اكتشاف عظتين جديدتين منسوبتين إلى القديس أوغسطينوس، أسقف هيبوعظتان مكتشفتان في مخطوط لاتيني من القرن الثاني عشربحث ودراسة : Patricia Michael
في اكتشاف حديث ومثير في مجال دراسة التراث الآبائي المسيحي وتاريخ تفسير الأسفار المقدسة، تم الكشف عن عظتين لم تكونا معروفتين من قبل منسوبتين إلى القديس أوغسطينوس (Augustinus / Augustine of Hippo)، تتناولان تفسير الرواية الكتابية الخاصة بعرّافة عين دور وظهور صموئيل للملك شاول، الواردة في سفر صموئيل الاول والاصحاح 28.
وتكتسب العظتان أهمية خاصة لأنهما لا تقدمان مجرد نصين جديدين منسوبين إلى أحد أبرز آباء الكنيسة اللاتينية، بل تكشفان أيضًا عن معالجة وعظية متكاملة لنص كتابي كان موضع نقاش لدى المفسرين المسيحيين منذ العصور القديمة، ولا سيما السؤال المتعلق بطبيعة ظهور صموئيل لشاول: هل كان ظهورًا حقيقيًا لصموئيل، أم ظهورًا خادعًا، وكيف يمكن فهم ذلك في ضوء سلطان الله وعنايته؟
وقد تم التعرف إلى العظتين أثناء دراسة مخطوط لاتيني يعود إلى القرن الثاني عشر، محفوظ في مكتبة الأبرشية التي تحمل اسم الأسقف يان برنارد شلاغا في بيلبلين، بولندا (Bischof-Jan-Bernard-Szlaga-Diözesanbibliothek in Pelplin)، ويحمل رقم Pelplin 114 (195). وخضعت العظتان بعد اكتشافهما لفحص لغوي ونقدي متخصص بغرض تقييم نسبتهما إلى أوغسطينوس.
يوثق معهد الفيلولوجيا الكلاسيكية (Institut für Klassische Philologie) التابع لـ جامعة يوليوس ماكسيميليان بفورتسبورغ (Julius-Maximilians-Universität Würzburg) المشروع البحثي الخاص بالعظتين، ويذكر أن كريستيان تورناو (Christian Tornau) وكليمنس فايدمان (Clemens Weidmann)، المرتبطين بـ مجموعة الكتابات الكنسية اللاتينية (Corpus Scriptorum Ecclesiasticorum Latinorum – CSEL) في فيينا، تمكنا عام 2024، بفضل إشارة من بول نباور (Paul Nebauer) من جمعية دير باد دوبيران (Klosterverein Bad Doberan)، من التعرف إلى عظتين لم تكونا معروفتين من قبل في المخطوط المذكور.
ويعود المخطوط Pelplin 114 (195) إلى القرن الثاني عشر، ويحتوي، بحسب صفحة المشروع، على أربع عظات منسوبة إلى أوغسطينوس، إلى جانب شروح على نشيد الأنشاد لكل من غريغوريوس الكبير (Gregory the Great) وهيمو من أوكسير (Haymo of Auxerre). ومن بين المواد المنسوبة إلى أوغسطينوس في هذا المخطوط، تم التعرف إلى عظتين تمثلان اكتشافًا جديدًا. وموضوع العظتين هو الرواية الكتابية الخاصة بعرافة عين دور في سفر صموئيل الاول والاصحاح 28. ومن خلال فحص دقيق أُجري خلال ورشة دولية عقدها CSEL في فيينا عام 2025 لتحرير النصوص اللاتينية، أمكن ترجيح نسبة العظتين إلى أوغسطينوس.
