا كنت تريد بالفعل إضفاء سلطةٍ على كتابك عبر تزوير نسبته إلى شخصيةٍ ذات مكانة مرجعية، فلماذا تختار نسبة إنجيلك إلى مرقس أو لوقا؟

يذكر بيتري أنه عندما كان أصغر سنًا كان يظن أن مرقس ولوقا من جملة الرسل، بيد أنهما ليساكذلك؛ فمرقس كان رفيقًا لبطرس، ولوقا كان رفيقًا لبولس، ولم يكن أيٌّ منهما شاهد عيانٍ مباشرًا للسيّد المسيح، بل كانا رفيقين للرسل.

فلو كان الغرض المتوخّى هو منح السِّفر سلطة حاسمة بالافتراء والتزوير، فلماذا الانحياز لاختيار مرقس أو لوقا؟ وهما في هذا السياق لا يتمتعان بالمكانة الرسولية المباشرة؛ فلماذا لا يُنسب السِّفر—على سبيل المثال—إلى بطرس أو توما؟ بل لو كانت العملية برمتها من قبيل انتحال النصوص وتزويرها، فلماذا لا تُعزى النسبة رأسًا إلى المسيح نفسه، فيُقال: «إنجيل يسوع نفسه» أو «هذا كتابٌ صَنَفَه يسوع»؟ أفلن يمنح ذلك السِّفر القيمة القصوى من السلطة والموثوقية؟

لكن شيئًا من ذلك لم يحدث؛ والسبب، بحسب هذا الطرح، هو أن الأناجيل لم تكن نصوصًا مجهولة المؤلف أصلًا، ولا كانت كتاباتٍ منحولة، ولا حُمِلت على نسبةٍ زائفة.

بل إن كافة المخطوطات اليونانية التي بين أيدينا تجمع كليًا على إسناد الأناجيل الأربعة إلى أربعة أشخاص محددين:

أولًا، متّى، وهو جابي الضرائب وأحد الاثني عشر رسولًا.

ثانيًا، مرقس، المعروف باسم Marcus، وهو رفيق بولس ومفسّر بطرس.

ثالثًا، لوقا، المعروف باسم Lucas، وهو طبيب من الأمم ورفيق القديس بولس.

وأخيرًا، يوحنا، المعروف باسم Ioannes، وهو التلميذ المحبوب، والصياد، وأحد الاثني عشر.

🟪 هل كان بإمكان «الصيادين الأميين» كتابة الأناجيل؟

وهكذا، فإن كافة الأدلة الداخلية التي بين أيدينا تُسند الأناجيل إلى هؤلاء الأشخاص.

وهنا يُمكن إضافة نقطةٍ أخرى: فلو كنتَ تريد إقناع الناس بالمؤلف وائتمانه، فلن يكون متّى هو خيارك الأفضل او الأكثر ملاءمة؛ إذ كان جابي ضرائب، أي إنه—بالمعيار المعاصر—كان يمارس مهنةً لا تحظى في العادة بثقة الناس. فلماذا يكون متّى، تحديدًا، هو من كتب الإنجيل؟

ثمة اعتراضٌ آخر يطرحه بعض الباحثين أحيانًا؛ إذ يتساءلون: كيف لصيادٍ أمّيّ من أتباع يسوع أن يكتب كتابًا؟

ويشير بيتري إلى بارت إهرمان (Bart Ehrman) في هذا السياق، والذي يكرر هذا الاعتراض، إذ يصرّح—في جوهر كلامه—بأنه حتى لو أراد الرسل كتابة إنجيل، لما تمكنوا من ذلك؛ لأنهم كانوا مجموعة من الصيادين الأميين.

غير أن المشكلة في هذا الاعتراض تكمن في أنه—وإن صحّ أن أربعةً من رسل يسوع الاثني عشر كانوا صيادين، وهم بطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا—فإن ذلك لا يعني أن سائر الرسل كانوا صيادين.

