🔴هل أفسدت المسيحية العالم؟

أرنوبيوس (Arnobius) في مواجهة اتهام الوثنيين بأن المسيحيين جلبوا الكوارث وغضب الآلهة على الإمبراطورية.

قراءة دفاعية في «ضد الوثنيين» – الكتاب الأول

بحث ودراسة: Patricia Michael

🔴من هو ارنوبيوس (Arnobius)

أرنوبيوس (Arnobius)، المعروف باسم أرنوبيوس السيكّاني (Arnobius of Sicca)، هو كاتب ومدافع مسيحي لاتيني من شمال أفريقيا عاش في أواخر القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الميلادي، ويُعد من أبرز المدافعين المسيحيين الذين كتبوا باللغة اللاتينية قبل قسطنطين.

كان يعيش في سيكا فينيريا (Sicca Veneria)، وهي مدينة في شمال أفريقيا الرومانية، في المنطقة التي تُعرف اليوم بتونس. وكان في الأصل وثنيًا، ثم اعتنق المسيحية في مرحلة متأخرة من حياته. وتشير المصادر القديمة إلى أنه كان يعمل معلّمًا للبلاغة.

أشهر أعماله هو كتابه Adversus Nationes، ويُعرف بالإنجليزية باسم Against the Heathen أو Against the Pagans، ويتكون من سبعة كتب. ألّفه دفاعًا عن المسيحيين في مواجهة الاتهامات الوثنية، ولا سيما الادعاء بأن المسيحية تسببت في غضب الآلهة، وأن ظهورها كان سببًا في الكوارث التي أصابت الإمبراطورية الرومانية.

واللافت في دفاع أرنوبيوس أنه لا يكتفي بالدفاع عن المسيحية، بل يهاجم الأساس المنطقي والديني للوثنية نفسها، فيناقش طبيعة الآلهة، والعبادة الوثنية، والقرابين، والأساطير، ومفهوم النفس البشرية، كما يحاول تفنيد الاتهام القائل بأن المسيحيين مسؤولون عن الشرور والكوارث.

ويبدو أن كتابه كُتب في سياق الاضطهادات الكبرى للمسيحيين في عهد الإمبراطور دقلديانوس، أي في الفترة التي سبقت مباشرةً التحول القسطنطيني. ولذلك يمثل كتابه شاهدًا مهمًا على الأدب الدفاعي المسيحي اللاتيني في أواخر القرن الثالث.

🔴حجة أرنوبيوس في مواجهة الوثنيين

لم يكن أرنوبيوس في دفاعه هذا يجيب عن مسألة لاهوتية داخلية تخص المسيحيين، بل كان يواجه اتهامًا اجتماعيًا ودينيًا وسياسيًا وُجِّه إلى المسيحية في العالم الروماني. فقد كان خصوم المسيحيين يربطون بين انتشار المسيحية وبين ما أصاب الإمبراطورية من حروب وأوبئة ومجاعات وسائر الكوارث. وكان منطق هذا الاتهام قائمًا على أن المسيحيين، برفضهم عبادة الآلهة التقليدية وتقديم القرابين لها، قد أثاروا غضب تلك الآلهة، فجاءت المصائب عقابًا للمجتمع كله. وهكذا لم يعد انتشار المسيحية، في نظر خصومها، مجرد ظهور ديانة جديدة، بل أصبح تفسيرًا محتملًا للشرور والكوارث التي أصابت الإمبراطورية.

ولمواجهة هذا الاتهام، لا يكتفي أرنوبيوس بإنكار المسؤولية عن الكوارث، بل يفحص الدعوى نفسها: إذا كان ظهور المسيحية قد أفسد العالم فعلًا، فأين الدليل على أن نظام الكون قد اختل؟ هل تغيرت حركة الشمس والقمر والنجوم؟ هل اضطربت الفصول؟ هل توقفت الأرض عن الإنتاج، والحيوانات عن التكاثر، والبشر عن الزواج والإنجاب والعمل؟ من خلال هذه الأسئلة، يحوّل أرنوبيوس النقاش من مجرد اتهام إلى فحص للواقع، مطالبًا خصوم المسيحية بإثبات أن ظهورها أحدث بالفعل ذلك الخراب الذي ينسبونه إليها.