وتتعلق العظتان بقصة شاول الذي، قبيل معركة مع الفلسطينيين، يجد نفسه في حالة من اليأس بعدما ان لم يستجب الله لصلواته، فيلجأ إلى امرأة تمارس استحضار الموتى. وبناءً على طلبه، تستحضر المرأة روح النبي صموئيل، الذي ينبئه بموته في المعركة. وقد أثارت هذه الرواية سؤالًا لاهوتيًا: كيف يمكن لامرأة تمارس استحضار الموتى أن تستدعي روح نبي؟ ويرتبط بذلك سؤال آخر يتعلق بمشكلة التوفيق بين هذه الواقعة وقدرة الله المطلقة: كيف يسمح الله بحدوث ذلك؟
ويوجد في علم اللاهوت تفسيران رئيسيان لهذه الواقعة. فوفق التفسير الأول، كان ما حدث خداعًا من جانب العرّافة، ولم يكن الظهور لصموئيل الحقيقي. أما التفسير الثاني، فيفترض أن الله سمح بحدوث الاستحضار من أجل تحذير شاول من موته المحقق. وتتناول العظتان هذين التفسيرين؛ إذ تنتهي العظة الأولى بطرح السؤال اللاهوتي وعرض التفسيرات الممكنة، بينما تعود العظة الثانية، التي أُلقيت في الأربعاء التالي، إلى هذه الاحتمالات وتناقشها وتزنها. وبذلك تُترك للمستمعين مساحة لتكوين أفكارهم الخاصة حول كيفية فهم الرواية الكتابية.
وتتميز العظتان أيضًا بترابطهما في معالجة الموضوع. فهما لا تقدمان نصين مستقلين يتناولان الموضوع نفسه، بل تأتي العظة الثانية استكمالًا للأولى. فقد أُلقيت العظة الأولى خلال خدمة الأحد، وانتهت بطرح السؤال اللاهوتي والتفسيرات الممكنة، ثم تناولت العظة الثانية، التي أُلقيت في الأربعاء التالي، هذه الاحتمالات من جديد وقامت بمناقشتها وموازنتها. ووفقًا للباحث كريستيان تورناو، يعكس هذا الأسلوب التعليمي والبلاغي منهجًا مميزًا لدى أوغسطينوس، يتمثل في عرض إمكانات التفسير، وعدم إصدار حكم نهائي، وترك مساحة للمستمعين للتفكير بأنفسهم في كيفية فهم المقطع الكتابي.
وقد أضاف التقرير الرسمي الذي نشرته جامعة يوليوس ماكسيميليان بفورتسبورغ (Julius-Maximilians-Universität Würzburg) في 2 يونيو 2026، تحت عنوان Two new sermons by St Augustine discovered، تفاصيل أخرى عن عملية الاكتشاف والفحص العلمي. فبحسب التقرير، تلقى كريستيان تورناو (Christian Tornau) عام 2024 طلبًا من أحد العاملين في جمعية دير باد دوبيران (Klosterverein Bad Doberan) للمساعدة في قراءة مخطوط من القرن الثاني عشر، وأثناء دراسة المخطوط تعرّف إلى عظتين لم تكونا معروفتين سابقًا ضمن مؤلفات أوغسطينوس.
ويضيف التقرير أن تورناو لاحظ في النصين خصائص تتصل بأوغسطينوس من حيث الأسلوب والمضمون وروح الفكاهة ، غير أن هذه الملاحظات لم تُعامل بوصفها حسمًا نهائيًا لنسبة النصين. فقد كان الباحثون واعين إلى ضرورة التعامل بحذر مع نسبة المؤلفات إلى أوغسطينوس، نظرًا إلى وجود نصوص نُسبت إليه في تاريخ التقليد ثم تبيّن لاحقًا أنها ليست من أعماله. ولهذا جرى فحص العظتين بصورة دقيقة بالتعاون مع كليمنس فايدمان (Clemens Weidmann).
ويذكر التقرير كذلك أن العظة الأولى أُلقيت يوم الأحد، وانتهت بطرح السؤال المتعلق بكيفية فهم حادثة عين دور والتفسيرات الممكنة لها، ثم جاءت العظة الثانية يوم الأربعاء التالي لمناقشة هذه الاحتمالات وموازنتها. وتكشف هذه البنية عن وحدة موضوعية ووعظية بين النصين، وتوفر مادة إضافية لدراسة ممارسة الوعظ عند أوغسطينوس وطريقته في الانتقال من النص الكتابي إلى معالجة السؤال التفسيري.
