هل قول المسيح عن نفسه أنه "ابن الإنسان" هو نفسه قول حزقيال عن نفسه "ابن آدم"؟
الـــرد:
اولا: بحسب الايمان المسيحي تجد رؤية دانيال عن "مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ " (دانيال 7 : 13 - 14) تحقيقها الكامل في شخص الرب يسوع المسيح. اذ يقول:"كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ". (دا 7: 13، 14)
والذي يتأمل في صفات هذا الكائن العجيب الذي أطلق عليه دانيال لقب" مثل ابن إنسان" يجدها صفات لا تنطبق على إنسان مخلوق ولا على ملاك مخلوق. إنها صفات إلهيَّة تخص الله وحده، فهو الله ذاته، فلماذا قال عنه مثل ابن إنسان..؟ إنها إشارة لتجسده في ملء الزمان وظهوره في شكل إنسان دون أن يتخلى عن ربوبيته، والآن نلقي قليل من الضوء على هذه الصفات الإلهيَّة التي نسبها النبي للسيد المسيح:
أ - مع سحب السماء: لقد أرتبط ظهور الله بظهور السحاب، فعندما سار بنو إسرائيل في برية سيناء أربعين عامًا " وَكَانَ الرَّبُّ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ نَهَارًا فِي عَمُودِ سَحَابٍ لِيَهْدِيَهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَيْلًا فِي عَمُودِ نَارٍ لِيُضِيءَ لَهُمْ. لِكَيْ يَمْشُوا نَهَارًا وَلَيْلًا. " (خر 13: 21)
-وعندما تجلى الرب يسوع على الجبل أمام التلاميذ "وَكَانَتْ سَحَابَةٌ تُظَلِّلُهُمْ " (مر 9: 7)
-وعندما استحلف رئيس الكهنة السيد المسيح بالله الحي أن يخبرهم إن كان هو المسيح ابن الله " قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ قُلْتَ! وَأَيْضًا أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ».(مت 26: 64)
-ورآه يوحنا في رؤياه " ثُمَّ نَظَرْتُ وَإِذَا سَحَابَةٌ بَيْضَاءُ، وَعَلَى السَّحَابَةِ جَالِسٌ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ، لَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِكْلِيلٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي يَدِهِ مِنْجَلٌ حَادٌّ."(رؤ 14: 14).
ب- أُعطى سلطانًا ومجدًا وملكوتًا:-وقال الرب يسوع " كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، " (مت 11: 27) -وقال أيضًا " دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ" (مت 28: 18) -كما قال "اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ." (يو 3: 35).
ج - لتخضع له وتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة: وهو ما ينسجم مع قبول الرب يسوع العبادة التي قُدِّمت له في الأناجيل.
د- سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض: ورأينا سلطان السيد المسيح على كل شيء، ورأينا أنه ملك الملوك ورب الأرباب، وملكوته ملكوت أبدي لن ينقرض، ولهذا قال رئيس الملائكة جبرائيل للسيدة العذراء "هَذَا يَكُونُ عَظِيمًا، وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى، وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ، وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ، وَلَا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ".(لو 1: 32-33) وكان اليهود يعرفون إن ملكوت المسيح ملكوت أبدي كما أخبرهم بهذا دانيال النبي " فَأَجَابَهُ الْجَمْعُ: «نَحْنُ سَمِعْنَا مِنَ النَّامُوسِ أَنَّ الْمَسِيحَ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَفِعَ ابْنُ الإِنْسَانِ؟ مَنْ هُوَ هَذَا ابْنُ الإِنْسَانِ؟" (يو 12: 34)
ه -وقال بولس الرسول عن ملكوت السيد المسيح "لِذَلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتًا لَا يَتَزَعْزَعُ..." (عب 12: 28)..