🔴لماذا كان هذا مهمًا للدفاع عن المسيحية؟

لم تكن هذه المسألة مجرد جدل نظري، لأن اتهام المسيحيين بأنهم يستجلبون غضب الآلهة والكوارث على المجتمع كان يمكن أن يتحول إلى مبرر اجتماعي وسياسي لاضطهادهم. فإذا اقتنع الناس بأن الأوبئة والمجاعات والحروب وسائر المصائب التي تصيب الإمبراطورية هي نتيجة لرفض المسيحيين عبادة الآلهة التقليدية، أصبح من السهل تقديم اضطهاد المسيحيين على أنه وسيلة لحماية المجتمع واستعادة رضا الآلهة. لذلك كان على الدفاع المسيحي أن يهدم هذه المقدمة من أساسها، وأن يبيّن أن مجرد وقوع الكوارث في عصر انتشار المسيحية لا يثبت أن المسيحيين تسببوا فيها؛ وبسقوط هذه العلاقة المزعومة بين وجود المسيحيين والمصائب التي تصيب المجتمع، تسقط كذلك الحجة التي تجعل اضطهادهم ضرورة لحماية الدولة والمجتمع.

🔴 وفيما يلي ترجمة الفقرتين الأولى والثانية من الكتاب الأول من «ضد الوثنيين» (Against the Heathen) لأرنوبيوس.

🟫لما وجدتُ أناسًا يعدّون أنفسهم من ذوي الحكمة البالغة في آرائهم، ويتصرفون كما لو كانوا قد أُلهِموا، ويعلنون، بكل سلطة تشبه سلطة الوحي، أن الكون، منذ أن بدأ الشعب المسيحي في الوجود على الأرض، قد أخذ في الانهيار، وأن الجنس البشري قد نالته ألوان شتى من الشرور، بل إن الآلهة أنفسها، بعد أن تخلّت عن مهمتها المعتادة التي كانت تجعلها، في الأزمنة السابقة، ترعى شؤوننا بعناية، قد أُقصيت عن أقاليم الأرض؛ فقد عزمتُ، بقدر ما تسمح به قدرتي، وبقدر ما تتيحه طاقتي المتواضعة على التعبير، أن أواجه هذا الحكم الشائع، وأن أدحض هذه الاتهامات الافترائية، حتى لا يتوهم هؤلاء، من ناحية، أنهم يقررون أمرًا بالغ الأهمية، بينما هم في الواقع لا يفعلون سوى ترديد شائعات مبتذلة يتناقلها العامة؛ وحتى لا يظنوا، من ناحية أخرى، أننا إذا أحجمنا عن الدخول معهم في هذا الجدل، فقد أحرزوا النصر في قضية خسروها بسبب ما تنطوي عليه من ضعف، لا لأن المدافعين عنها آثروا الصمت.

ولا أنكر أن هذه التهمة بالغة الخطورة، وأننا نستحق بالفعل كل ذلك العداء الذي يُوجَّه إلى أعداء المجتمع، إذا ثبت أن أسباب انحراف الكون عن قوانينه، وإبعاد الآلهة عنه، وإنزال هذه الجموع من المآسي بأجيال البشر، ترجع إلينا نحن.

🟫 فلنفحص، إذن، بعناية المعنى الحقيقي لهذا الرأي وطبيعة هذا الادعاء؛ ولْنضع جانبًا كل رغبة في الخصومة والجدال، إذ إن مثل هذه الرغبة كثيرًا ما تعكّر صفو النظرة الهادئة إلى الأمور، بل وتحول دونها تمامًا. ولنختبر الأمر من خلال موازنة عادلة للاعتبارات من كلا الجانبين، لنعرف هل ما يُدَّعى صحيح أم لا.

فمن المؤكد أن مجموعة من الحجج المقنعة ستُثبت، لا أننا نحن الذين يتبيّن أننا أشد افتقارًا إلى التقوى، بل إن الذين يزعمون أنهم عابدون للآلهة ومكرّسون لخرافة عتيقة هم أنفسهم الذين يثبت عليهم هذا الاتهام.