ومن الصحيح أيضًا أن سفر أعمال الرسل يذكر أن بطرس ويوحنا كانا من عامة الشعب غير المتعلمين، أي إنهما كانا—بالمعنى التقني—أميين؛ بيد أنهما ليسا كل الرسل.

«فَلَمَّا رَأَوْا مُجَاسَرَةَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوَجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ غَيْرُ مُعَلَّمَيْنِ وَعَامِيَّانِ (ἀγράμματοι καὶ ἰδιῶται)، تعَجَّبُوا. وَعَرَفُوهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يَسُوعَ.» (أعمال الرسل 4: 13)

فهناك رسولٌ آخر يُدعى متّى، وكان جابي ضرائب. وما الذي يتوجب على جابي الضرائب كتابته؟ الوثائق والمستندات المالية. ومن ثَمَّ، فإن ممارسة جباية الضرائب كانت تتطلب تحصيل القدرة على القراءة والكتابة، وبالتالي كان متّى رسولًا متعلمًا ومُلمّاً بهما.

ولنتأمل الأمر بهذه الطريقة: لو كان أفراد هذه المجموعة يجلسون برفقة يسوع ويتعلمون منه لثلاث سنوات، وأدركوا أنه معلمٌ فذ، وخطر لأحدهم أن يُدوّن تعاليمه؛ فمن بين أربعة صيادين وجابي ضرائب، من يكون المُرشّح الأرجح لتولي مهام التدوين والكتابة؟

متّى، بطبيعة الحال. ومن ثَمَّ، فإن هذه المسألة بحد ذاتها لا تُشكل عقبةً حاسمةً أمام صحة نسبة الإنجيل إلى متّى.

تتبقى نقطةٌ أخيرة: حتى لو سلّمنا جدلًا بأن يوحنا كان عاجزًا عن الكتابة بيده—كما يُفهم من وصف سفر أعمال الرسل له—فإن عدم القدرة على الخط باليد لا يعني العجز عن كتابة كتاب؛ فإذا كان المرء لا يخط بيده، لكنه يرغب في كتابة كتاب، فما المسلك المتاح أمامه؟ يُمكنه الاستعانة بكاتبٍ أو سكرتير ليُملي عليه النص.

🟪 الدليل الخارجي: آباء الكنيسة

وهكذا، تُشير سائر الأدلة الداخلية إلى متّى ويوحنا بوصفهما رسولين، وإلى مرقس ولوقا بوصفهما رفيقين للرسل، باعتبارهما مؤلفي هذه النصوص.

غير أن هذا لا يمثل سوى الدليل الداخلي، والذي يمكن—من حيث المبدأ والافتراض النظرِيّ—أن يكون صنيعة التزوير أو الانتحال. ومن ثَمَّ، يتوجب علينا الانتقال إلى فحص الدليل الخارجي.

ويذكر بيتري أن لديه فصلًا كاملًا في كتابه يخصصه لـ «آباء الكنيسة الأوائل»، يتناول فيه المصنفات المسيحية القديمة الخارجة عن نطاق العهد الجديد، والتي صنفها رجال عاصروا الرسل، أو عرفوا أناسًا كانوا على صلة بالرسل، وهم من يُعرفون باسم الآباء الرسوليين. وتتوزع هذه الكتابات عبر القرون الأول والثاني والثالث والرابع للميلاد.

ويشير بيتري إلى أنه لم يكن على دراية بهذه الكتابات في شبابه، إذ كان يظن أن أسفار العهد الجديد هي كل ما انحدر إلينا من التراث المسيحي المبكر. بيد أنه عندما شرع في قراءة كتابات آباء الكنيسة، تبدّل تصوره لهذه المسألة بأسرها؛ فقد أقبل على دراسة الآباء وهو يتوقع العثور على ما تلقّاه في مرحلة دراسته الجامعية: ومفاده أن هوية كتبة الأناجيل غير معروفة لأحد، وأنها نصوصٌ مجهولة المؤلف. وكان يفترض أن الأشخاص الأقرب زمنيًا إلى الأحداث سيكونون غير متأكدين من هوية الكُتّاب، أو أن إفاداتهم ستكون غامضة ومفتقرة إلى التحديد.

