تمايز الأقانيم ووحدة الجوهر الالهي عند القديس باسيليوس الكبير - دراسة تحليلية من الرسالة 38 إلى أخيه غريغوريوس
كيف يمكن أن يكون الآب والابن والروح القدس متمايزين، ومع ذلك لا يكونون ثلاثة آلهة؟
يرتبط هذا السؤال بالتمييز بين الجوهر (οὐσία) والأقنوم (ὑπόστασις)، وهو التمييز الذي يوضحه القديس باسيليوس الكبير في رسالته إلى أخيه غريغوريوس. والمقصود هو بيان كيف يمكن الحفاظ على وحدة الطبيعة الإلهية مع تمايز الأقانيم، دون أن يؤدي أحد الأمرين إلى إلغاء الآخر.
فالجوهر يشير إلى الطبيعة الإلهية الواحدة غير المجزأة، بينما يشير الأقنوم إلى الوجود الأقنومي المتميز بخصائصه الخاصة. ولذلك فالآب والابن والروح القدس ليسوا ثلاثة جواهر إلهية، بل ثلاثة أقانيم متميزون، يشتركون كلياً في الجوهر الإلهي الواحد.
ويعبّر باسيليوس عن هذه العلاقة بدقة، فيقول:
“the continuity of nature being never rent asunder by the distinction of the hypostases, nor the notes of proper distinction confounded in the community of essence.”
«فإنّ استمرارية الطبيعة لا تنفصم قط بتمايز الأقانيم، ولا تختلط سمات التمايز الخاص بالاشتراك في الجوهر.»
توضح هذه العبارة أن تمايز الآب والابن والروح القدس لا يعني انقسام الطبيعة الإلهية أو تعددها؛ فالأقانيم متميزون تمييزًا حقيقيًا بخصائصهم الأقنومية، دون أن يؤدي هذا التمايز الى تعدد الجوهر الإلهي. وفي المقابل، فإن وحدة الجوهر لا تلغي الخصائص التي تميز كل أقنوم، ولا تؤدي إلى اختلاطها أو إزالة التمايز بينها.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الجوهر والأقنوم. فالجوهر يجيب عن سؤال: ما هو؟ أما الأقنوم فيشير إلى: من هو؟ ولذلك فإن ما هو مشترك بين الآب والابن والروح القدس يعود إلى الطبيعة الإلهية الواحدة، بينما ما يخص كل أقنوم ويميزه عن الآخر يتعلق بالخصائص الأقنومية.
ومن ثم، عندما نقول إن الآب والابن والروح القدس ثلاثة أقانيم، فلا نعني ثلاثة آلهة أو ثلاثة جواهر إلهية مستقلة، لأن التمايز يتعلق بالأقانيم، بينما الجوهر الإلهي واحد. وفي المقابل، عندما نقول إن الله واحد، لا نعني أن الآب والابن والروح القدس أقنوم واحد، أو أنهم مجرد أسماء مختلفة لأقنوم واحد.
وهذا هو الفارق الذي يحافظ عليه باسيليوس في آنٍ واحد: التمييز دون انقسام، والوحدة دون اختلاط. فتمايز الأقانيم لا يتحول إلى انقسام في الطبيعة الإلهية، كما أن وحدة الجوهر لا تتحول إلى إلغاء للتمايز الأقنومي.
مثال قوس قزح وظاهرة انكسار الضوء
ولتقريب هذه الفكرة، يستخدم باسيليوس مثال قوس قزح، لكنه يضع قيدًا مهمًا منذ البداية، إذ يؤكد أن ما يقدمه ليس الحقيقة ذاتها، بل مجرد مثال وانعكاس لها، فيقول:
“accept what I say as a token and reflexion of the truth, and not the truth itself.”
«تقبّل ما أقوله على أنه مثال وانعكاس للحقيقة، وليس الحقيقة ذاتها.»
وهذا التنبيه مهم؛ لأن باسيليوس لا يقصد أن يساوي بين الثالوث وأي ظاهرة مادية، وإنما يستخدم ظاهرة محسوسة لتقريب جانب محدد من الفكرة إلى الذهن.
فعندما يظهر قوس قزح، يمكن للعين أن تميز ألوانًا متعددة ومختلفة بوضوح، ومع ذلك لا تستطيع الحواس أن تحدد فاصلًا محسوسًا أو مسافة تفصل بين لون وآخر. فنحن ندرك التمايز بين الألوان، لكننا لا ندرك بينها انفصالًا يقوم على وجود فواصل مستقلة.
ولهذا يقول باسيليوس:
“As then in the token we clearly distinguish the difference of the colors, and yet it is impossible for us to apprehend by our senses any interval between them...”
«فكما أننا في المثال نميّز بوضوح اختلاف الألوان، ومع ذلك يستحيل علينا أن ندرك بحواسنا أيَّ مسافةٍ فاصلةٍ بينها...»