ولنبدأ، إذن، بسؤالهم، أولًا، بلغة ودية هادئة: منذ أن بدأ اسم الديانة المسيحية يُتداول على الأرض، ما الظاهرة التي لم تُرَ من قبل، أو ما الحدث الذي لم يُسمع به من قبل، أو ما الأمر المخالف للقوانين التي وُضعت منذ البدء، الذي اختبرته أو عانت منه ما يُسمّى «طبيعة الأشياء»؟

هل تغيّرت تلك العناصر الأولى، التي يُتَّفق على أن جميع الأشياء قد تألّفت منها، إلى عناصر ذات طبيعةٍ مغايرة؟

وهل أصاب نظامَ الكون وكتلتَه، اللذين يظلّلاننا جميعًا ونحيا في نطاقهما، خللٌ في أي جزء منهما، أو هل تفككا وانحلا؟

وهل انحرفت حركة الكرة الأرضية، التي ألفناها، عن معدل حركتها الأولى، فأصبحت تتحرك ببطء شديد، أو اندفعت في دوران سريع جامح؟

وهل بدأت النجوم تشرق من الغرب، وأصبحت الكوكبات تغرب في الشرق؟

وهل أضحت الشمس نفسها، وهي أعظم الأجرام السماوية، التي يكتسي كل شيء بنورها، وتحيا الأشياء بحرارتها، أكثر توهجًا وشدة؟

أم أصبحت أقل دفئًا، فتحوّلت تلك الحرارة المنتظمة المتوازنة، التي اعتادت أن تؤثر بها في الأرض، إلى حالة مضادة وأسوأ؟

وهل كفّ القمر عن أن يتخذ أشكالًا جديدة، وعن العودة إلى أطواره السابقة من خلال التعاقب المستمر لأطوار جديدة؟

وهل تغيّر برد الشتاء، أو حرّ الصيف، أو اعتدال دفء الربيع والخريف، بسبب اختلاط الفصول بعضها ببعض اختلاطًا غير متناسق؟

وهل أصبح للشتاء أيام طويلة؟

وهل بدأت الليالي تستعيد ذلك الشفق المتأخر جدًا الذي يميّز فصل الصيف؟

وهل فقدت الرياح شيئًا من عنفها؟

وهل لم تعد السماء تتلبّد بالغيوم لأن الرياح فقدت قوتها، ولم تعد الحقول، بعد أن ترويها الأمطار، تزدهر؟

وهل أصبحت الأرض ترفض أن تقبل البذار الذي يُلقى فيها، أم أن الأشجار لم تعد تكتسي بأوراقها؟

وهل تغيّر مذاق الثمار الطيبة، أو تغيّر عصير الكرمة؟

وهل صار يُعصر من ثمار الزيتون دمٌ فاسد، ولم يعد الزيت يُمدّ به المصباح الذي انطفأ الآن؟

وهل فقدت حيوانات البر والبحر رغباتها الجنسية، فلم تعد تحمل صغارًا؟

أفلا ترعى، بحسب عاداتها وغرائزها الخاصة، نسلها الذي يتكون في أرحامها؟

وخلاصة القول، هل لم يعد البشر أنفسهم، الذين انتشروا في الأراضي المأهولة منذ بدايات وجودهم، يعقدون الزيجات وفق الطقوس المقررة؟

أفلا ينجبون أبناءً أعزاء؟

أفلا يهتمون بالشؤون العامة، والشؤون الفردية، وشؤون الأسرة؟

أفلا يوجّه كلٌّ منهم مواهبه، كما يشاء، إلى أعمال متنوعة وإلى أنواع مختلفة من التعلّم والمعرفة؟

أفلا يجنون ثمار اجتهادهم الدؤوب؟

أما الذين أُسندت إليهم هذه المهام، أفلا يمارسون السلطة الملكية أو القيادة العسكرية؟

أفلا يُرفَّع الناس كل يوم إلى مناصب الشرف ومواقع السلطة؟

أفلا يترأسون جلسات المحاكم؟

أفلا يفسرون أحكام القانون؟

أفلا يشرحون مبادئ العدل والإنصاف؟

وأما سائر الأمور التي تحيط بحياة الإنسان، والتي تقوم عليها حياته، أفلا يمارسها جميع الناس، كلٌّ في قبيلته، ووفق النظام المستقر في أعراف بلاده؟

🟫 وبما أن الأمر كذلك، وبما أنه لم تظهر فجأةً قوة غريبة تقطع مجرى الأحداث المتصلة وتُعطّل تعاقبها، فما الأساس الذي يقوم عليه الادعاء بأن وباءً قد حلّ بالأرض بعد أن جاءت الديانة المسيحية إلى العالم وكشفت أسرار الحق الخفي؟

ولكن خصومي يقولون: إن الأوبئة والجفاف والحروب والمجاعات والجراد والفئران والبرد، وغيرها من الأمور المؤذية التي تتعرض لها ممتلكات البشر، إنما تجلبها علينا الآلهة، وقد أثار غضبها ما ترتكبونه من آثام وما تقترفون من تعدّيات.