غير أنه عثر على عكس ذلك تمامًا؛ إذ يخلص إلى أن آباء الكنيسة أجمعوا على أن أناجيل متّى ومرقس ولوقا ويوحنا قد كتبها بالفعل كلٌّ من متّى ومرقس ولوقا ويوحنا.

🟪 القديس إيريناوس بشأن الإنجيليين الأربعة

ويمكن تقديم مثالٍ واحدٍ على ذلك، وهو القديس إيريناوس (St. Irenaeus)؛ وهذه ليست سوى حالةٍ واحدةٍ من الأدلة الكثيرة التي يتناولها الفصل بأكمله.

كان إيريناوس تلميذًا لرجلٍ يُدعى بوليكاربوس (Polycarp)، وكان بوليكاربوس تلميذًا ليوحنا نفسه قبل أن يُستشهد. ولذلك، فإن إيريناوس يمثل حلقةً واحدةً فقط تفصله عن الرسول يوحنا.

وهذا ما كتبه إيريناوس في القرن الثاني:

«أصدر متّى إنجيلًا مكتوبًا بين العبرانيين بلسانهم الخاص، بينما كان بطرس وبولس يكرزان في روما ويؤساسان الكنيسة. وبعد رحيلهما، سلّمنا مرقس—تلميذ بطرس ومترجمه—مدوَّنًا ما كرز به بطرس. وكذلك سجّل لوقا—رفيق بولس—في كتابٍ الإنجيلَ الذي كرز به بولس. وبعد ذلك، أصدر يوحنا نفسه—تلميذ الرب الذي اتكأ على صدره—إنجيلًا أثناء إقامته في أفسس بآسيا».

(Against Heresies, Book 3, Chapter 1, Paragraph 1)

والمقصود بـ «آسيا» هنا هو آسيا الصغرى، أي الإقليم الواقع في تركيا الحالية.

ولاحظ ما يقرره إيريناوس هنا: فمتّى ويوحنا—وهما الرسولان وشاهدا العيان—هما مؤلفا الإنجيلين الأول والرابع؛ بينما كُتب الإنجيلان الآخَران بوساطة رجلين كانا رفيقين للرسل.

ومرقس يمثل حالةً ذات أهميةٍ خاصة في هذا السياق؛ فمع أنه لم يكن تلميذًا للسيّد المسيح بالمعنى المباشر كحال الرسل، فمن أين استقى مادتَه المعرفية؟

بحسب إيريناوس، استقاها من بطرس.

ومن ثَمَّ، حتى لو لم يكن مرقس شاهد عيانٍ بنفسه، فإنه كان يدوّن شهادة شاهد عيانٍ مباشر. ويمكن تشبيه ذلك بمقابلة شخصٍ في عصرنا ممن شهدوا حرب فيتنام أو الحرب الكورية أو الحرب العالمية الثانية؛ فقد لا يكون الباحث قد أدرك الحرب بنفسه، لكنه يستطيع استقاء شهادة شاهد عيانٍ شارك فيها بالفعل وتدوينها.

🟪 النتيجة: لا دليل على أن الأناجيل كانت مجهولة المؤلف في أي وقت

وخلاصة القول إن كافة الأدلة—بشِقّيها الداخلي والخارجي—تتضافر لتُثبت أن الأناجيل قد كُتبت بوساطة الرسل ورفقائهم، أي بوساطة شهود العيان ومن خلفوهم.

وبناءً على المعطيات التي عُرِضت هنا، فإنه لا يوجد أدنى دليلٍ يُثبت أن الأناجيل كانت—في أي مرحلةٍ من التاريخ—نصوصًا مجهولة المؤلف.

ليكون للبركة

 Patricia Michael