ثانيا: ورد لقب "ابْنِ إِنْسَانٍ " في الأناجيل نحو ثمانين مرة، وهو اللقب الذي استخدمه المسيح عن نفسه أكثر من أي لقب آخر."فالمسيح، بحسب الإيمان المسيحي، إنسان كامل، إذ أخذ طبيعتنا البشرية بكل صفاتها، دون أن يتخلى عن طبيعته الإلهية. فقد وُلِد يسوع في بيت لحم" (مت 2: 1) وكان ينمو في القامة والحكمة والنعمة (لو 2: 52) وكان يأكل ويشرب ويجوع (مت 4: 2) ويعطش (يو 4: 17؛ 19: 28) وكان ينام (مر 4: 38) ويتعب من السفر (يو 4: 6) ويفرح (يو 5: 11) وكان يحب (مر 10: 21) ويتحنن (مت 9: 36) ويغضب (مر 3: 5) ويبكي (يو 11: 35) وكان يصلي (مت 14: 23) ويحزن ويكتئب (مت 26: 37) ويتألم (لو 24: 46) ومات وأسلم الروح البشرية في يد الآب (مت 27: 50).. إلخ. كل هذا وهو ليس مجرد إنسانًا فقط بل إله وإنسان في آن واحد، وفي إتحاد طبيعي أقنومي كامل، بدون اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ، فدعوة السيد المسيح نفسه بابن الإنسان لا يلغي ألوهيته قط.
ثالثا: كما دعى السيد المسيح نفسه بإبن الإنسان فإنه دعى نفسه بابن الله، فعندما إلتقى بالمولود أعمى بعد أن خلق له عينين جديدتين " فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجًا، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟ أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!»فَقَالَ: أُومِنُ يَا سَيِّدُ!» وَسَجَدَ لَهُ" (يو 9: 35 - 38)
ودعى نفسه بالابن في أسلوب يدل على لاهوته مثل قوله "وَالْتَفَتَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآبُ، وَلَا مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْنُ، وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ." (لو 10: 22) وطوَّب سمعان بطرس عندما أعترف به قائلًا:"فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!»" (مت 16: 16) .
رابعا: كان لقب حزقيال في العهد القديم "ابن آدم" يعبر عن ضعفه أما عندما أستخدم رب المجد ابن الإنسان فإنه كان يقصد أن يعلن عن نفسه أنه الإله المتأنس... الإله الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته،ولذلك نلاحظ أن السيد المسيح ربط بين "ابن الإنسان" التي تعبر عنه كإنسان وبين الأعمال الإلهيَّة التي تعلن لاهوته، فإن كانت الدينونة هي عمل إلهي فقد قال الرب يسوع " فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ." (مت 16: 27)
-فهو ابن الإنسان، وفي الوقت نفسه هو الذي يأتي في المجد مع ملائكته ويمارس الدينونة العادلة.
-كما أعلن السيد المسيح ارتباط مصير الإنسان الأبدي بموقفه منه، إذ قال:"لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي فِي هَذَا الْجِيلِ الْفَاسِقِ الْخَاطِئِ، فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَسْتَحِي بِهِ مَتَى جَاءَ بِمَجْدِ أَبِيهِ مَعَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ." (مر 8: 38)
-وإذا كان الوجود غير المحدود فوق الزمان والمكان من خصائص الله وحده، فإن السيد المسيح قال لنيقوديموس:" وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ." (يو 3: 13)
-وكذلك، إذا كان غفران الخطايا من سلطان الله، فقد أعلن المسيح أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا، فقال:"وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا». قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ!" (مر 2: 10 - 11)
-وأيضًا، إذا كان الله هو صاحب السلطان على الشريعة، فقد أعلن السيد المسيح:" فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا." (مت 12: 8 ).
-وهكذا يظهر أن لقب "ابن الإنسان" في استخدام المسيح له لا يقتصر على الإشارة إلى بشريته، بل يجمع بين حقيقة ناسوته وبين سلطان وأعمال ذات دلالة إلهية تؤكد الوهيته، مما يوضح المكانة الفريدة التي أعلنها عن نفسه.
خامسا: رآه يوحنا "شبه ابن الإنسان" ومع ذلك فقد وصفه بصفات إلهيَّة لا يمكن أن تنطبق على إنسان أو ملاك فقال :"وَفِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ، مُتَسَرْبِلًا بِثَوْبٍ إِلَى الرِّجْلَيْنِ، وَمُتَمَنْطِقًا عِنْدَ ثَدْيَيْهِ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ.وَأَمَّا رَأْسُهُ وَشَعْرُهُ فَكَانَا أَبْيَضَيْنِ كَالصُّوفِ الْأَبْيَضِ، كَالثَّلْجِ، وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ.وَرِجْلَاهُ شِبْهُ النُّحَاسِ النَّقِيِّ، كَأَنَّهُمَا مَحْمِيَّتَانِ فِي أُتُونٍ، وَصَوْتُهُ كَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ.وَمَعَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى سَبْعَةُ كَوَاكِبَ، وَسَيْفٌ مَاضٍ ذُو حَدَّيْنِ يَخْرُجُ مِنْ فَمِهِ، وَوَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا.فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلًا لِي: لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ." (رؤ 1: 13 - 18)
وهكذا فإن رؤية يوحنا لا تقدم "ابن الإنسان" باعتباره مجرد إنسان، بل تصفه بلغة تحمل صفات وسلطانًا إلهيًا، مثل كونه الأول والآخر، والحي إلى أبد الآبدين، وصاحب مفاتيح الموت والهاوية، وهي أوصاف تتجاوز حدود المخلوقات.