ولولا أن من علامات الحماقة الإطالة في الحديث عن أمور واضحة في ذاتها ولا تحتاج إلى دفاع، لأوضحتُ، من خلال استعراض تاريخ العصور الماضية، أن هذه الشرور التي تتحدثون عنها لم تكن مجهولة من قبل، ولم تكن مفاجئة في ظهورها، وأن الأوبئة لم تنقضّ على البشر، ولم تبدأ شؤون الناس تتعرض لشتى الأخطار، منذ أن نالت جماعتنا شرف أن تُعرف بهذا الاسم.

فإن كنا نحن المذنبين، وإن كانت هذه المصائب قد وُضعت عقابًا على خطايانا، فمن أين عرف القدماء هذه الأسماء التي تُطلق على المصائب؟ ومن أين جاءت لديهم تسميات الحروب؟ وبأي تصور استطاعوا أن يدلّوا على الوباء وعواصف البَرَد، أو كيف أدخلوا هذه الألفاظ في لغتهم التي بها أصبح الكلام واضحًا ومفهومًا؟

فإذا كانت هذه الشرور جديدة تماما، وكان منشؤها تعدّيات حديثة، فكيف أمكن للقدماء أن يقوموا بصياغة ألفاظًا لهذه الأمور، وهم، من جهة، يعلمون أنهم لم يختبروها بأنفسهم قط، ومن جهة أخرى، لم يسمعوا بأنها وقعت في زمن آبائهم وأسلافهم؟

ويقول خصومي: إن قلّة المحاصيل ونقص إمدادات الحبوب أصبحا يثقلان علينا أكثر من ذي قبل. فأنا أسأل: هل كانت الأجيال السابقة، حتى أقدمها، في أي زمن من الأزمنة بمنأى تام عن مثل هذه الكارثة التي لا مفر منها؟ ألا تشهد الألفاظ نفسها التي تُوصَف بها هذه الشرور، وتعلن بصوت واضح، أنه لم ينجُ منها إنسان قط نجاةً كاملة؟

ولو كان الأمر عسير التصديق، لأمكننا أن نستشهد بشهادة المؤرخين والكتّاب لنبيّن كم من الأمم العظيمة، وأيّ الأمم بعينها، وكم مرة، عانت مثل هذه المجاعات المروّعة وهلكت تحت وطأة الخراب المتراكم.

وكثيرًا ما تهطل عواصف البَرَد فتضرب كل شيء وتتلفه. أفلا نجد في الكتابات القديمة ذكرًا صريحًا للحجارة التي كانت تتساقط بكثافة، حتى إنها كثيرًا ما دمّرت أقاليم بأكملها؟

والأمطار الغزيرة تُهلك المحاصيل، وتُعلن الجدب في البلدان. فهل كان القدماء، حقًا، بمنأى عن هذه الشرور، ونحن نعلم أن أنهارًا عظيمة جفّت حتى يبس الطين في مجاريها؟

وكذلك كانت الأوبئة المعدية تفتك بالجنس البشري. ففتّشوا سجلات التاريخ المكتوبة بلغات مختلفة، وسوف تجدون أن جميع البلدان قد أصابها الخراب مرارًا، وحُرمت من سكانها.

وأما المحاصيل، فكانت الجراد والفئران تأتي على جميع أنواعها وتلتهمها. فراجعوا سجلاّت تاريخكم أنتم، وسوف تعلّمكم هذه الكوارث كم مرة حلّت بالعصور السابقة، وكم مرة دفعتها إلى البؤس والفقر.

وكذلك كانت المدن التي تهزّها الزلازل العنيفة تتداعى إلى الخراب والدمار. ألم تشهد العصور الغابرة مدنًا ابتلعتها شقوق عظيمة في الأرض، بمن فيها من سكان؟ أم أنها كانت تنعم بحصانة تحول دون وقوع مثل هذه الكوارث؟

Arnobius, Against the Heathen, Book I, sections 1–3, New Advent.

🔴ليكون للبركة

Patricia Michael