إذن، النقطة التي يريد باسيليوس إبرازها هي اجتماع أمرين في الظاهرة نفسها: وجود تمايز يمكن إدراكه، مع غياب انفصال محسوس بين الأشياء المتميزة. فالألوان ليست لونًا واحدًا بحيث يستحيل تمييز بعضها عن بعض، لكنها في الوقت نفسه لا تظهر كأجزاء مستقلة يفصل بينها فراغ أو مسافة.
ثم يواصل باسيليوس وصف المثال فيقول:
“the essence emitting the many-colored radiance, and refracted by the sunbeam, was one essence; it is the color of the phænomenon which is multiform.”
«إنّ الجوهر الذي يُصدر الإشعاع متعدد الألوان، والمنكسر بوساطة شعاع الشمس، إنّما هو جوهرٌ واحد؛ أمّا لون الظاهرة فهو متعدد الأشكال.»
وهنا ينبغي الانتباه إلى أن هذا الكلام جزء من المثال الحسي، وليس تعريفًا مباشرًا لطبيعة الثالوث; فباسيليوس نفسه سبق أن حذّر من التعامل مع المثال باعتباره الحقيقة ذاتها. والغرض هو استخدام ظاهرة يمكن ملاحظتها لتقريب فكرة أن التعدد في التمييز لا يستلزم بالضرورة الانقسام في الأصل أو الطبيعة.
ثم ينقل باسيليوس المثال إلى مستوى الحديث عن الأقانيم، فيقول:
“the peculiar properties of the hypostases, like colors seen in the Iris, flash their brightness on each of the Persons Whom we believe to exist in the Holy Trinity; but that of the proper nature no difference can be conceived as existing between one and the other...”
«إنّ الخصائص المميِّزة للأقانيم، كالألوان التي تُرى في قوس قزح، تُشرِق ببهائها على كل أقنومٍ من الأقانيم الذين نؤمن بوجودهم في الثالوث القدوس؛ أمّا من جهة الطبيعة الخاصة، فلا يمكن تصوُّر وجود أي اختلاف بين أحدهم والآخر...»
وهنا تتضح المقارنة: الخصائص الأقنومية متميزة، أما الطبيعة فليست مختلفة بين الآب والابن والروح القدس. فالتمايز الذي يخص الأقانيم لا يتحول إلى اختلاف في الطبيعة الإلهية.
لقد استخدم القديس باسيليوس تشبيه قوس قزح لتوضيح كيف أن الضوء/الجوهر الإلهي واحد تماماً ولا ينقسم في الطبيعة (φύσις)، ولكن عند انكساره يظهر تنوع الألوان، وهي الخواص الأقنومية (ἰδιότητες) التي تُميّز كل أقنوم عن الآخر دون أن تُجزّئ الجوهر الواحد.
ومن المهم أيضًا ألا يُفهم التشبيه على أن الأقانيم مجرد «ألوان» مختلفة لجوهر واحد؛ فهذا يتجاوز ما يقصده باسيليوس بالمثال. فباسيليوس يحافظ على التمييز الحقيقي بين الأقانيم من خلال خصائصهم المميزة، وفي الوقت نفسه يؤكد عدم وجود اختلاف في الطبيعة بينهم.
ولهذا يختصر باسيليوس الفكرة في العبارة:
“the distinction in hypostasis and the conjunction in essence.”
أي:
«التمييز في الأقنوم والاتحاد في الجوهر.»
وهذه العبارة هي مفتاح فهم المثال كله: التمييز في الأقانيم لا يعني انقسام الجوهر، ووحدة الجوهر لا تعني إلغاء التمايز الأقنومي.
فمثال قوس قزح لا يقدم «شرحًا» لطبيعة الثالوث، ولا يمكنه أن يحيط بالسر الإلهي، وإنما يستخدمه باسيليوس بوصفه مثالًا وانعكاسًا محدودًا للحقيقة، ليقرب إلى الذهن كيف يمكن أن يجتمع التمايز مع عدم الانفصال.
وبذلك يبقى الأساس اللاهوتي واضحًا: ثلاثة أقانيم متميزون، وطبيعة إلهية واحدة، دون انقسام في الجوهر أو اختلاط في الخصائص الأقنومية. إن صياغة باسيليوس لا تلغي أحد طرفي الحقيقة لصالح الآخر؛ فلا تحوّل الوحدة إلى أقنوم واحد، ولا تحوّل التمايز إلى ثلاثة جواهر، بل تحافظ على الأمرين معًا: التمييز في الأقنوم، والاتحاد في الجوهر.
Basil of Caesarea, “Letter 38: To His Brother Gregory, Concerning the Difference between οὐσία and ὑπόστασις,” §§4–5, New Advent.
ليكون للبركة