وقد نوقشت العظتان كذلك في فيينا خلال خريف 2025 ضمن نشاط علمي متخصص شارك فيه باحثون في الدراسات اللاتينية. وينقل تقرير الجامعة أن تورناو نظم في فيينا مدرسة صيفية شارك فيها عشرون باحثًا آخر من المتخصصين في الدراسات اللاتينية، حيث جرت مناقشة النصين والتحقق من أصالتهما، وانتهى المشاركون إلى الاتفاق على أن العظتين أصيلتان.
وتتجاوز قيمة الاكتشاف مجرد إضافة نصين إلى المؤلفات الأوغسطينية المعروفة؛ فالعظتان تقدمان مادة جديدة لدراسة تفسير أوغسطينوس للنصوص المقدسة، ولا سيما تفسيره لقصة العرّافة في عين دور وظهور صموئيل الواردة في صموئيل الأول 28، كما تتيحان دراسة الكيفية التي بُني بها الخطاب الوعظي حول نص كتابي أثار أسئلة لاهوتية وتفسيرية معقدة. كذلك فإن امتداد المعالجة عبر عظتين، من عرض السؤال إلى مناقشة التفسيرات المطروحة، يتيح للباحثين دراسة العلاقة بين التفسير الكتابي والممارسة الوعظية عند أوغسطينوس.
أما من الناحية المخطوطية، فإن وجود النصين في مخطوط لاتيني من القرن الثاني عشر يمثل عنصرًا أساسيًا في هذا الاكتشاف. فالمخطوط Pelplin 114 (195) محفوظ في مكتبة الأبرشية في بيلبلين، وهو المخطوط الذي حُفظ فيه النصان ضمن تقليد المخطوطات اللاتينية في العصور الوسطى.
والصورة المنشورة مع المشروع تُظهر الورقة 14r من المخطوط نفسه، وفيها النص الذي يشير إلى:
«عظات أوغسطينوس عن العرّافة وظهور صموئيل».
المصدر: بيلبلين، مكتبة الأبرشية، المخطوط Pelplin 114 (195)، الورقة 14r.
الصورة: مكتبة الأبرشية التي تحمل اسم الأسقف يان برنارد شلاغا في بيلبلين(Biblioteka Diecezjalna im. Biskupa Jana Bernarda Szlagi w Pelplinie).
ولا يمثل التعرف إلى النصين نهاية المسار البحثي، إذ يعمل كريستيان تورناو (Christian Tornau)، بالتعاون مع كليمنس فايدمان (Clemens Weidmann) ودوروثيا فيبر (Dorothea Weber)، ضمن Corpus Scriptorum Ecclesiasticorum Latinorum (CSEL) في فيينا، على إعداد الطبعة الأولى للعظتين. وتمثل هذه المرحلة انتقالًا من اكتشاف النصين وفحص نسبتهما إلى إعداد النص للنشر العلمي ودراسته في إطار تقليده المخطوطي وعلاقته بالمؤلفات الأوغسطينية المعروفة.
وتبرز أهمية هذا الاكتشاف في إظهار قيمة المخطوطات اللاتينية في إعادة فحص النصوص المنسوبة إلى آباء الكنيسة. فقد احتوى هذا المخطوط من القرن الثاني عشر، المحفوظ في بيلبلين، على نصين لم يكونا معروفين سابقًا ضمن مؤلفات أوغسطينوس، ثم كُشف عنهما خلال البحث الحديث، وخضعا للفحص اللغوي والنصي والمناقشة العلمية المتخصصة.