سادسًا: الفرق اللغوي بين "ابن آدم" في سفر حزقيال و"ابن الإنسان" في سفر دانيال
من المهم التمييز بين التعبير المستخدم في سفر حزقيال والتعبير الوارد في سفر دانيال، لأنهما لا يمثلان الصيغة اللغوية نفسها في النص الأصلي.
ففي سفر حزقيال، يرد التعبير العبري بصيغة בֶּן־אָדָם (ben-’adam)، أي: "ابن آدم" أو "يا ابن آدم" بحسب السياق. وهو نداء إلهي متكرر موجَّه إلى النبي حزقيال، يذكّره بإنسانيته ومحدوديته أمام الله، ولا يُستخدم في سياق السفر كلقب أخروي أو وصف لشخصية ذات دور سماوي.
أما في دانيال 7 : 13، فيرد النص الآرامي بصيغة مختلفة: כְּבַר אֱנָשׁ (kevar ’enash)، أي: "كمثل ابن إنسان" أو "كابن بشر". ويأتي هذا التعبير ضمن رؤية نبوية، إذ يقول دانيال:
«كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ، وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ أَتَى، وَجَاءَ إِلَى الْقَدِيمِ الأَيَّامِ، فَقَرَّبُوهُ قُدَّامَهُ. فَأُعْطِيَ سُلْطَانًا وَمَجْدًا وَمَلَكُوتًا، لِتَتَعَبَّدَ لَهُ كُلُّ الشُّعُوبِ وَالأُمَمِ وَالأَلْسِنَةِ. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لَا يَنْقَرِضُ» (دانيال 7 : 13 - 14).
ومن ثم، فإن التشابه في الترجمة العربية بين "ابن آدم" في سفر حزقيال و"ابن الإنسان" في سفر دانيال قد يوحي بأن التعبيرين متماثلان، بينما يختلفان من حيث اللغة الأصلية والصياغة والسياق؛ فالأول تعبير عبري בֶּן־אָדָם (ben-’adam) يرد بوصفه نداءً إلهيًا متكررًا لحزقيال، أما الثاني فتعبير آرامي כְּבַר אֱנָשׁ (kevar ’enash) يرد في سياق رؤية نبوية عن شخصية يظهر لها سلطان ومجد وملكوت أبدي.
ومن اللافت أن الأناجيل تنقل لقب "ابن الإنسان" بالصيغة اليونانية ὁ υἱὸς τοῦ ἀνθρώπου، وهي الصيغة التي استخدمها كتّاب الأناجيل عند تدوين هذا اللقب المرتبط بخلفية رؤية دانيال 7 : 13 ، حيث يرد النص الآرامي بالصيغة כְּבַר אֱנָשׁ (kevar ’ĕnāš)، أي: "كمثل ابن إنسان"، فيظهر آتيًا مع سحاب السماء وله السلطان والمجد والملكوت. لذلك فإن دراسة لقب "ابن الإنسان" في الأناجيل ترتبط بسياقه الكتابي الأوسع، ولا يمكن اختزاله في مجرد الإشارة إلى بشرية المسيح، بل يحمل أبعادًا مسيانية وأخروية مرتبطة بخلفيته في سفر دانيال.
