الأفعال الإلهية وانواعها:عن كتاب الثالوث ضرورة الوحدانية ،، كيف نفهم الثالوث؟

الأب مكاري القمص تادرس

Patricia Michael

تنقسم الأفعال عمومًا في أي كائن إلى نوعين:

أفعال داخلية وأفعال خارجية،

الأفعال الداخلية تتم في الكائن ذاته، كمثل عمليات كثيرة في الإنسان أشهرها عملية ولادة الفكر وهي عملية لا تصدر بقيادة الإنسان ولا تحت سلطانه بدليل أنه كثيرًا ما يريد التهرب من الأفكار التي ترد عليه بصعوبة،

بينما الأفعال الخارجية – أفعال تصدر من الكائن وموجهة إلى خارجه – مثل معاملاته مع الآخرين وهي أفعال تخضع لقرارات الإنسان.

على هذا النسق يقسم الشراح أفعال الله إلى نوعين من الأفعال، أفعال في داخل الجوهر الإلهي الواحد، وأفعال إلى خارجه

الأفعال التي في داخل الجوهر الإلهي الواحد تسمى أفعال "ثيولوجيا - θεολογια" أي خاصة بالإلوهية ووجود وكينونة الله ذاته.

بينما الأفعال الموجهة خارج الجوهر الإلهي تسمى أفعال "إيكونوميا - οικονομια" أي الأفعال التدبيرية مثل عملية الخلق.

١- أفعال الـ "الثيولوجيا - θεολογια": حسب ما تم توضيحه عن أفعال الثيولوجيا أنها تخص الجوهر الإلهي، وفي الجوهر الإلهي ذاته، فهي أفعال الكينونة الإلهية، أي تخص وجود الله وطبيعته وكيانه، لذلك فهي سر إلهي أعلى من إدراك البشر، ولذلك تسمى "سر الثالوث"، ولأنها أعلى من البشر فلا يمكن لنا سبر غورها، أو فحصها، أو الوقوف على تفاصيلها، وأيضًا لا يمكن لنا أن نعرفها إلا من خلال إعلان إلهي، وكل ما وصلنا من الإعلان هو مجرد قشور بسيطة، وهذه الأفعال الثيولوجية هي "العلاقات الأقنومية" أي صدور اللوغوس والروح القدس الدائم من الآب، وهما فعلان جوهريان أي خاصان بجوهر الله، ولقد أوضح الكتاب المقدس أن صدور أقنوم الابن من الآب يسمى "ولادة"، لكنها ليست ولادة بالمصنى المادي، لكن روحية مثل ولادة الفكر من العقل وولادة النور من الشمس، بينما أطلق الكتاب المقدس على صدور الروح القدس من الآب اسم "انبثاق"، وهو أيضًا صدور غير مادي، ونشبهه بانبثاق الحرارة من الشمس أو من النار أو مثل انبثاق رائحة الفاكهة من الثمرة. وهكذا يمكن تلخيص سمات أفعال "الثيولوجيا" كما يلي:

جوهرية: أي تخص الجوهر الإلهي.

سرمدية: أي تتم بصورة مستمرة أزلية أبدية بلا توقف فالشمس –على سبيل المثال– تظل تصدر نورها وحرارتها بلا توقف.

طبيعية: أي تتم بالطبيعة لا بالإرادة، فهي تتم تلقائيًا بطبيعة الجوهر الإلهي كولادة الابن من الآب وانبثاق الروح القدس من الآب.

* يمكن أن نسمي أفعال الثيولوجيا بالعلاقات الأقنومية، ومقصود بها العلاقات الجوهرية للأقانيم التي هي الصفات الأقنومية أو علاقات الكينونة الأقنومية وهي كالآتي:

-الآب والد الابن وباثق الروح القدس.

-الابن مولود من الآب.

-الروح القدس منبثق من الآب.