وتكمن أهمية العظتين كذلك في أنهما لا تقدمان مادة جديدة لدراسة أوغسطينوس فحسب، بل تضيفان شاهدًا جديدًا إلى تاريخ تفسير صموئيل الأول 28، وتكشفان عن كيفية تناول هذه الرواية في سياق وعظي، حيث يبدأ التناول من قراءة النص الكتابي في العبادة، ثم ينتقل إلى طرح سؤال تفسيري، قبل أن تمتد المعالجة عبر عظتين متتابعتين.
ومن ثم، يمثل هذا الاكتشاف إضافة إلى دراسة التراث المسيحي، وتاريخ تفسير الأسفار المقدسة، والوعظ الأوغسطيني، والتقليد النصي اللاتيني. كما ستوفر الطبعة العلمية المرتقبة أساسًا لدراسة النصين بصورة أكثر تفصيلًا، وتحديد موقعهما بدقة ضمن تراث أوغسطينوس وتاريخ تفسير النص الكتابي.
الخاتمة
تكشف هذه الواقعة عن قيمة تتجاوز مجرد اكتشاف عظتين جديدتين؛ فهي تقدم مثالًا واضحًا على طبيعة البحث العلمي الرصين في الدراسات المسيحية، حيث لا تُمنح المصداقية للنصوص لمجرد قدمها، ولا تُقبل نسبة عمل إلى مؤلف لمجرد ورود اسمه في تقليد سابق، بل تُعامل المصادر بأمانة علمية تقتضي فحصها والتحقق منها قبل إصدار الحكم عليها.
وهذه الأمانة لا تقتصر على دراسة المؤلفات الآبائية أو المخطوطات، بل تمتد إلى دراسة الأسفار المقدسة نفسها، ونصوصها ومخطوطاتها وقراءاتها وتاريخ انتقالها، كما تشمل دراسة الشواهد التاريخية واللغوية والأثرية، والتحقيق في نسبة المؤلفات القديمة وأصالتها. فالبحث العلمي الجاد لا يتجنب الفحص والنقد، بل يجعل منهما جزءًا أساسيًا من الوصول إلى النتائج.
وتبرز قصة عظتي أوغسطينوس هذا الأمر بوضوح؛ إذ لم يُعتبر التشابه في الأسلوب والمضمون كافيًا وحده، ولم تُقبل النسبة بصورة تلقائية، بل استمر الفحص إلى أن خضعت العظتان للتحليل المتخصص والمناقشة العلمية. وهذه ليست مجرد خطوة إجرائية في تحقيق نص قديم، بل صورة من صور الأمانة العلمية التي تمنح النتائج قيمتها؛ فالباحث لا يكتفي بالعثور على ما يؤيد فرضيته، وإنما يختبر الفرضية نفسها قبل أن يبني عليها نتيجة.
ومن هنا تتضح أهمية المنهج النقدي في دراسة المصادر القديمة: فالنص الذي يخضع للفحص لا يفقد قيمته بسبب خضوعه للنقد، بل إن التحقق من نسبته وتاريخه وسياقه يجعل النتيجة أكثر رسوخًا من نتيجة لم تخضع للاختبار. وما نراه في دراسة المخطوطات والكتابات الآبائية والشواهد التاريخية يعكس حرصًا مستمرًا على التوثيق والدقة، وعلى التمييز بين ما ثبت بالفعل وما لا يزال قيد البحث.
فالمصداقية هنا ليست شعارًا، بل ممارسة علمية، والموثوقية ليست افتراضًا مسبقًا، بل ثمرة للبحث الدقيق، والنقد المسؤول، والتوثيق الصريح، والاستعداد لمراجعة النتائج متى اقتضت الأدلة ذلك. وهذا ما يجعل كل اكتشاف جديد، مثل عظتي أوغسطينوس، إضافة إلى المعرفة العلمية عندما يمر عبر هذا المسار من الفحص والتحقق والتوثيق.
Julius-Maximilians-Universität Würzburg (University of Würzburg) — Two new sermons by St Augustine discovered, 2 June 2026.
Institut für Klassische Philologie / Universität Würzburg — Zwei neuentdeckte Predigten Augustins über die „Hexe von Endor“ (1 Sam 28).
ليكون للبركة