سابعا: اليهود فهموا المقصود من لقب "ابن الإنسان"
من الأدلة المهمة على أن لقب "ابن الإنسان" لم يكن يُفهم في هذا السياق على أنه مجرد تعبير عن بشرية المسيح، هو رد فعل رئيس الكهنة أثناء المحاكمة. فعندما قال المسيح:
" «مِنَ الآنَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا عَلَى سُحُبِ السَّمَاءِ" (متى 26 : 64)
فقد جمع السيد المسيح بين صورتين كتابيتين معروفتين في الفكر اليهودي: صورة الجلوس عن يمين الله في مزمو110 : 1، وصورة الآتي على سحاب السماء في دانيال 7:13–14، حيث يظهر "مثل ابن إنسان" وله سلطان ومجد وملكوت أبدي.
ولذلك لم يفهم رئيس الكهنة كلام المسيح على أنه مجرد إعلان عن بشريته، بل أدرك أنه يطبِّق على نفسه النصوص التي ارتبطت في الفكر اليهودي بالمسيا والملكوت والدينونة، فمزق ثيابه وقال: «قد جدَّف» (متى 26 : 65). فلو كان المقصود من لقب "ابن الإنسان" مجرد معنى "أنا إنسان"، لما كان في هذا القول ما يبرر اتهامه بالتجديف، وإنما جاء ردُّ الفعل بسبب الدلالة التي حملها هذا اللقب في سياقه، مقترنًا بالجلوس عن يمين الله والمجيء على سحاب السماء.
ثامنا: لقب "ابن الإنسان" في الأدب اليهودي قبل المسيحية
من الجدير بالملاحظة أن لقب "ابن الإنسان" لم يكن يُفهم في بعض التقاليد اليهودية السابقة للمسيحية باعتباره مجرد تعبير عن البشرية، بل ظهر في بعض الأدبيات اليهودية في عصر الهيكل الثاني مرتبطًا بدور أخروي مميز. ويظهر ذلك بصورة خاصة في كتاب الأمثال من سفر أخنوخ الأول، حيث يرد "ابن الإنسان" بوصفه مرتبطًا بالدينونة والملكوت، وله مكانة فريدة في المشهد الأخروي، كما تخضع له الملوك والأمم.
وتكشف هذه النصوص أن بعض الأوساط اليهودية قبل ظهور المسيحية كانت قد ربطت لقب "ابن الإنسان" بتصورات أخروية مرتبطة بالدينونة والملكوت والسلطان، مما يساعد على فهم الخلفية الفكرية التي ظهر فيها استخدام هذا اللقب في الأناجيل.
تاسعًا: الاعتراض نفسه ينقض نفسه
إذا كان المقصود من لقب "ابن الإنسان" مجرد معنى "أنا إنسان"، فإن هذا التفسير لا ينسجم مع الطريقة التي استخدم بها المسيح هذا اللقب في الأناجيل؛ إذ لم يقتصر استخدامه على الإشارة إلى بشريته، بل ربطه مرارًا بسلطان وأعمال لا تُنسب إلى مجرد إنسان.
فبصفته "ابن الإنسان" أعلن أن له سلطانًا على غفران الخطايا (مرقس2 :10)، وأنه رب السبت (مرقس 2 : 28)، وأنه سيأتي على سحاب السماء بقوة ومجد عظيم (متى 24 : 30 )، وأنه سيدين جميع الأمم (متى 25 : 31–32)، كما أعلن أمام رئيس الكهنة أنه سيُرى جالسًا عن يمين القوة وآتيًا على سحاب السماء (متى 26 : 64).
وعليه، فإن الإشكالية ليست في لقب "ابن الإنسان" ذاته، بل في اختزال معناه إلى مجرد الإشارة إلى بشرية المسيح، مع تجاهل السياق الكامل الذي استخدم فيه المسيح هذا اللقب، وما نُسب إلى "ابن الإنسان" من سلطان وأعمال تتجاوز ما يمكن أن يُنسب إلى مجرد إنسان.
_____
القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير. لقب ابن الإنسان: هل يدل على أن المسيح إنسان فقط؟
كتاب أسئلة حول ألوهية المسيح - أ. حلمي القمص يعقوب
Clines, David J. A., ed. The Dictionary of Classical Hebrew. 9 vols. Sheffield: Sheffield Academic Press, 1993–2016.
Collins, John J. Daniel: A Commentary on the Book of Daniel. Hermeneia. Minneapolis: Fortress Press, 1993
Koehler, Ludwig, and Walter Baumgartner. The Hebrew and Aramaic Lexicon of the Old Testament. Translated and edited by M. E. J. Richardson. 5 vols. Leiden: Brill, 1994–2000.
ليكون للبركة