والفرق بين بين الولادة والانبثاق هو فارق لا ندركه في عالمنا البشري، لأنه من اختصاص طبيعة الله، ونشبهه (مع الفارق)، بالفارق بين ولادة الفكر من الروح العاقلة وولادة الحياة التي تملأ الكيان الإنساني كله حتى الجسد المادي بسبب اتصاله بالروح، فكلاهما يصدر من نفس الروح غير المادية، لكننا لا نقدر أن ندرك الكيفية والفرق بينهما.

٢- أفعال الـ "إيكونوميا - οικονομια" : هي الأفعال الإلهية الموجهة خارج الجوهر الإلهي، فهي أفعال تتم في الزمان أي بحسب الزمن الذي يحدده الله، لذلك تسمى أفعال "تدبيرية – إيكونوميا" وهي بذلك تتم بالإرادة، مثل خلقت الخليقة، أو فداء الإنسان، أو إرسال الروح القدس للكنيسة.. إلح. وهذه الأعمال تتم بالثالوث القدوس حتى لو كان لكل أقنوم دور متمايز، إلا أنها تتم بشركة أقنومية، وبلا إنفصال بين الأقانيم، كما يلي:

العمل بلا إنفصال: نحن نعلم أن أقنوم الكلمة تجسد، ولكنه تجسد بغير انفصال عن الأقنومين الآخرين، كمثل أن يقوم الإنسان بصلاة روحية دون أن تنفصل روحه عن جسده، أو يقوم جسده بالراحة أو النوم أو الأكل أيضًا دون الإنفصال عن الروح، لذلك يقول الكتاب "الابن الْوُحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو١: ١٨) والمقصود أن الابن تجسد وأعلن عن الآب لكنه ظل في الآب والآب فيه.

العمل المشترك: أعمال الإيكونوميا تتم بشركة بين الأقانيم، فالفداء الذي قام به الابن شارك فيه الآب والروح القدس دون أن يتجسدا، لكن بدور تدبيري آخر، وعلى ذلك يقول الآباء: "كل صلاح يأتي إلينا من الآب في الابن بالروح القدس"، إذا فكل عمل لله هو عمل ثالوثي عام، ولكن كل اقنوم يكون له دوره المتمايز، فهو ثالوثي بشركة الأقانيم ومتمايز من جهة التتميم.

فالفداء عمل ثالوثي، لكن كل أقنوم له دور متمايز قام بتتميمه، مثل أي عمل يقوم به الإنسان فهو عام وخاص في ذات الوقت إذ أن الإنسان يقوم بعمله عمومًا لكن عقله له دور متمايز وجسده له دور آخر متمايز، بالرغم من وحدانية الموضوع والعمل والعامل، فمثلًا الخلاص تممه الابن بتجسده وصليبه وموته وقيامته، لكننا نجد أن الآب قد شارك في الفداء إذ قدم ابنه كما قيل: "وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ" (غل ٤: ٤)،

وجاء أيضًا: "الَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟" (رو ٨: ٣٢)،

والآب هيأ أيضًا للإبن جسدًا فيقول: "لِذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا" (عب ١٠: ٥)،

والروح القدس أيضًا شارك في الفداء حين هيأ الناسوت في أحشاء العذراء مع الآب، كما قال الملاك ليوسف: "وَلَكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هَذِهِ الأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلًا: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ. لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (مت ١: ٢٠).

وكان الروح القدس أيضًا له دوره المتمايز في الأحداث التدبيرية الخاصة بحياة السيد المسيح والتي من أشهرها حلوله على المسيح في المعمودية (مت٣) وحلوله على التلاميذ في العلية (أع٢) .

ومازال الروح القدس يعمل ويشارك في الخلاص حيث يدعو غير المؤمنين للإيمان، ويثبت المؤمنين كما جاء: "لِذَلِكَ أَعْرِفُكُمْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ اللهِ يَقُولُ: «يَسُوعُ أَنَاثِيمَا». وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلاَّ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ" (١ كو ١٢: ٣)، فالعمل واحد لكن الدور متمايز.

عن كتاب : من كتاب الثالوث ضرورة الوحدانية ،، كيف نفهم الثالوث؟الأب مكاري القمص تادرس

ليكون للبركة

Patricia Michael