تفسير القديس هيلاري أسقف بواتييه لمشهد صلاة السيد المسيح في بستان جثسيماني
تثير صلاة السيد المسيح في بستان جثسيماني، ولا سيما قوله: «نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ» و«لِتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ»، سؤالًا لاهوتيًا مهمًا حول كيفية فهم هذا الحزن وهذه الصلاة في ضوء ما كان المسيح مقبلًا عليه من آلام. وقد قدّم القديس هيلاري، أسقف بواتييه (Hilary of Poitiers)، قراءة مميزة لهذا المشهد، إذ لا يجعل حزن المسيح متعلقًا بنفسه، ولا يفهم طلب عبور الكأس بوصفه طلبًا للاستغناء عنها، بل يربط الأمرين بالتلاميذ وبما سوف يصيبهم أمام القبض عليه و آلامه القادمة.
ومن خلال تفسيره لعبارتي «حَتَّى الْمَوْتِ» و«لِتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ»، يوضح هيلاري أن الحزن الذي تحدث عنه المسيح كان حزنًا على تلاميذه، وأن طلب عبور الكأس يرتبط برؤيته لهم وهم ضعفاء خائفون. وفي الوقت نفسه، يؤكد هيلاري أن المسيح لم يكن يطلب الاستغناء عن كأس الآلام، بل كان عازمًا على أن يشربها. ومن هنا تتضح ملامح تفسير هيلاري لمشهد جثسيماني، كما تظهر في شرحه لهاتين العبارتين.
«نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ»
يركّز القديس هيلاري في تفسير هذه العبارة على الدلالة التي تحملها لفظة «حَتَّى». فهي، في هذا السياق، لا تجعل الموت المرتقب سببًا لحزن المسيح، وإنما تحدد المدى الذي يمتد إليه هذا الحزن. فقول المسيح: «نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ» لا يعني، بحسب تفسير هيلاري، أن نفسه حزينة بسبب اقتراب الموت، بل إن الحزن يمتد حتى الموت.
ومن هنا يربط هيلاري حزن المسيح بالتلاميذ ارتباطًا مباشرًا؛ فالمسيح لم يكن حزينًا على نفسه، بل على تلاميذه، إذ كان يعلم ما سيحدثه القبض عليه وآلامه في نفوسهم. وكان يعلم ما سيصيبهم أمام ما كان على وشك أن يحدث، وما سيواجهونه من ضعف وخوف، حتى إنه تنبأ بهروبهم.
وعليه، فإن عبارة «حَتَّى الْمَوْتِ» لا تجعل الموت مصدر الحزن، بل تحدد امتداد هذا الحزن ونهايته. فالحزن الذي يتحدث عنه المسيح مرتبط بالتلاميذ، وهو حزن يستمر حتى موته؛ ومن ثم، فإن «الموت» يحدد نهاية الحزن، وليس السبب الذي نشأ عنه.
«لِتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ»
وبالمعنى نفسه، يفسّر القديس هيلاري قول السيد المسيح: «لِتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ»، إذ لا يرى في هذه الصلاة طلبًا للاستغناء عن كأس الآلام أو الامتناع عن شربها؛ فقد كان المسيح، في تفسيره، عازمًا على أن يشرب كأس الآلام، ولم يكن يطلب الاستغناء عنها.
وكانت هذه الصلاة، بحسب تفسير هيلاري، من أجل التلاميذ، لكي تعبر عنه كأس رؤيته لهم وهم ضعفاء خائفون. فالمسيح، في هذا التفسير، كان يعلم ما سيصيبهم أمام آلامه. ولذلك لم تكن الصلاة طلبًا للاستغناء عن الكأس التي كان هدفه أن يشربها، بل أن تعبر عنه الكأس المرتبطة برؤيته لتلاميذه في ضعفهم وخوفهم، لكي يستطيعوا أن يتألموا من أجله فيما بعد كشهداء مفعمين بالرجاء، من دون ألم أو خوف.
الخاتمة:وهكذا، يربط هيلاري حزن المسيح وصلاته في جثسيماني بالتلاميذ، لا بالخوف من الموت أو بطلب الاستغناء عن الكأس؛ فالحزن كان من أجلهم، والكأس كان يريد أن يشربها، طالبًا أن تعبر عنه كأس رؤيته لهم في ضعفهم وخوفهم.
ليكون للبركة